الأزمات في الدول الغربية لا تعني بالضرورة الأفول
القضية الأساسية بالنسبة لإيران هي تحديد الهدف من حضورها ودورها في سلاسل القيمة العالمية: هل الهدف هو رفع رفاه الشعب وتحقيق التنمية الاقتصادية للبلاد، أم بلوغ الهيمنة وتوسيع النفوذ الإقليمي؟
السفير أرجان – على الرغم من أن المتحدث الرئيسي في الاجتماع الـ 147 لمؤسسة باران هو عباس أخوندي، إلا أن حضور وكعكة عيد ميلاد السيد محمد خاتمي الـ 83 وانتقادات الرئيس السابق لجزء من خطاب أخوندي صرفت انتباه وسائل الإعلام عن النص، وقمنا بأنفسنا بنشر مذكرة حول نفس الموضوع (خاتمي وسروش: لا علاقة لهما بالليبرالية).
ومع ذلك، طلب أحد القراء نشر نص الخطاب الرئيسي. وهي نقطة صحيحة، ولذلك فإن التقرير المتعلق بهذا الكلام منقول بناء على تقرير موقع إنصاف نيوز، لأن موقع مؤسسة باران لم يضع بعد النص الكامل على صفحته (حتى تم تحرير النص):
وركز عباس أخوندي في كلمته على ثلاثة محاور رئيسية: فهم التطورات العالمية ومراقبة تغيرات القوى في العالم، ودراسة مفهوم الأمن وعلاقته بالتنمية، وأخيراً شرح عموميات واستراتيجيات التنمية في إيران.
ولوصف التغيرات في النظام العالمي، ذكر أولاً توزيع الثروة والناتج المحلي الإجمالي في الاقتصاد العالمي. وبحسب أخوندي، فإنه من أصل الناتج المحلي الإجمالي العالمي البالغ نحو 117 تريليون دولار، يخصص للولايات المتحدة ما يقرب من 30 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 27%. كما قدر حصة أوروبا والصين بنحو 19 تريليون دولار لكل منهما، مشيرا إلى أن بقية الإنتاج العالمي يتوزع على الاقتصادات الأخرى.
وشدد أخوندي على ضرورة معرفة الأقطاب الاقتصادية للعالم، واعتبر التغير في السلوك الأمريكي في العقود الأخيرة أحد التطورات المهمة في النظام الدولي. ووفقا له، في التسعينيات، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت الولايات المتحدة قوة أحادية القطب؛ لكنه تدريجيا، وخاصة في عهد دونالد ترامب، نأى بنفسه عن بعض قيم النظام الليبرالي الذي ساهم بنفسه في تشكيله.
ووصف هذه العملية بأنها عودة أمريكا التدريجية إلى نمط من علاقات القوة الذي يشبه إلى حد كبير منطق الهيمنة وعلاقات القوة في القرن السابع عشر، والثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر. ومع ذلك، وفقا لآخوندي، فإن مثل هذا النموذج لا يمكن أن يستمر دون تحديات؛ لأن الصين دخلت الميدان كقوة اقتصادية ووصلت إلى المركز الثاني في الاقتصاد العالمي.
وأشار أخوندي كذلك إلى النمو الاقتصادي للصين واختلافها مع الولايات المتحدة، وقال إنه في حين يقدر معدل النمو الاقتصادي للولايات المتحدة بنحو 2%، فإن نمو الصين يبلغ حوالي 4% ونمو الهند في حدود 5-6%. واعتبر النمو الاقتصادي في الهند أحد التطورات التي تم إهمالها في تحليل مستقبل توزيع الطاقة العالمية.
ووفقا له، مع استمرار هذا الاتجاه، قد يختلف التوازن الاقتصادي للعالم بشكل كبير عن الوضع الحالي في السنوات المقبلة. وتشير بعض التوقعات إلى أن الاقتصاد الصيني سيتفوق على الولايات المتحدة في عام 2035، والبعض الآخر في عام 2045 أو 2050؛ ومع ذلك، فإن التوقيت الدقيق لهذا التغيير يعتمد على الاتجاهات الاقتصادية المستقبلية.
وأكد أخوندي أن القضية لا تتعلق فقط بنمو الناتج المحلي الإجمالي للدول، بل أيضا بالتغير في جغرافية القوة الاقتصادية. ووفقا له، إذا كان الغرب في الماضي القوة الدافعة الرئيسية للاقتصاد العالمي، ففي العقد أو العقدين المقبلين، ستلعب قوتان آسيويتان مهمتان، وهما الصين والهند، دورا أقوى في الاقتصاد العالمي. ولذلك لا يمكن اعتبار الغرب مركز القوة الاقتصادية الوحيد في العالم.
وفي السياق نفسه، حذّر من أن استخدام مفهوم "الانحدار الأميركي" دون تحليل مفصل للتطورات العالمية قد يؤدي إلى تصورات خاطئة. وفي إشارة إلى الأزمات التاريخية للغرب، بما في ذلك الأزمات المتعلقة بالنظام الليبرالي خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكذلك الأزمات الاقتصادية في الثمانينيات و2007، أكد أخوندي أن مواجهة الدول الغربية للأزمات والتحديات لا تعني بالضرورة تراجعها النهائي.
ووفقا له، واجه الغرب أزمات في فترات تاريخية مختلفة، لكنه تمكن من الاستمرار في وجوده من خلال تغيير السياسات والآليات الاقتصادية والاجتماعية. ومن بين هذه التطورات تشكيل وتوسيع دولة الرفاهية في مواجهة التحديات التي سببتها الماركسية. لذلك، لتحليل مستقبل القوى العالمية، لا بد من التمييز بين وجود الأزمة والانحدار البنيوي.
وسلاسل القيمة العالمية؛ من المنافسة على الهيمنة إلى توفير الرفاهية
وخصص جزء آخر من خطاب أخوندي لسلاسل القيمة العالمية ومكانتها في المنافسة بين القوى العظمى.
وبالإشارة إلى مواقف أميركا بشأن مناطق مثل جرينلاند والضغوط التي تمارسها البلاد على دول مثل كوبا وفنزويلا، قام بتحليل هذه التطورات في سياق التنافس على السلطة والجهود المبذولة للحفاظ على النفوذ الاقتصادي والسياسي أو توسيعه.
كما قدم أخوندي السلسلة الاقتصادية من الصين إلى أفريقيا باعتبارها واحدة من سلاسل القيمة العالمية الهامة وشدد على ضرورة الاعتراف بمكانة هذه السلاسل في العلاقات الدولية.
ووفقا له، فإن القضية الرئيسية بالنسبة لإيران هي تحديد الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه من التواجد ولعب دور في سلاسل القيمة العالمية: هل الهدف هو زيادة رفاهية الشعب والتنمية الاقتصادية للبلاد أم تحقيق الهيمنة وتوسيع النفوذ الإقليمي؟
وأكد أن تحديد الهدف مهم قبل اختيار الإستراتيجية. فإذا كان جزء مهم من القيمة الاقتصادية العالمية يتركز في سلسلة، فمن الطبيعي أن تشعر القوى العظمى بحساسية تجاه أمنها واستمراريتها. ولذلك، ينبغي للمرء أن يتساءل ما إذا كانت إيران قادرة وحدها على تهديد مثل هذه السلسلة، وما إذا كانت القوى الأخرى المستفيدة من نشاطها ستظل غير مبالية بانعدام أمنها على المدى الطويل؟
وفي إشارة إلى حجم التبادلات بين الصين وأفريقيا، والذي ورد في مذكرات الخطاب بنحو 2.5 تريليون دولار، طرح أخوندي التساؤل حول ما إذا كانت الصين أو حتى الهند يمكن أن تكون غير مبالية بانعدام الأمن على المدى الطويل لمثل هذا المسار؟
وفي هذا الإطار، لم يلخص القوة ببساطة في القدرة على خلق التهديدات أو تعطيل النظام القائم، بل أكد على القدرة على حماية سلاسل القيمة العالمية واستخدام قدرتها على زيادة الرخاء. ومن وجهة نظره فإن الاستراتيجية المناسبة لإيران يجب أن تقوم على الاستفادة من قدرات الاقتصاد العالمي من أجل تطوير وتأمين المصالح الوطنية، بدلا من التركيز فقط على خلق الاضطراب.
الأمن العالمي وضرورة مراجعة الاستراتيجيات الإقليمية
وفي جزء آخر من كلمته، أشار أخوندي إلى نفقات العالم العسكرية والأمنية. وبحسب الأرقام التي عرضها في كلمته فإن التكاليف السنوية للأمن والعسكرة في العالم تبلغ نحو 2.9 تريليون دولار. ومن هذا المبلغ بلغت حصة أمريكا نحو 33% والصين 12% وروسيا 6.6% وألمانيا 3.9% والهند 3.2%.
وجاء عرض هذه الشخصيات في خطاب أخوندي في سياق النقاش حول العلاقة بين القوة الاقتصادية والقوة العسكرية وأمن سلاسل القيمة العالمية. ومن وجهة النظر هذه، فإن القوى العظمى ليست مهمة فقط لأن لديها موارد اقتصادية، ولكن قدرتها على حماية مصالحها ومساراتها الاقتصادية فعالة أيضًا في تشكيل النظام الأمني العالمي.
وشدد كذلك على ضرورة التغلب على نمط الهيمنة الإقليمية ومحاولة التحول إلى القوة المهيمنة في المنطقة، واعتبر التوجه نحو الأمن التعاوني مع دول المنطقة استراتيجية ضرورية.
وبحسب أخوندي، تغير تصور الدول للأمن العالمي ولم يعد من الممكن حل القضايا الأمنية بمجرد الاعتماد على نماذج بناء التحالفات التقليدية. وأشار إلى أمثلة على التحالفات الإقليمية والدولية، ومنها التعاون الأمني بين السعودية وباكستان، وكذلك حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مواجهة روسيا، مشككا في أداء هذه الترتيبات في تحقيق الأهداف المنتظرة.
ومن وجهة نظره فإن هذه التطورات تظهر أن الأمن في عالم اليوم يتطلب فهماً أكثر دقة للمصالح المشتركة للدول وكيفية التعاون فيما بينها. وفي مثل هذا الوضع فلابد أيضاً من مراجعة الإستراتيجية الأمنية التي تنتهجها إيران وفقاً لتطور القوة العالمية، والوضع الاقتصادي للبلاد، وضرورة التعاون مع جيرانها.
بشكل عام، تركزت المحاور التي أثيرت في خطاب عباس أخوندي على أن الاعتراف بتغيرات النظام العالمي، والتمييز بين الأزمة وتراجع القوى، وتحديد هدف واضح للمشاركة في الاقتصاد العالمي والانتقال من المنافسة القائمة على الهيمنة إلى الأمن التعاوني، هي من متطلبات صياغة استراتيجية التنمية وتأمين المصالح الوطنية لإيران.