العمى وسر مرونة الدماغ / ستتفاجأ بهذا

عندما تكون الرؤية غير متاحة مؤقتًا، قد يستخدم الدماغ المناطق المرتبطة عادةً بالرؤية لمعالجة المعلومات اللمسية.

تظهر الأبحاث أن الدماغ لا يتخلى عن الأجزاء البصرية بعد العمى، ولكن حتى في غضون خمسة أيام يعيد ضبطها لمعالجة حاسة اللمس. الدماغ البشري ليس بنية ثابتة وغير قابلة للتغيير. طوال الحياة، يتكيف هذا العضو المذهل باستمرار مع التجارب الجديدة، ويتعلم مهارات جديدة، ويغير الطريقة التي يعالج بها المعلومات. ولكن عندما يضيع أحد أهم مصادر الإدراك، وهو الرؤية، كيف يتعامل الدماغ مع الظروف الجديدة؟

يتكون الدماغ من مليارات الخلايا العصبية التي تتواصل مع بعضها البعض من خلال شبكة معقدة. هذه الروابط ليست ثابتة ويمكن للتجارب اليومية والتعلم والممارسة أن تغير طريقة عملها.

على سبيل المثال، عندما يتعلم الشخص العزف على آلة موسيقية، يصبح دماغه تدريجيًا أكثر مهارة في تنسيق حركات الأصابع، ومعالجة الأصوات، وتذكر الأنماط الموسيقية. ويرتبط جزء من هذا التقدم بتغيير قوة الوصلات العصبية وتحسين التنسيق بين شبكات الدماغ.

تسمى المرونة العصبية هذه القدرة على التغيير. يمكن للدماغ تقوية الاتصالات المستخدمة بشكل متكرر، وتغيير مستوى نشاط بعض المسارات العصبية، وفي ظل ظروف معينة، تنسيق تنظيم شبكاته مع الاحتياجات الجديدة.

عندما يفقد الإنسان بصره، لا يعود لدى الدماغ المعلومات التي كان يتلقاها من العين. يمكن لهذا التغيير أن يحول نشاط الشبكات المتعلقة بمعالجة المعلومات الحسية.

وبطبيعة الحال، اللدونة العصبية لا تعني قدرة الدماغ غير المحدودة على التعويض عن أي ضرر. لا يستطيع الدماغ استبدال كل جزء مفقود بحرية أو إزالة جميع القيود الناجمة عن العمى. وتعتمد درجة التكيف على عوامل مختلفة، بما في ذلك العمر والخبرات السابقة وحالة الشبكات العصبية ومدة العمى.

أحد الأسئلة المثيرة للاهتمام حول اللدونة العصبية هو المدة التي يستغرقها الدماغ للتكيف مع الظروف الجديدة. هل تظهر التغييرات بعد سنوات من العمى أم يمكن أن تبدأ قبل ذلك بكثير؟

تظهر الأبحاث أن بعض التغييرات الوظيفية في الدماغ يمكن أن تحدث في غضون أيام قليلة. والسبب في هذه السرعة هو أن الدماغ لا يحتاج بالضرورة إلى بناء اتصالات عصبية جديدة لكل تغيير. في بعض الأحيان يكون تغيير طريقة استخدام المسارات الموجودة بالفعل كافيًا لتغيير نشاط شبكة الدماغ.

يتمتع الدماغ بالقدرة على التغيير طوال الحياة ويمكنه التكيف مع التجارب والظروف الجديدة من خلال تقوية الروابط العصبية أو تغييرها.

في المقابل، قد تتطور بعض التكيفات الأكثر استقرارًا على مدار أشهر أو سنوات. يمكن للتجارب اليومية وتعلم مهارات جديدة والأنشطة المتكررة أن تغير تدريجيًا قوة الوصلات العصبية وطريقة عمل شبكات الدماغ معًا. ولذلك، فإن تكيف الدماغ مع العمى ليس حدثًا مفاجئًا وموحدًا؛ وهي مجموعة من التغيرات قصيرة المدى وطويلة المدى التي قد تحدث بسرعات مختلفة.

وقد مُنعوا من الزيارة. خلال هذا الوقت، كان المشاركون معصوبي الأعين، وتحت إشراف الباحثين، مارسوا مهارات اللمس، بما في ذلك التعرف على أحرف برايل.

وبعد خمسة أيام، كان أداء الأشخاص المحرومين بصريًا أفضل من المجموعة الضابطة في التعرف على أحرف برايل. وأظهر فحص نشاط الدماغ أيضًا أن أجزاء من المنطقة القذالية، والتي ترتبط عادةً بمعالجة المعلومات البصرية، كانت أكثر نشاطًا عند أداء الأنشطة اللمسية.

ثم قام الباحثون بتعطيل نشاط هذه المنطقة مؤقتًا باستخدام التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة. وأظهرت النتيجة أن هذا التدخل يقلل من أداء المشاركين ضعاف البصر في التعرف على أحرف برايل؛ علامة على أن المنطقة المعنية كانت متورطة في نشاط اللمس. والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أنه بعد إزالة العصابة عن العينين، اختفى التغير في النشاط المسجل في المنطقة القذالية خلال حوالي 24 ساعة.

أظهرت هذه التجربة أن الدماغ البالغ يمكنه تغيير طريقة عمله بشكل أسرع بكثير مما كان يعتقد سابقًا. ومع ذلك، فإن التغييرات المرصودة حدثت لدى الأشخاص الذين أصيبوا بالعمى المؤقت، ولا يمكن تعميم النتائج بشكل مباشر على الأشخاص الذين عاشوا مع العمى لسنوات عديدة.

عندما نتحدث عن إعادة تنظيم الدماغ، قد نفكر في الخلايا العصبية التي تبدأ في بناء شبكة جديدة بالكامل بعد العمى. لكن تكيف الدماغ لا يتطلب دائمًا مثل هذا التغيير الشامل.

لفهم ذلك بشكل أفضل، تخيل مدينة بها العديد من الشوارع الرئيسية والجانبية. إذا كان أحد الطرق الرئيسية مغلقًا، فيمكن للسائقين استخدام الشوارع الجانبية. في البداية، ليست هناك حاجة لبناء مسار جديد؛ يمكن للشوارع الموجودة مسبقًا التعامل مع المزيد من حركة المرور.

ويحدث شيء مماثل في الدماغ. قد تصبح بعض الاتصالات العصبية التي كان نشاطها محدودًا في السابق أكثر وضوحًا بعد تغيير المدخلات الحسية.

أحد التفسيرات المحتملة لهذه الظاهرة هو التغير في التوازن بين الأنشطة المثيرة والمثبطة في الشبكات العصبية. في ظل الظروف العادية، يكون نشاط بعض المسارات محدودًا بسبب الرسائل المثبطة. قد يؤدي تغيير الظروف الحسية إلى تغيير هذا التوازن، مما يسمح للاتصالات الموجودة أن يكون لها تأثير أكبر على نشاط الدماغ.

لا يحتاج الدماغ دائمًا إلى إجراء اتصالات جديدة للتكيف؛ في بعض الأحيان يكفي استخدام المسارات العصبية الموجودة بطريقة مختلفة

وفي فترات أطول، يمكن أن يلعب تغيير قوة الاتصالات بين الخلايا العصبية وحتى بعض السمات الهيكلية للشبكات العصبية أيضًا دورًا في التكيف.

ومع ذلك، فإن زيادة النشاط في جزء واحد من الدماغ وحده لا يثبت أنه تم إنشاء اتصالات عصبية جديدة. تُظهر طرق التصوير عادةً تغيرات في نشاط أو خصائص أنسجة المخ، وهناك حاجة إلى مزيد من الأدلة لتحديد الآلية الدقيقة للتغييرات. ولهذا السبب يفرق العلماء بين تغيير وظيفة الشبكات العصبية وتغيير بنيتها الفيزيائية.

يتمتع الدماغ بالقدرة على التغيير طوال الحياة، إلا أن مرونته ليست هي نفسها في مختلف الأعمار. أثناء مرحلة الطفولة، لا تزال الشبكات العصبية في طور التطور والتنظيم. يمكن أن يكون للتجارب الحسية خلال هذه الفترة تأثير عميق على تكوين اتصالات الدماغ. ولهذا السبب، تسمى بعض مراحل النمو "الفترات الحساسة" أو "الفترات الحرجة".

لا تتوفر المعلومات لفترة طويلة، حتى أن حل مشكلة العين في السنوات اللاحقة قد لا يؤدي إلى التعافي الكامل للقدرات البصرية.

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل أدمغة الأشخاص المكفوفين خلقيًا والأشخاص الذين فقدوا بصرهم في مرحلة البلوغ تظهر أنماطًا مختلفة من التكيف.

في حالة العمى الخلقي، يؤثر نقص المعلومات البصرية في المراحل المبكرة جدًا من النمو على تكوين شبكات الدماغ. لكن الشخص الذي يصاب بالعمى في مرحلة البلوغ يكون قد تلقى معلومات بصرية منذ سنوات وتشكلت الشبكات المرتبطة ببصره إلى حد كبير.

وبطبيعة الحال، لا يمكن القول أن دماغ إحدى هاتين المجموعتين يكون بالضرورة أكثر مرونة أو كفاءة. وما يصنع الفارق هو وقت الحرمان من الرؤية والتجارب الحسية السابقة.

لفترة طويلة، كان يُعتقد أن الدماغ يفقد الكثير من قدرته على التغيير بعد نهاية النمو. ووفقاً لهذا الرأي، تكون الشبكات العصبية ثابتة نسبياً في مرحلة البلوغ وتكون إمكانية إعادة تنظيمها محدودة. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن هذه الفكرة ليست كاملة.

لا يزال بإمكان الدماغ البالغ إعادة تنظيم نشاطه استجابةً للتعلم والممارسة والظروف الحسية المتغيرة. وتعد تجربة الحرمان البصري لمدة خمسة أيام أحد الأمثلة الواضحة على هذه القدرة.

قدرة الدماغ على التكيف لا تقتصر على مرحلة الطفولة، فحتى دماغ البالغين يستطيع تغيير طريقة عمله بعد العمى

تُظهر الدراسات التي أجريت على الأشخاص الذين استعادوا بعضًا من بصرهم بعد سنوات من ضعف البصر الشديد أن شبكات الدماغ يمكنها الاستجابة للمدخلات البصرية الجديدة حتى في مرحلة البلوغ. ومع ذلك، فإن مرونة دماغ البالغين ليست مثل مرونة دماغ الطفل. تحدث بعض التغييرات بسهولة أكبر أثناء النمو، وقد يكون من الصعب استعادة بعض القدرات الحسية بعد سنوات من الحرمان.

على سبيل المثال، الشخص الذي حرم من التجارب البصرية لفترة طويلة عندما كان طفلا قد لا يزال يواجه صعوبة في التعرف على الأشياء أو تفسير المشاهد المعقدة بعد علاج مشكلة العين. ويشير هذا إلى أن قدرة الدماغ على التغيير تختلف عن قدرته على استعادة الوظيفة المفقودة بشكل كامل.

ليست كل التغييرات في اللدونة العصبية دائمة. بعضها يختفي بسرعة مع تغير الظروف الحسية، والبعض الآخر قد يبقى لفترة طويلة.

وفي تجربة الحرمان البصري التي استمرت خمسة أيام، لاحظ الباحثون أن التغير في نشاط المنطقة القذالية يمكن عكسه بسرعة بعد إزالة العصابة عن العينين. ولكن بالنسبة للأشخاص الذين عاشوا مع العمى لسنوات عديدة، قد تكون إعادة تنظيم الدماغ أكثر ديمومة.

وفي دراسة أخرى، فحص العلماء التغيرات الدماغية لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ طويل من ضعف البصر الشديد قبل وبعد استعادة الرؤية الجزئية.

قبل العلاج، تم تنشيط بعض مناطق الجزء الخلفي من دماغ هذا الشخص عند سماع الصوت. وبعد العلاج وعودة بعض المعلومات البصرية، لاحظ الباحثون أن بعض الاستجابات السمعية في هذه المناطق قد انخفضت، لكن بعضها بقي حتى بعد عدة أشهر.

تظهر هذه النتيجة أن تغيرات الدماغ ليست بالضرورة أحادية الجانب ولا رجعة فيها. يمكن لبعض الشبكات إعادة التكيف مع الظروف الجديدة، بينما تستمر بعض التغييرات السابقة لفترة أطول. وبطبيعة الحال، ركز هذا البحث على شخص واحد ولا يمكن تعميم نتائجه على جميع المكفوفين.

عادة ما تعتبر المرونة العصبية سمة إيجابية. لأنه يساعد الدماغ على تعلم مهارات جديدة والتكيف مع التغيرات. لكن ليس كل تغير عصبي مفيد بالضرورة.

بالنسبة لشخص فقد بصره، يمكن أن تكون إعادة تنظيم شبكات الدماغ جزءًا من عملية التكيف مع الظروف الجديدة. ومع ذلك، إذا سمح العلاج في المستقبل بتلقي المعلومات البصرية مرة أخرى، فيجب على الدماغ التكيف مرة أخرى مع هذه المدخلات. وفي مثل هذه الحالة، يطرح السؤال ما إذا كانت بعض التعديلات السابقة قد تجعل استعادة الرؤية أكثر صعوبة؟

افترض الباحثون أن بعض أشكال إعادة التنظيم العصبي في ظروف معينة يمكن أن تتداخل مع عودة الوظيفة الطبيعية للحواس. ومع ذلك، فإن الأدلة المتاحة ليست كافية للتوصل إلى استنتاجات نهائية والعلاقة بين تكيف الدماغ واستعادة الحواس تعتمد على عدة عوامل.

المهم هو أنه لا يمكن تقسيم التغيرات الدماغية إلى مجموعتين مفيدتين وضارتين تمامًا. إن التغيير الذي يعزز التكيف في موقف ما قد يكون له نتائج مختلفة في موقف آخر. كما أن تنشيط إحدى مناطق الدماغ في معالجة المعلومات الحسية الأخرى لا يعني فقدان قدرتها السابقة بشكل دائم.