سوق الإسكان في دوامة التضخم والركود
يعاني سوق الإسكان من ضغوط التضخم وارتفاع تكاليف البناء، في وقت أدى فيه تراجع القدرة الشرائية للأسر إلى صعوبة تملّك المسكن، فيما أسهم إخفاق خطط الدعم في استمرار حالة الغموض لدى المتقدّمين.
ووفقا لمراسل مهر، دخل سوق الإسكان تدريجيا في فترة ارتفاع الأسعار منذ بداية التسعينيات، ومع اشتداد التضخم واستمرار ركود المعاملات، في السنوات الأخيرة من هذا العقد وبداية القرن الخامس عشر، وصل إلى واحدة من أكثر فتراته تعقيدا من الركود التضخمي؛ وهو الوضع الذي، في ظل الفجوة المتزايدة بين دخل الأسرة ونفقات المعيشة، أدى إلى انخفاض حاد في القوة الشرائية للمتقدمين من المستهلكين وجعل الطريق إلى امتلاك منزل صعبًا بالنسبة لجزء كبير من أصحاب المنازل والمستأجرين لأول مرة.
وفي الوقت نفسه، أدت الزيادة المستمرة في أسعار المساكن وتأخر دخل الأسرة من تكاليف الشراء والإيجار تدريجياً إلى خلق وضع تحول فيه امتلاك منزل للعديد من المتقدمين من هدف يمكن تحقيقه إلى حلم بعيد المنال. وقد اشتد هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة، كما واجه بعض المستأجرين، بالإضافة إلى فقدان إمكانية شراء السكن، صعوبات خطيرة في تغطية نفقات الإيجار؛ وهو الوضع الذي أجبر بعض الأسر على عكس الهجرة ودفع مجموعة أخرى إلى العيش في ضواحي المدن الكبرى.
الوعد ببناء 4 ملايين وحدة سكنية على الورق
من ناحية أخرى، حاولت الحكومات على مدى السنوات الماضية تمهيد الطريق أمام ملايين الأسر لتصبح مالكة للمنازل من خلال تنفيذ مخططات الإسكان المختلفة، بما في ذلك مهر للإسكان وحركة الإسكان الوطنية. إلا أن مرور سنوات على بداية تنفيذ هذه الخطط يظهر أن تحقيق الأهداف المنشودة لا يزال يواجه تحديات خطيرة. بحيث لم يتم إغلاق قضية إسكان مهر في بعض مدن البلاد الجديدة بعد، ولم تؤد حركة الإسكان الوطنية، على الرغم من الوعد ببناء أربعة ملايين وحدة سكنية في أربع سنوات من عام 1400 حتى سبتمبر 1404، إلا إلى إنجاز 41 ألف وحدة؛ وهي إحصائية تبتعد كثيراً عن التخطيط الأولي مقارنة بالهدف المعلن لبناء مليون وحدة سكنية سنوياً، وتثير الشكوك حول مدى الوفاء بوعود الحكومة في مجال الإسكان.
106% زيادة في تضخم مواد البناء في طهران
وبالإضافة إلى التحديات المتعلقة بعرض المساكن وبطء تنفيذ خطط الدعم، أصبحت الزيادة في تكاليف البناء أيضًا أحد العوامل التي تؤدي إلى تفاقم مشاكل هذا السوق. وبحسب آخر إحصائيات مركز الإحصاء الإيراني، فإن معدل التضخم في مواد البناء في طهران وصل إلى 106% في ربيع العام الجاري، وهو رقم يشير إلى تزايد ضغط تكاليف الإنتاج على سوق الإسكان.
يواجه سوق الإسكان تحديين أساسيين في نفس الوقت؛ فمن ناحية، يؤدي ارتفاع تكاليف الإنتاج والبناء إلى ارتفاع السعر النهائي للوحدات السكنية، ومن ناحية أخرى، فإن انخفاض القوة الشرائية للأسر يحد من إمكانية تحويل هذه الوحدات إلى طلب فعال. ونتيجة هذين الاتجاهين هي استمرار الركود التجاري مع الضغوط التضخمية
وفي مثل هذه الحالة، تتزايد الفجوة بين دخل الأسرة والسعر النهائي للوحدات السكنية يوما بعد يوم؛ فجوة لم تقتصر فقط على إمكانية شراء منزل للعديد من المستأجرين وأصحاب المنازل لأول مرة، بل جعلت بعض المتقدمين للحصول على خطط دعم الإسكان يواجهون خيبة الأمل والإرهاق في منتصف الطريق.
وأدى استمرار ركود المعاملات منذ شهر مارس من العام الماضي، إلى جانب ارتفاع تكاليف البناء ونمو أسعار مواد البناء وارتفاع سعر الوحدات السكنية، إلى فرض ضغوط إضافية على سوق الإسكان. ويستمر هذا الوضع في حين أدى انخفاض القوة المالية للمتقدمين من المستهلكين إلى الحد من إمكانية الاستيعاب الفعال للوحدات المعروضة في السوق وجعل احتمالات ازدهار الأعمال غير مؤكدة.
ورغم أن جزءاً من الزيادة في تكاليف البناء يُعزى إلى الأضرار والاستهداف الذي تعرضت له بعض المصانع ووحدات الإنتاج المرتبطة بصناعة البناء خلال الحرب الثالثة المفروضة، إلا أن التطورات في سوق الإسكان لا يمكن تفسيرها فقط بارتفاع تكاليف البناء. ويتبين من دراسة اتجاهات السنوات الماضية أن سلسلة من العوامل الاقتصادية، بما في ذلك انخفاض القوة الشرائية للأسر، وزيادة جاذبية السكن كأصل رأسمالي، واتساع الطلب على رأس المال وأنشطة المضاربة، ساهمت في تشكيل الظروف الحالية لهذا السوق.
تغيير طبيعة السكن. من السلع الاستهلاكية إلى الأصول الرأسمالية
وعلى مدى السنوات الماضية، تحول الإسكان تدريجياً من مجرد منتج استهلاكي إلى توفير المأوى وأصبح أحد أهم الأصول الرأسمالية في الاقتصاد المنزلي. إن زيادة جاذبية هذا القطاع كأداة للحفاظ على قيمة الأصول، إلى جانب انخفاض القوة الشرائية للأسر ودخول الطلب على رأس المال وأنشطة المضاربة، خلقت وضعا تعمق فيه الركود في القطاع الاستهلاكي في السوق.
بمعنى آخر، في الوضع الحالي، يواجه جزء كبير من الأسر التي تدخل السوق بهدف توفير المأوى وامتلاك منزل، فجوة خطيرة بين مستوى الدخل وسعر السكن. وقد أدت هذه الفجوة إلى تقليل قدرة طلب المستهلك على التأثير على المعاملات وتسببت في أنه حتى الزيادة في الأسعار لا تؤدي إلى طفرة في البيع والشراء.
ويعتبر هذا الوضع من أهم سمات سوق الإسكان في فترة الركود التضخمي؛ سوق ترتفع فيه الأسعار وتكاليف الإنتاج، لكن القوة الشرائية للأسر وحجم المعاملات لا تنمو بما يتناسب مع هذه الزيادة. ونتيجة لذلك، لا تؤدي الزيادة في الأسعار وحدها إلى خلق الأساس لازدهار السوق، كما أن انخفاض القوة المالية للمتقدمين لا يجعل من الممكن عودة الطلب الاستهلاكي إلى المستوى الفعال.
في مثل هذه الحالة، يواجه سوق الإسكان تحديين أساسيين في نفس الوقت؛ فمن ناحية، يؤدي ارتفاع تكاليف الإنتاج والبناء إلى ارتفاع السعر النهائي للوحدات السكنية، ومن ناحية أخرى، فإن انخفاض القوة الشرائية للأسر يحد من إمكانية تحويل هذه الوحدات إلى طلب فعال. ونتيجة هذين الاتجاهين هو استمرار الركود التجاري إلى جانب الضغوط التضخمية. وهو وضع لن يكون من الممكن الخروج منه بمجرد زيادة العرض أو تنفيذ خطط بناء المساكن، كما أنه يعتمد على إزالة معوقات الإنتاج وتعزيز القدرة المالية للمتقدمين.
وعلى مدى السنوات الماضية، ابتعد الإسكان تدريجياً عن مجرد منتج استهلاكي لتوفير المأوى وأصبح أحد أهم الأصول الرأسمالية في الاقتصاد الأسري، وإلى جانب الأزمة في سوق البيع والشراء والإيجار، أصبح الارتفاع الكبير في تكاليف البناء في الأشهر الأخيرة أحد أهم التحديات في قطاع الإسكان.
زيادة في تكاليف البناء. التحدي المزدوج لحركة الإسكان الوطنية
إلى جانب الأزمة التي يشهدها سوق البيع والشراء والإيجار، أصبح الارتفاع الكبير في تكاليف البناء في الأشهر الأخيرة أحد أهم التحديات في قطاع الإسكان؛ وهي مسألة أنه بالإضافة إلى مشاريع القطاع الخاص، فإن تنفيذ مشاريع الدعم الحكومية، بما في ذلك الحركة الوطنية للإسكان، واجه أيضًا مشاكل خطيرة.
إن الزيادة في تكلفة مواد البناء ونمو السعر النهائي للبناء، في الوضع الذي يواجه فيه العديد من المتقدمين موارد مالية محدودة، يمكن أن تجعل عملية تطوير المشاريع السكنية أكثر صعوبة. هذه المسألة أكثر أهمية في خطط الدعم؛ لأن تحقيق أهداف هذه المخططات بالإضافة إلى توفير الأراضي وبدء العمليات التنفيذية يعتمد على التنسيق بين المؤسسات المسؤولة واستقرار التمويل وإمكانية استكمال الوحدات في إطار المخططات المعلنة.
لم تكن وزارة الطرق والتنمية الحضرية ناجحة جدًا في تنفيذ الحركة الوطنية
وفي هذا السياق، انتقد سيد جمال موسوي، عضو رئاسة لجنة البناء النيابية، عملية تنفيذ مشاريع الحركة الوطنية للإسكان، وقال: "حتى اليوم، لا يوجد نجاح كبير في تنفيذ مشاريع الإسكان الوطنية من قبل وزارة الطرق والتنمية الحضرية، وهناك حاجة لمراجعة عامة لهذه السياسات حتى تتسارع عملية تطوير الإسكان".
معبرًا عن أسفه لتضارب الأجهزة التنفيذية، ذكر: للأسف حاليًا، وزارة الطرق والتنمية العمرانية ووزارة الشؤون الاقتصادية والمالية تتبادلان اللوم على توقف عملية البناء؛ في حين كانت نتيجة هذا الإجراء عدم النجاح في تطبيق قانون "قفزة إنتاج المساكن" وعدم اليقين لدى جزء كبير من المتقدمين.