أخطأنا، لكننا لسنا الخطأ؛ تحمّل المسؤولية وإمكانية البدء من جديد

كيف يمكن تحمّل مسؤولية أخطاء الماضي دون اختزال كامل الهوية في ذلك الخطأ؟ تعيد هذه المقالة قراءة الفرق بين الندم البنّاء وجلد الذات، عبر ربط علم النفس الأخلاقي والوجودية ومفهوم التوبة في القرآن الكريم.

التبشيرية - خدمة التعليم: القرار الخاطئ، أو العلاقة المفقودة، أو الرسوب في الامتحان، أو الاختيار الوظيفي السيئ أو السلوك الذي نندم عليه لاحقًا يمكن أن يبقى في الأذهان لفترة طويلة. لكن في بعض الأحيان تتجاوز المشكلة الخطأ نفسه. فبدلاً من أن يقول: "لقد ارتكبت خطأً"، يقول الإنسان تدريجياً: "أنا شخص مخطئ".

هاتين الجملتين ليستا متماثلتين نفسياً وأخلاقياً.

في الأول يفرق بين "الذات" و"السلوك". فهو ينسب إلى نفسه عملاً محددًا ويتحمل المسؤولية عنه. وفي الأخير يتحول الخلل من سلوك إلى هوية. لم يعد الفشل شيئًا يحدث للإنسان، بل أصبح تعريفًا لذاته: أنا فاشل، أنا لا قيمة لي، أنا شخص سيء، وبالتالي فإن احتمالية التغيير ضئيلة.

والسؤال الأساسي هو: كيف يمكن للمرء أن يتحمل مسؤولية الخطأ، دون أن يحصر نفسه في الخطأ؟

هذا السؤال ليس نفسيا فقط. ومن المسائل القديمة في الفلسفة الأخلاقية نفسها: إلى أي مدى يكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، وما علاقة قبول هذه المسؤولية بإمكانية تغييره؟

المسؤولية تبدأ حيث تنتهي الأعذار

المسؤولية في أبسط صورها تعني أن يقبل الشخص سلوكه كسلوك خاص به. "لقد فعلت" تختلف عن "لقد حدث لي".

وبطبيعة الحال، لا يوجد إنسان يتخذ قراره في الفراغ. الأسرة والبيئة الاجتماعية والحالة الاقتصادية والتربية والضغوط النفسية والعديد من العوامل الخارجية تؤثر على اختياراتنا. كما أن علم النفس المعاصر لا يعتبر السلوك البشري نتاجًا لسبب واحد. لكن شرح السلوك ليس مثل تبريره.

قد تفسر الظروف سبب غضب الشخص أو كذبه أو اتخاذه قرارًا خاطئًا؛ لكن هذا التفسير لا يلغي بالضرورة مسؤوليته.

عند هذه النقطة، يصبح مفهوم "الوكالة" مهمًا. الإنسان ليس مجرد نتاج للظروف؛ وفي كثير من المواقف يكون لديه القدرة على تقييم واختيار وتعديل سلوكه. إن قبول المسؤولية يعني قبول نفس حصة الوكالة.

فإذا وجد الإنسان تفسيراً لكل سلوك لا دور له فيه، اختفت إمكانية التصحيح. لأن الإصلاح ينطوي على الافتراض بأنني أستطيع أن أفعل ما قمت به، ومرة ​​أخرى بطريقة مختلفة.

سارتر: لا يمكن للإنسان أن يتهرب من مسؤوليته

في فلسفة جان بول سارتر الوجودية، تحتل المسؤولية مكانًا أساسيًا. لا يمكن للإنسان أن ينسب هويته واختياراته إلى طبيعة محددة سلفًا أو إلى ظروف خارجية إلى الأبد. بل إن سارتر يظهر في مناقشة «الكفر» أن الإنسان يتظاهر أحيانًا بالهروب من حريته ومسؤوليته، وأنه ببساطة هو ما صنعته ظروفه أو دوره الاجتماعي.

وبطبيعة الحال، لا ينبغي فهم هذا الرأي بمعنى أن جميع البشر يتمتعون بنفس الحرية في جميع الظروف. وبدلا من إنكار القيود الحقيقية، فإن مناقشة سارتر الفلسفية للمسؤولية هي تحذير ضد إغراء تحويل القيود إلى أعذار دائمة.

ومن هذا المنظور، فإن قول "أنا من أنا" قد يعني في بعض الأحيان إنهاء إمكانية التغيير.

إذا قال شخص ما، "أنا مهووس، لذا لا أستطيع فعل أي شيء،" فقد جعل من سماته السلوكية هوية ثابتة. أما إذا قال: "أنا أتصرف بعدوانية في مواقف معينة وأنا مسؤول عن تصحيح ذلك"، فلا تزال هناك إمكانية للفعل والتغيير.

والمسؤولية بهذا المعنى لا تقتصر على النظر إلى الوراء فحسب؛ إنها طريقة لفتح المستقبل.

يفرق علم النفس بين "الذنب" و"العار".

هذا التمييز مهم أيضًا في علم النفس. أحد الاختلافات المهمة بين الشعور بالذنب والعار هو أن الشعور بالذنب غالبًا ما يكون موجهًا نحو سوء السلوك، في حين أن العار يمكن أن يصبح تقييمًا سلبيًا للذات بأكملها.

"لقد فعلت شيئًا سيئًا" يختلف عن "أنا شخص سيء".

وقد أظهرت الدراسات النفسية أن هاتين الحالتين لهما عواقب مختلفة. يمكن أن يؤدي الشعور بالذنب في بعض الظروف إلى دفع الشخص إلى التعويض وتعديل سلوكه، في حين قد يرتبط الخجل الشديد والمزمن بالانسحاب، واستنكار الذات، والتجنب.

ولهذا التمييز أهمية أساسية في مسألة المسؤولية. إذا كان الهدف هو جعل الشخص يشعر بالسوء تجاه نفسه، فقد لا يكون هناك شيء اسمه المساءلة. قد يلوم الشخص نفسه لساعات، لكنه لا يتخذ أي إجراء لإصلاح سلوكه أو تغييره.

إن الشعور بالذنب، إذا كان له أن يكون أخلاقيا، يجب أن يؤدي إلى سؤال عملي: ماذا يجب أن أفعل الآن؟

المسؤولية دون إمكانية التصحيح تصبح عقوبة دائمة

إذا كان الإنسان مسؤولاً عن أفعاله الماضية، فهل يجب أن يتم تعريفه بها إلى الأبد؟

وهنا تأتي واحدة من أصعب القضايا الأخلاقية. ولا ينبغي أن تتساوى المساءلة مع الإدانة الدائمة.

لا يمكن للشخص الذي ألحق الأذى بآخر أن يقول "لقد مضى" ويتخلى عن المسؤولية. المسؤولية الحقيقية قد تتطلب الاعتراف والاعتذار وجبر الضرر وتغيير السلوك. لكن في المقابل، إذا لم تكن هناك إمكانية للتغيير وإعادة البناء، تصبح المسؤولية نوعاً من العقاب الذي لا نهاية له.

في الأخلاق التصالحية، والتي تم تناولها في مجالات مختلفة من العدالة الجنائية إلى العلاقات الإنسانية، يتم التأكيد على أن مواجهة المخالفات لا ينبغي أن تنتهي بالعقاب فحسب؛ ومن المهم أيضًا تحديد الضرر وقبول المسؤولية وإصلاح العلاقة ومنع تكرارها.

ويمكن رؤية هذا المنطق أيضًا على المستوى الفردي. إن قبول الخطأ لا يعني إنكاره، ولا العيش في ظله إلى الأبد.

خطر آخر: تحويل المسؤولية إلى تدمير الذات

في الثقافة الشعبية، يُعتقد أحيانًا أنه كلما زاد لوم الشخص لنفسه، زاد شعوره بالمسؤولية. هذه الفكرة ليست صحيحة بالضرورة.

الشخص الذي يوبخ نفسه باستمرار بعد الفشل لا يتحمل بالضرورة المزيد من المسؤولية. على العكس من ذلك، قد يكون عالقًا في صورة "أنا فاشل" لدرجة أنه يفقد القدرة على اتخاذ المزيد من الإجراءات.

في الأدبيات النفسية، تم اقتراح مفهوم "الرحمة الذاتية" على وجه التحديد للتعامل مع هذه القضية. التعاطف مع الذات لا يعني إنكار الأخطاء أو مسامحة نفسك دون قيد أو شرط؛ ويعني أن الإنسان يستطيع أن يرى الخطأ ويعمل على تصحيحه عندما يواجه الفشل والفشل، دون أن تنهار قيمته الذاتية.

وهذه النقطة لا تتعارض مع المسؤولية. وبالمناسبة، إذا استطاع الإنسان أن يخلق مسافة منطقية بين "أنا" و"سلوكي الخاطئ"، فسوف يتمكن من مواجهة الخطأ بأمانة أكبر.

الشخص الذي يعتبر نفسه مملوءًا بالشر قد يتجنب رؤية الخطأ. الشخص الذي يقول "هذا السلوك كان خاطئا ويجب أن أصححه"، يمكنه أن يواجه ذلك.

التوبة؛ المسؤولية دون استبعاد إمكانية العودة

وهنا يمكن أن نصل إلى مفهوم التوبة في القرآن. وإذا نظرنا إلى التوبة فقط على شكل مجموعة من الأحكام الفقهية حول المعصية وشروطها وآثارها، فسوف نغفل جزءا مهما من قدرتها الهادفة في حياة الإنسان.

في الآية 53 من سورة الزمر، يقول القرآن للذين "أسرفوا على أنفسهم":

"قل يا عباد الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله."

قل لعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا يقنطوا من رحمة الله.