التفاخر على المائدة، إسراف في الحياة؛ لماذا لا ندرك قيمة النعم؟
في زمن غلاء المواد الغذائية الذي بات تأمين الاحتياجات اليومية فيه همّاً جدياً للأسر، كيف يمكن، بتصحيح هذه العادات اليومية نفسها، أن نقدّر النعم أكثر ونمنع في الوقت ذاته هدر الموارد؟
وبحسب قاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، فإن التوفير، على عكس ما يعتقده البعض، لا يعني التخلي عن الرفاهية أو تحمل الصعوبات غير الضرورية؛ بل هو علامة على الإدارة الذكية للموارد والاستخدام الصحيح للنعم التي يمكن أن يؤدي تجاهل قيمتها إلى تكاليف باهظة على المجتمع في المستقبل. وهذا النهج، بعيدًا عن التوصية الأخلاقية، هو مسؤولية تجاه الأجيال القادمة؛ جيل له الحق في الاستفادة من الموارد المتاحة للتمتع بحياة كريمة.
وبحسب رواية إقنا فإن الإسراف في التعاليم الدينية محرم ومخالف لتعاليم الإسلام. وبالإضافة إلى هذا الواجب الإسلامي، فإن المسؤولية الاجتماعية تتطلب منا أيضًا أن نأخذ على محمل الجد عواقب الاستهلاك المفرط؛ لأن أي مورد يتم إهداره دون ضرورة يمكن أن يوفر جزءا من احتياجات الآخرين أو يستخدم لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.
ونظراً لأهمية هاتين المسؤوليتين، سنتناول في سلسلة من الملاحظات طرق تحسين نمط الاستهلاك في الحياة اليومية. في كل عدد، نتناول جانبا واحدا من جوانب الاستهلاك ومن خلال تقديم اقتراحات بسيطة وعملية، نبين كيف يمكن لتغيير العادات الصغيرة أن يؤدي إلى نتائج كبيرة على الأسرة والمجتمع ومستقبل البلاد.
نفايات الطعام؛ تكلفة خفية في الحياة اليومية
يعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية أحد المخاوف الخطيرة للأسر الإيرانية. ومع ذلك، فإن هدر الطعام على نطاق واسع يظهر أن جزءًا من الموارد الاقتصادية للأسر يُفقد أيضًا بسبب الاستهلاك غير السليم. ولا تقتصر هذه المشكلة على إيران فحسب، بل إن بلدان العالم المختلفة، على الرغم من اختلاف الدخل والمرافق، تواجه تحدي هدر الطعام.
وبحسب تقرير مؤشر هدر الغذاء الذي نشره برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن نحو 17% من الأغذية الموردة للمستهلكين في العالم تهدر كل عام؛ ويعادل الحجم المذكور في التقرير الاستهلاك الغذائي السنوي لـ 690 مليون شخص.
وتشير تقديرات هذا التقرير إلى أن إجمالي كمية هدر الطعام في العالم يصل إلى أكثر من 931 مليون طن سنويا. ومن هذه الكمية يتم هدر حوالي 569 مليون طن أي ما يعادل 61% في المنازل. وتقدر حصة الخدمات الغذائية بما فيها المطاعم بنحو 244 مليون طن بما يعادل 26%، وحصة المتاجر ومبيعات التجزئة بنحو 118 مليون طن بما يعادل 13%.
وتظهر هذه الإحصائية أن الأسر تلعب دوراً رئيسياً في هدر الطعام، كما أن تعديل سلوك المستهلك يمكن أن يلعب دوراً مهماً في الحد من هذه المشكلة.
إيران؛ ما يقرب من 6 ملايين طن من المواد الغذائية القابلة للتصرف سنويا
لا يقتصر هدر الطعام على الدول الغنية. وتشير الدراسات إلى أن هذه الظاهرة تلاحظ في البلدان المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة الدخل ولا يتبع معدلها نفس النمط.
على سبيل المثال، وبحسب الإحصائيات المذكورة في التقرير، يبلغ هدر الطعام للفرد سنويا في النمسا 39 كيلوغراما وفي نيجيريا 139 كيلوغراما. ويصل هذا الرقم في الهند أيضًا إلى حوالي 50 كجم للشخص الواحد سنويًا.
وبطبيعة الحال، فإن الاختلاف في مقدار التحويل لا يتعلق فقط بسلوك المستهلكين. في البلدان المتقدمة، يحدث جزء كبير من هدر الطعام في مرحلة الاستهلاك؛ بينما في العديد من البلدان النامية، يساهم ضعف الإنتاج والتخزين والتخزين والنقل أيضًا بشكل كبير في فقدان المنتجات الغذائية.
أبعاد هذه المشكلة مهمة أيضًا في إيران. وبحسب إحصائيات التقرير المذكور، فإن الأسر الإيرانية تتخلص من 5 ملايين و884 ألف طن من الطعام كل عام، ويقدر نصيب الفرد السنوي من هدر الطعام في البلاد بنحو 71 كيلوغراما.
يحدث هذا القدر من الهدر في وضع تواجه فيه العديد من العائلات تكاليف متزايدة لتلبية احتياجاتها اليومية. ولهذا السبب، لا يمكن اعتبار الحد من هدر الطعام مجرد مسألة أخلاقية؛ وترتبط هذه القضية ارتباطا مباشرا بالاقتصاد الأسري والعدالة في استخدام الموارد وإدارة قدرات البلاد.
الإسراف في التعاليم الإسلامية؛ عندما تضيع النعم
الإسراف في التعاليم الإسلامية هو من السلوكيات غير اللائقة والمذمومة. وفي الأحاديث تأكيد على تجنب إضاعة النعم، والاهتمام بالمحتاجين.
وفي رواية للإمام الصادق (عليه السلام) أنه رأى تفاحة تركت نصف مأكولة، فأبدى استياءه من هذا التصرف وأشار إلى أن الإنسان إذا كان في حاجة إلى طعام فالأفضل أن يعطيه للمحتاجين تجنباً لإضاعة النعم. وقد جاء هذا الحديث في مجوبة الأخبار، باب ١٧١، الحديث ٤.
إن رسالة هذا المبدأ واضحة: قيمة الغذاء لا تقتصر على تلبية الاحتياجات الفردية؛ بل إن طريقة تعاملنا معها توضح مدى اهتمامنا بالموارد وحقوق الآخرين ومسؤوليتنا الاجتماعية.
ولكن ما هي التدابير التي يمكن اتخاذها للحد من هذه الكمية من النفايات؟
مما لا شك فيه أن الحكومة والمؤسسات المسؤولة مسؤولة عن منع هدر الغذاء في مراحل الإنتاج والتوريد من خلال تحسين البنية التحتية للنقل وتطوير مرافق تخزين المنتجات الزراعية وإدارة سلسلة التوريد. ومع ذلك، فإن جزءًا من المسؤولية يقع بشكل مباشر على عاتق المستهلكين، ويمكن تجنب الهدر الكبير عن طريق تعديل بعض العادات اليومية.
شراء واعي؛ الخطوة الأولى للحد من الهدر
أحد العوامل المهمة التي تؤدي إلى هدر الطعام في المنازل هو شراء ما يزيد عن الحاجة. يقوم الكثير من الناس، عند قيامهم بالتسوق، دون الاهتمام باستهلاك الأسرة، بإعداد العديد من المواد الغذائية؛ المنتجات التي تفقد جودتها أحيانًا أو تفسد قبل الاستخدام.
يعد إعداد قائمة التسوق قبل الذهاب إلى المتجر أحد أسهل الطرق لتقليل هذه المشكلة. التسوق على أساس الاحتياجات الحقيقية للأسرة، وتجنب المشتريات العاطفية والاهتمام بمخزون الثلاجة والخزائن يمكن أن يمنع تراكم الطعام غير الضروري.
من الضروري أيضًا الانتباه إلى تاريخ انتهاء الصلاحية وظروف التخزين ومدة صلاحية المنتجات عند الشراء. كما أن تخطيط الوجبات وفقًا للمكونات المشتراة يساعد أيضًا على استهلاك الطعام قبل أن يفسد.
التسوق بشكل أقل ولكن بشكل هادف لا يقلل الهدر فحسب، بل يساعد أيضًا على إدارة نفقات الأسرة بشكل أفضل.
الجداول الملونة في الفضاء الافتراضي؛ إظهار الرفاهية على حساب هدر الطعام
من السلوكيات التي يمكن ملاحظتها في بعض المحتويات المنشورة في الفضاء الإلكتروني، هو إظهار طاولات مليئة بالطعام لشخص أو شخصين؛ الصور التي يتم إعدادها في بعض الأحيان بهدف الإعلان عن المطعم أو جذب انتباه الجمهور أو إظهار القوة المالية.
قد تروج مثل هذه الصور تدريجيًا لفكرة أن طلب أطباق متعددة وإعداد طاولات فخمة يعد علامة على الرخاء أو الشخصية الاجتماعية؛ في حين أن قيمة الحفلة أو تجربة تناول الطعام لا تعتمد على كمية الطعام المطلوبة.
يعد الطلب وفقًا لعدد الأشخاص والقدرة الاستهلاكية سلوكًا أكثر مسؤولية. إن الزراعة في هذا المجال، وخاصة في الفضاء الافتراضي، يمكن أن تساعد في تغيير نظرة المجتمع إلى الاستهلاك والرفاهية.
إن الطاولة المليئة بالطعام الإضافي ليست بالضرورة علامة على الكرم أو الأخلاق؛ في بعض الأحيان يكون الأمر مجرد صورة للموارد التي يمكن استخدامها بطريقة أفضل.
لا تتخلص من الطعام المتبقي
من السلوكيات الإيجابية في السنوات الأخيرة هو الاهتمام المتزايد بتغليف ونقل بقايا الطعام من المطاعم إلى المنزل. هذا الإجراء، إذا تم اتباع مبادئ النظافة والصيانة المناسبة، يمكن أن يمنع هدر الطعام.
في الحفلات، من الممكن منع هدرها من خلال التخطيط بعناية أكبر، وإعداد الكمية المطلوبة من الطعام وتخزين الطعام السليم بشكل صحيح. وفي الحالات التي يكون من الممكن فيها استخدام أغذية صحية ومناسبة، فإن نقلها إلى الأشخاص المحتاجين من خلال مراكز ومجموعات موثوقة يمكن أن يكون أيضًا حلاً فعالاً.
وبطبيعة الحال، ينبغي أن يتم توزيع ما تبقى من المواد الغذائية مع الالتزام الكامل بمبادئ النظافة والتحكم في وقت ودرجة حرارة التخزين وضمان صحة المواد الغذائية. فمجرد بقاء الطعام لا يعني أنه صالح للأكل.
الصيانة الأساسية؛ طريقة بسيطة لزيادة مدة صلاحية الأطعمة
يرتبط جزء آخر من هدر الطعام بالتخزين غير المناسب في المنزل. إن الإلمام بالطريقة الصحيحة لتخزين كل منتج، واستخدام الحاويات المناسبة والتغليف الأساسي يمكن أن يزيد من العمر الافتراضي للأغذية.
على سبيل المثال، يمكن أن تظل بعض الخضروات طازجة لفترة أطول باستخدام عبوات أو عبوات مناسبة وفقًا لظروف التخزين. كما أن التغليف المناسب للأطعمة في الفريزر، إذا تمت مراعاة درجة الحرارة القياسية ومبادئ السلامة، يمكن أن يساعد في الحفاظ على جودتها.
فرز الثلاجة مهم جدًا أيضًا. من الأفضل الاحتفاظ بالمواد الغذائية والمنتجات القديمة التي يجب استهلاكها عاجلاً، في مناطق مرئية ويمكن الوصول إليها، والاحتفاظ بالمواد الطازجة في مكان مناسب. وتساعد هذه الطريقة على عدم ترك الطعام المنسي في أسفل الثلاجة أو الأدراج وعدم التخلص منه بعد فترة.
وبالطبع تجدر الإشارة إلى أن تاريخ الاستخدام وظروف التخزين وخصائص كل مادة غذائية مختلفة؛ ولذلك فإن ترتيب الثلاجة وحده لا يكفي ويجب اتباع تعليمات الصيانة والانتباه إلى علامات الفساد.