البرنامج النووي الإيراني؛ من التراث التاريخي إلى سيناريوهات المستقبل
لكي نفهم مستقبل البرنامج النووي الإيراني، فلابد وأن ننظر إليه خارج نطاق مجموعة من المرافق وأجهزة الطرد المركزي؛ وعلى مدى عقود، أصبح هذا البرنامج رمزا للتنمية والاستقلال والأمن القومي، وفي الوقت نفسه، كان أحد أهم مصادر التوتر بين طهران وواشنطن.
والآن بعد أن أثقلت ظلال الحرب ثقلها على العلاقة بين البلدين، فإن السؤال الرئيسي لا يقتصر على مدى التقدم الذي أحرزه البرنامج فحسب، بل ما إذا كان من الممكن إقامة توازن مستقر بين الحق في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية، والمخاوف الأمنية، والحاجة إلى الحد من التوترات. إن دراسة هذا المسار التاريخي والسيناريوهات المستقبلية تظهر أن مستقبل البرنامج يعتمد أكثر من أي شيء آخر على الاختيار بين دائرة المعارضة والتوافق القابل للتحقق.
في البداية كانت الطاقة النووية رمزاً للتحديث والتطوير. وفي السبعينيات والثمانينيات، عطلت الحرب والثورة المشاريع؛ ثم أدت الحاجة إلى الكهرباء والمعرفة التقنية والاستقلال الاستراتيجي إلى إعادة البرنامج إلى جدول الأعمال. ومنذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فصاعدًا، لم تعد القضية تتعلق فقط بإنتاج الطاقة: فقد حولها التخصيب وعمليات التفتيش والعقوبات والمخاوف الدولية إلى حالة حوكمة وثقة وتوازن القوى. لقد أظهرت خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015 أنه يمكن وضع قيود فنية يمكن التحقق منها ضد الميزة الاقتصادية؛ ومن ناحية أخرى، فإن انسحاب أمريكا من الاتفاقية في عام 2018 علَّم طهران أن الاتفاق دون ضمان الاستمرارية والفائدة الملموسة قد يكون استثماراً سياسياً مكلفاً.
وفي ظل الحرب بين طهران وواشنطن، أصبحت الحسابات أكثر صعوبة. قد تدمر الحرب جزءًا من البنية التحتية، لكنها وحدها لا تدمر المعرفة والدوافع والقدرة على إعادة البناء. بل ويمكنها أن تعزز الحجة الأمنية التي يتبناها دعاة الردع الأقوياء. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار توسيع البرنامج وتقليص المراقبة يزيد من خطر تقصير زمن التحذير لواشنطن وحلفائها ويبقي احتمال وقوع هجوم جديد قائما. هذه الدورة هي التناقض الرئيسي: يتخذ كل جانب إجراءات لزيادة أمنه، وهو ما يراه الجانب الآخر على أنه تهديد أكبر.
والسيناريو المثالي ليس "الاستسلام الكامل" لأحد الأطراف ولا العودة البسيطة إلى وضع ما قبل الحرب؛ بل هو اتفاق مرحلي وقابل للقياس. وينبغي أن تكون الخطوة الأولى هي الحد من المخاطر على الفور: وقف العمل العسكري، وحماية المرافق والأفراد، وإنشاء قناة اتصال لمنع سوء الاستخدام. ومن ثم يجب توضيح وضع المواد النووية وأماكن تخزينها مع دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وينبغي أيضاً موازنة رفع العقوبات مع حدود محددة يمكن التحقق منها - بما في ذلك القيود المفروضة على التخصيب والمخزونات، والوصول إلى المراقبة المتفق عليها - والتي تكون تدريجية وواقعية وقابلة للتراجع. إن الاتفاق الذي يتطلب قيوداً فقط لن يكون مستقراً في طهران؛ إن الاتفاق الذي يعد فقط برفع العقوبات لا يبني الثقة في واشنطن والعواصم الإقليمية.
ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن القضية يجب أن تخرج من منطق "كل شيء أو لا شيء". وقد تكون الرغبة في تفكيك البرنامج بالكامل جذابة سياسياً في واشنطن، لكن قبوله ومتانته منخفضان. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار التخصيب من دون إشراف فعال لا يمكن أن يحل المخاوف الدولية. أما الحل الوسط فهو الحفاظ على إمكانية الاستخدام السلمي للطاقة النووية في إطار يزيد من الوقت اللازم لرصد أي انحراف ويرفع تكلفة خرق الاتفاق على جميع الأطراف. لكي تكون الاتفاقية مستدامة، يجب أن تكون متعددة الأطراف وتقنية ولها آلية لحل النزاعات؛ ليس مجرد بيان سياسي ينهار مع تغيير الحكومة أو الهجوم.
إن المستقبل المحتمل، على الأقل في الأمد القريب، يتلخص في "الحكم غير المستدام" وليس السلام الشامل: الضغوط الاقتصادية، والمساومات الجزئية، وخطر العودة إلى الصراع. لكن هذا المأزق ليس مصيرا حتميا. لا يمكن للحرب أن تحل بمفردها مشكلة فنية وسياسية؛ فالدبلوماسية لا تكفي من دون مراقبة ومصالح متبادلة وضمانات تنفيذية. والاختبار الحقيقي ليس هو أي من الجانبين سوف يدعي النصر، بل ما إذا كان من الممكن توضيح البرنامج ومحدوديته بالقدر الكافي للحد من خطر الانتشار النووي، في حين يزود إيران بفائدة ملموسة أكثر من المواجهة المستمرة. إن المستقبل الأفضل هو خطة يمكن التحقق منها، وخفض التصعيد بشكل مستدام، واتفاق يمكن للجانبين أن يطلق عليه "الانسحاب الكامل".