محاولات ترامب لإخفاء حقائق الميدان

جاءت التطورات في مضيق هرمز بعد توقيع مذكرة التفاهم المكوّنة من 14 بنداً بين إيران والولايات المتحدة، لتعكس قبل كل شيء الخلاف بين الطرفين حول تنفيذ الاتفاق. فبينما كان يُفترض أن يبدأ تنفيذ المذكرة بإعلان انتهاء الحرب ووقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، أدى استمرار هجمات هذا الكيان وامتناع واشنطن عن الضغط الفعّال على تل أبيب إلى تفاقم التوترات.

السفير أرجان-المجموعة السياسية: في الوقت نفسه أصبحت الفقرة الخامسة من المذكرة الخاصة بتحديد ممرات السفن وضمان أمنها في مضيق هرمز محل خلاف بين طهران وواشنطن؛ وهو الخلاف الذي أدى في النهاية، على الرغم من إعادة فتح المضيق مؤقتا ومرور عدد كبير من السفن، إلى إغلاقه مرة أخرى. كما أثارت وسائل الإعلام الموالية للولايات المتحدة شكوكا حول ما ورد في الفقرة الخامسة من المذكرة، وشككت في سلطة الحرس الثوري الإيراني في تحديد المعابر والسيطرة على حركة السفن؛ إلا أن مذكرة التفاهم هذه لم تكن نصاً مستعجلاً، بل تم تجميع محتوياتها بعد مراجعة المجموعات الفنية والقانونية والأمنية. لكن الولايات المتحدة أنشأت معابر جنوب مضيق هرمز، وهي في رأيي وهمية وتهدف إلى خرق الاتفاق؛ وذلك على الرغم من أن تحديد مسارات مرور السفن وضمان أمنها كان من مسؤولية الفيلق. ومع استمرار حركة السفن التي تحمل النفط والغاز والأسمدة الكيماوية وغيرها من المواد التي يحتاجها العالم، على الرغم من التحذيرات المتكررة للحرس الثوري الإسلامي، اضطرت البحرية التابعة لهذه المنظمة إلى الرد، وبدأت الولايات المتحدة، في محاولة للحفاظ على سلطتها الإقليمية، بمهاجمة القواعد ومراكز المراقبة والمنشآت الحساسة التابعة للبحرية الإيرانية.

توسيع سيطرة إيران على الممرات الملاحية

واستمراراً لهذه العملية، استمر نقل النفط بالسفن الصغيرة إلى السفن الأكبر حجماً ونقل البضائع بمرافقة جوية. وفي الوقت نفسه، أكدت إيران على ضرورة مرور السفن التي تحمل منتجات الطاقة والبتروكيماويات عبر طرق محددة واعتبرت عبور طرق أخرى تهديدا لأمن مضيق هرمز.

وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار خطة توسيع نطاق تتبع السفن وتحديد المسارات خارج مضيق هرمز محاولة لتوسيع نطاق سلطة إيران والاصطفاف مع أمريكا في هذا المجال. وبعد ذلك، حاولت الولايات المتحدة الحد من نفوذ طهران من خلال إغلاق البحر لموانئ جنوب إيران، والاستمرار في محاولة نقل النفط والغاز في البلاد عبر السفن الصغيرة وشبكات الوساطة البحرية والتهريب.

ويمكن أيضًا دراسة هذا الحصار، بالإضافة إلى عواقبه الاقتصادية، من منظور القانون الدولي والقانون الإنساني، واعتمادًا على آثاره، يمكن أن يشكل انتهاكًا لقواعد النزاع المسلح. ومن ناحية أخرى، كثفت إيران إجراءاتها للتعامل مع هذا الاتجاه.

المطالبة بالسيطرة على هرمز ومحاولة السيطرة على سوق الطاقة

منذ بداية الصراعات، زعم ترامب مرارا وتكرارا فتح مضيق هرمز واستمرار صادرات النفط من هذا الطريق، ومن خلال إعلان أرقام مختلفة، حاول التقليل من القيود المرورية ونفوذ إيران. لكن استمرار تقلب سوق الطاقة وبقاء سعر النفط في حدود 96 إلى 105 دولارات، في رأيي، أظهر أن هذه المزاعم لا تتطابق مع واقع السوق. وللسيطرة على الأسعار، لجأت واشنطن إلى النقل المحدود للنفط من طرق بديلة، والتأثير النفسي على السوق، واستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية وتوريد جزء من النفط الفنزويلي؛ إلا أن سحب الاحتياطيات الاستراتيجية، بسبب تقليص قدرة أمريكا على التعامل مع الأزمات المستقبلية، أثار المخاوف في الكونجرس وفشل في نهاية المطاف في منع ارتفاع أسعار ناقلات الطاقة. كما أن ارتفاع أسعار الوقود، وخاصة الديزل في ولايات مثل كاليفورنيا، أدى إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية على أمريكا ويمكن أن يؤثر على قطاعات الصناعة والنقل والتصنيع. وفي هذا الوضع، اتجهت واشنطن إلى روسيا لتوفير جزء من احتياجات سوق الطاقة؛ إلا أن حجم الشحنات المشار إليها مقارنة باستهلاك أمريكا والسوق العالمية، لا يكفي لحل هذه المشكلة على المدى القصير. في رأيي، بالإضافة إلى الاعتبارات الاقتصادية، فإن كبح أسعار الطاقة يرتبط أيضًا بالمخاوف السياسية الداخلية ومحاولة ترامب تعزيز الموقف الانتخابي للجمهوريين، والقضية الأساسية الآن هي كيف يمكن لإيران الاستفادة من الموقف الناتج لتعزيز موقفها في المفاوضات وتأمين المصالح الوطنية. وبطبيعة الحال، فإن مضيق هرمز ليس الممر الوحيد لصادرات الطاقة، ولكنه أيضًا طريق مهم لاستيراد الأدوية والمعدات الطبية والتكنولوجيا والسلع الأساسية لدول جنوب الخليج العربي؛ ولذلك، فإن القيود المفروضة على حركة المرور فيها يمكن أن تؤثر أيضًا على سلسلة التوريد في هذه البلدان.

ومن وجهة النظر هذه، فإن الحفاظ على مضيق هرمز باعتباره رافعة استراتيجية في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة وتبادل الرسائل من خلال وسطاء مثل قطر أمر مهم بشكل خاص. ومن ناحية أخرى، يحاول ترامب، من خلال ادعائه تدمير القوة العسكرية الإيرانية وإلغاء إمكانية التفاوض، الحث على تحقيق أهداف واشنطن وإضعاف موقف إيران في الرأي العام والمفاوضات باستخدام التصور والحرب الإعلامية.

محاور إيران السبعة شرط أساسي للعودة إلى المفاوضات

وعلى هامش قمة نيويورك، طرحت إيران سبعة محاور لدفع المسار الدبلوماسي، وتم نقل الرسائل المتعلقة بهذه المطالب إلى الولايات المتحدة عبر الوسيط القطري، لكن واشنطن لم تقبل في البداية بجزء منها على الأقل. لكن طهران لا تزال تؤكد على تحديد مهام هذه المحاور؛ وينعكس هذا الموقف أيضًا في تصريحات مسعود البادزيكيان وعباس عراقجي ومحسن رضائي وغيرهم من المسؤولين في البلاد. أعتقد أن ترامب، من خلال ادعائه بأن مضيق هرمز قد تم فتحه وتم حل المشكلة، يحاول التلميح إلى أن إيران فقدت نفوذها وأن أمريكا يمكن أن تدخل في مفاوضات نووية دون أن تدفع. وذلك على الرغم من أن مسألة مضيق هرمز ومحاوره السبعة لا تزال، من وجهة نظر طهران، جزءاً مهماً من معادلة المساومة السياسية والدبلوماسية. والموقف الإيراني واضح: ما لم يتم تحديد هذه المحاور السبعة ولم تتخذ أميركا خطوات عملية لتنفيذها، فإن العودة إلى طاولة المفاوضات لا يمكن أن تتم من دون شروط مسبقة وتعويضات عن أفعال الماضي. ومن بين الخطوات المتوقعة في هذا الإطار تحرير الأصول الإيرانية المجمدة، وإعلان نهاية الحرب والتعامل مع مطالب طهران الأخرى. ومن وجهة النظر هذه، فإن مضيق هرمز ليس مجرد معبر بحري لنقل الطاقة، ولكنه جزء من معادلة القوة الإيرانية ورافعة المساومة ضد أمريكا. ولا تستطيع واشنطن، من ناحية، التأكيد على حل الخلافات واستئناف المفاوضات، ومن ناحية أخرى، المطالبة ببدء جولة جديدة من المحادثات دون الاستجابة لمطالب إيران والوفاء بالتزامات طهران المتوقعة. محور النقاش هو كيفية تحويل إنجازات إيران الميدانية والعسكرية والأمنية إلى إنجازات سياسية ودبلوماسية. وينبغي توضيح كيفية الاستفادة من الموقع الاستراتيجي الذي تم إنشاؤه لتأمين المصالح الوطنية في المفاوضات، وفي الوقت نفسه تحديد وضع مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب، مع أي آلية تؤدي إليه.

وحتى لو أخذنا في الاعتبار السيناريو الأكثر تفاؤلاً وافترضنا أن الطرفين ينهيان الحرب على أساس معادلة الربح للجانبين، فإن السؤال الجوهري يبقى هو كيف سيكون وضع مضيق هرمز بعد الحرب وكيف سيتم تحديد مكانه في المعادلات السياسية والأمنية للمنطقة.

بمعنى آخر، نهاية الحرب وحدها لا توضح مهمة هذه الرافعة الإستراتيجية، وكيفية إدارتها في فترة ما بعد الحرب ستكون أيضًا جزءًا مهمًا من المعادلات السياسية والدبلوماسية للمضي قدمًا.

حقوق الدول الساحلية في المعادلة الدولية لمضيق هرمز

ومن الناحية القانونية، فإن عالمية مضيق هرمز لا تعني تجاهل حقوق ودور الدول الساحلية، أي إيران وعمان، في توفير الأمن وتنظيم حركة المرور. كما كانت مسألة تحصيل الرسوم إحدى نقاط المفاوضات بين طهران ومسقط، لكن مع تزايد الضغوط والتهديدات من الولايات المتحدة، وخاصة تهديدات ترامب ضد عُمان، تعرقلت هذه العملية. لكن من وجهة نظري، يمكن لمضيق هرمز أن يصبح رافعة لتعزيز أمن وسيادة واستقلال إيران في إطار تعاون الدول الساحلية. وبموافقة عمان، كان من المقرر عقد اجتماع في صلالة بحضور دول جنوب الخليج الفارسي والعراق، حتى تتمكن الأطراف الإقليمية من مناقشة مستقبل مضيق هرمز، وأنظمة المرور، وآليات الأمن، وتكاليف وعواقب الترتيبات الجديدة لهذا المعبر الاستراتيجي. وكان الغرض من هذا الاجتماع توفير أساس للتفاهم بين دول المنطقة حول كيفية إدارة وضمان أمن مضيق هرمز، دون تدخل قوى من خارج المنطقة؛ وهذا يعني أن الدول الساحلية وجيران المنطقة يمكن أن يتفقوا على أحد أهم المعابر الاستراتيجية في العالم ويتحملوا المزيد من المسؤولية في هذا المجال. لكن من وجهة نظري فإن الولايات المتحدة لا توافق على مثل هذه المبادرة، لأنها لا تريد أن يكون لإيران وعمان، وخاصة إيران، دور أقوى في إدارة وأمن مضيق هرمز. وتسعى واشنطن إلى الحفاظ على التفوق البحري ومواصلة نفوذها في المنطقة، وأي تغييرات في الترتيبات الأمنية لهذا الممر تؤدي إلى زيادة دور الدول الساحلية يمكن أن تحد من موقفها. ومن هذا المنطلق، فإن المعارضة الأميركية لتشكيل آلية إقليمية لإدارة مضيق هرمز ينبغي تحليلها في سياق سعي هذه الدولة للحفاظ على موقعها المهيمن في المعادلات البحرية والأمنية للمنطقة. ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان التجربة التاريخية البريطانية وتراجع نفوذ هذه الدولة بعد أزمة قناة السويس؛ عندما شكلت التطورات الإقليمية والدولية تحدياً لمكانة القوة التي سيطرت على الطرق البحرية الاستراتيجية لسنوات. ومن هذا المنطلق، إذا تم تشكيل ترتيبات جديدة في مضيق هرمز بمشاركة الدول الساحلية وتقليص دور القوى من خارج المنطقة فيه، فقد يؤثر ذلك أيضًا على موقع ومدى النفوذ الأمريكي في المنطقة. ولذلك فإن مسألة مضيق هرمز لا تقتصر على تنظيم العبور أو توفير الأمن البحري، بل ترتبط أيضًا بالتنافس على النفوذ الإقليمي وكيفية توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الدول الساحلية والقوى الأجنبية.

إذا تمكنت إيران من لعب دور فعال في تشكيل آليات إدارة مستقرة وأمن مضيق هرمز بمشاركة عمان واحترام حقوق الدول الساحلية الأخرى، فسيتم تعزيز موقع البلاد الاستراتيجي في المنطقة. ولذلك تحاول أمريكا منع إيران من زيادة دورها في الترتيبات الأمنية لهذا المعبر. في المقابل، وبعد تكبدها خسائر واستشهاد عدد من قواتها ومسؤوليها، لا يمكن لإيران أن تقبل أنه بعد انتهاء الحرب سيعود كل شيء إلى ظروف ما قبل الصراع، وأن يتم استخدام مضيق هرمز كما كان في الماضي دون أي تغيير في الترتيبات الإدارية والأمنية. خاصة وأن الولايات المتحدة استخدمت هذا الطريق من قبل لنقل المعدات والأسلحة التي يحتاجها الكيان الصهيوني ولتوسيع تواجده العسكري في المنطقة. لذلك، من وجهة نظري، فإن تجاهل دور إيران ومصالحها في الترتيبات المستقبلية لمضيق هرمز أمر غير مقبول. أعتقد أن جذور الأزمة الحالية في مضيق هرمز وغيره تعود إلى الحرب التي بدأتها أمريكا؛ لذلك، لا يمكن لواشنطن أن تتوقع عودة إيران إلى ظروف ما قبل الحرب والتخلي عن أدواتها الاستراتيجية دون قبول المسؤولية عن عواقبها. وينبغي لإيران أن تؤمن حقوقها ومصالحها في إطار اتفاق عادل، ويجب تحديد الترتيبات المستقبلية لمضيق هرمز من خلال احترام حقوق الدول الساحلية، من خلال الآليات الإقليمية ودون تدخل وفرض إرادة قوى من خارج المنطقة. وأعتقد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الحفاظ على الوحدة الوطنية، والتنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية، والوقوف على طريق تحقيق حقوق إيران.