من يمسك بزمام الحياة؟ سرّ الهداية الإنسانية في آية قرآنية وخطبة من نهج البلاغة

لماذا يفقد بعض الناس حرية اتخاذ قراراتهم في مسار حياتهم فيقعون أسرى الأخطاء والوساوس، بينما يختار آخرون طريقهم بوعي؟ يقدّم القرآن الكريم التقوى بوصفها أساس الهداية، ويجيب أمير المؤمنين (ع) عن هذا السؤال بتشبيه الذنوب بالجياد الجامحة والتقوى بمركب مطيع، في إجابة تستوقف المتأمل وتبيّن أن بلوغ الغاية يتطلب قبل كل شيء القدرة على ضبط النفس.

ووفقا لقاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، فإن التقوى في نظر القرآن الكريم لا تعني فقط تجنب الذنوب؛ بل هو نوع من الوعي الذاتي والمسؤولية والقدرة على اختيار طريق الحياة بوعي. فكما يأخذ الفارس الماهر زمام الحصان ويوجهه إلى وجهته، فإن الإنسان التقي لا يسمح لقراراته وسلوكياته أن تخرج عن نطاق السيطرة تحت تأثير الانفعالات والإغراءات والظروف المحيطة؛ مفهوم له مكانة مركزية في آيات القرآن وكلمات أمير المؤمنين (ع).

التقوى؛ شرط الانتفاع بهدى القرآن

في بداية سورة البقرة يقدم القرآن الكريم نفسه على أنه مصدر هدى المتقين؛ حيث يقول: "ذو الكتاب لا ربا فيه هذا للمتقين"؛ ذلك الكتاب لا ريب فيه وهو هدى للمتقين.

وفي تفسير هذه الآية تم التأكيد على الفرق بين "هدى المؤمنين" و"هدى للمتقين". وعلى هذا فلا ينبغي اعتبار التقوى مجرد صفة لشخص سبق له الإيمان بالدين؛ بل يمكن أن تكون هذه الميزة أساسًا لاكتشاف الحقيقة والمضي قدمًا نحو الإيمان.

فإذا كان الإنسان قد زرع، حتى قبل قبول الدين، روح الاهتمام بالنفس، وتقييم السلوكيات وتجنب الاختيارات الخاطئة، فإن مثل هذا النهج يمكن أن يضعه على طريق معرفة الحق وقبول الإيمان. ومن ناحية أخرى، فإن الإيمان بدون التقوى قد يكون أيضًا عرضة للظروف غير المواتية والمؤثرات البيئية ويفقد استقراره.

الإنسان التقي يركب حصان الحياة

في معناها البسيط والعملي، يمكن النظر إلى التقوى على أنها رعاية واعية للنفس؛ أن يعرف الإنسان ما يفعل، ولماذا يتخذ القرار، ويتخذ كل خطوة بإرادة وفكر واختيار.

ولتوضيح هذا المفهوم، يمكن تشبيه الإنسان التقي بالراكب الذي يجلس على حصان يمشي، ويمسك بزمامه، ويعرف وجهته. مثل هذا الشخص يختار طريقه بوعي ولا يسمح لقوة خارج إرادته أن تسحبه في أي اتجاه.

على العكس من ذلك، فإن من ابتعد عن التقوى قد يفقد السيطرة على قراراته وسلوكياته؛ تمامًا مثل الشخص الذي يركب حصانًا متمردًا، لكنه لا يملك المهارة في قيادته. وفي هذه الحالة، رغم أنه يملك زمام الأمور في يده، إلا أنه لا يعرف كيف يستخدمها، وفي النهاية الحصان هو الذي يحدد اتجاهه.

هذه الصورة هي الموضوع الرئيسي لخطاب أمير المؤمنين علي في الخطبة السادسة عشرة من نهج البلاغة؛ حيث تشبيه الأخطاء والذنوب بالخيول الجامحة التي نزع عنانها وتقود راكبيها إلى النار، بينما أصبح التقوى كالفيلة الداجنة السائرة مقاليدها في أيدي راكبيها وتقودهم إلى الجنة.

التقوى؛ طريقة عملية لاتخاذ الخيارات اليومية

مع هذا الفهم للتقوى، يمكن أن يصبح التحرك في الاتجاه الصحيح للحياة أكثر وضوحًا وأكثر قابلية للتحقيق؛ ومع ذلك، فإن هذا الطريق ليس سهلاً دائمًا ويتطلب الممارسة والدقة والإصرار.

بالنسبة للشاب، فإن عيش الحياة الإسلامية لا يبدأ بالضرورة بقرارات كبيرة وأفعال معقدة؛ بل يمكن أن تتشكل في الاختيارات اليومية. قبل القيام بشيء ما، يجب على الإنسان أن يسأل نفسه هل هذا السلوك صحيح أم خطأ؛ فهل هذه الصداقة، هذه الكلمة، هذا القرار، هذا الدرس، أو هذا العمل يتوافق مع المعايير الأخلاقية والإنسانية أم لا؟

وهذه الوقفة والمراجعة هي اجتهاد في العناية بالنفس وخطوة على طريق التقوى. ومن المهم ألا يكون الإنسان غير مبال بسلوكه وأن يفكر في صحته وعواقبه قبل اتخاذ أي خيار.

ولا يقتصر هذا النهج على الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم متدينين منذ البداية. فالإنسان الذي لم يؤمن بالدين بعد، ولكنه يسعى لتمييز الحق من الباطل، ويشعر بالمسؤولية عن أفعاله، يمكنه أن يتجه نحو معرفة الحقيقة من هذه النقطة.

ومن هذا المنطلق، فإن التقوى ليست نتيجة الإيمان فحسب، بل يمكن أن تكون أيضًا أساسًا لتكوينه وتقويته. ومن ناحية أخرى، إذا كان الشخص يتمتع بالإيمان ولكنه غير حذر في سلوكه وقراراته، فإن استقرار اعتقاده قد يتأثر أيضًا بالبيئة وظروف الحياة.

نهج البلاغة؛ التقوى والسيطرة على الخطأ وهداية الإنسان

في الخطبة السادسة عشرة من نهج البلاغة، بين أمير المؤمنين (ع) بوضوح نتائج طريقي التقوى والمعصية. وفي هذه الكلمة تشبيه التقوى بالمحبرة الأليف التي يتحكم فيها الراكب؛ ومن ناحية أخرى، يتم تصوير الأخطاء والخطايا على أنها خيول جامحة تقود الناس إلى نهاية غير مرغوب فيها عن طريق كسر اللجام.

وفي تكملة للخطبة نفسها يؤكد الإمام علي (ع) على أهمية التمسك بكتاب الله وسنة النبي (ص) مشيراً إلى الطرق المنحرفة والطريق الوسط، ويجعل من التقوى أصلاً ثابتاً لا ينتزع.

رسالة هذه الكلمات هي أنه من أجل الوصول إلى الوجهة المطلوبة، لا يحتاج الإنسان إلى الدافع أو ادعاء الإيمان فقط؛ ولكن يجب عليه أيضًا أن يكتسب القدرة على توجيه سلوكه وقراراته. إن معرفة الطريق الصحيح والعناية المستمرة بنفسك وتصحيح الأخطاء جزء مهم من هذه الحركة.

ونتيجة هذه التعاليم هي أن التقوى ينبغي أن ينظر إليها خارج نطاق الامتناع عن ممارسة الجنس والقيود. التقوى هي نوع من اليقظة للخيارات، والانتباه لعواقب السلوك، والقدرة على الحفاظ على الحذر في مسار الحياة.

فكما يجب على الراكب أن يعرف الطريق ويمتلك حزامًا مركبًا حتى يصل إلى الوجهة، كذلك يجب على الإنسان أن يتمتع بالوعي الذاتي والبصيرة حتى يسير على طريق الحقيقة.

وفي الآية الثانية من سورة البقرة، يسمي القرآن الكريم هذا الكتاب "هدى للمتقين"؛ فهو يدخل في هدي المتقين. وهذا التفسير هو تذكير بأن الاستفادة من الهداية الإلهية مرتبطة بالإعداد الداخلي للإنسان، والعناية بالسلوك، والإرادة للسير في الاتجاه الصحيح.

وأخيرًا، يمكن النظر إلى التقوى على أنها ممارسة يومية للاختيار الواعي؛ تمرين يبدأ بقرارات صغيرة، ويتوسع في سلوك الإنسان وعلاقاته، ويمكن أن يكون أساسًا لثبات الإيمان والتحرك نحو وجهة أكثر إشراقًا.

- القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 2.

- تصريحات القائد الشهيد في لقاء جماعي مع الشباب 7 مايو 1377هـ.