الإرث الحي؛ جسر للدبلوماسية الثقافية والتعاون الإقليمي
كتب مجتبى غستوني، الصحفي وأمين سر خدمة النخبة والتراث في آريا، في مذكرة: انعقد الاجتماع السابع لمجلس محافظي مركز الدراسات الإقليمية لحماية التراث الثقافي غير المادي في غرب ووسط آسيا، تحت إشراف اليونسكو، يومي 21 و22 أكتوبر 1405 في طهران؛ وأتاح الاجتماع، إلى جانب اتخاذ قرار بشأن استمرار إدارة وتعزيز البنية المتخصصة للمركز، فرصة لإعادة التفكير في دور التراث الحي كمنصة للدبلوماسية الثقافية والتعاون الإقليمي ومواجهة التحديات المشتركة للمجتمعات المعاصرة.
ولا يمكن تلخيص أهمية هذا الحدث فقط في موافقاته الإدارية وقراراته الإدارية. ومن وجهة نظر صحافي التراث الثقافي، فإن ما يجعل هذا اللقاء جديراً بالاهتمام هو الرسالة التي يحملها حول قدرة المؤسسات الثقافية على الحفاظ على العلاقات الدولية، واستمرارية التعاون المتخصص، وتعزيز الثقة بين دول المنطقة.
وفي وضع ألقت فيه الأزمات السياسية والصراعات الإقليمية وقيود الاتصالات بظلالها على العديد من العلاقات الدولية، فإن استمرار نشاط مؤسسة إقليمية تحت إشراف اليونسكو في طهران ومشاركة ممثلين وخبراء من مختلف البلدان في قراراتها يذكر بأهمية الدبلوماسية الثقافية.
ومن هذا المنطلق، يمكن تحليل اجتماع طهران من زاويتين: أولاً، استقرار الإدارة والبنية المتخصصة للمركز وتعزيز استمرارية أنشطته. وثانياً، التحرك نحو تحديد دور أكثر نشاطاً للتراث الثقافي غير المادي في الاستجابة للقضايا الأساسية لمجتمعات اليوم.
بعد الاجتماع الإداري؛ الاستمرارية المؤسسية ورأس المال البشري
وكان من المحاور المهمة للاجتماع السابع لمجلس المحافظين اتخاذ قرار بشأن استمرار الإدارة وتعزيز البنية المتخصصة للمركز.
وتم خلال الاجتماع التأكيد على استمرار رئاسة علي درابي في مجلس الإدارة، كما تم انتخاب أتوسا مؤمني مديرا عاما للمركز بتصويت أعضاء مجلس الإدارة.
وتعتبر إعادة الاختيار هذه مهمة من وجهة نظر تقييم الأداء المؤسسي، خاصة بعد عرض ومراجعة تقرير نشاط الفترة الماضية. وخضع نشاط المركز في فترة كان التعاون الدولي فيها يواجه صعوبات ناجمة عن التطورات الإقليمية وقيود التنفيذ والظروف غير المتوقعة، لمراجعة أعضاء المجلس، ودعم استمرار إدارته.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى إعادة انتخاب مؤمني على أنها علامة على ثقة مجلس المحافظين بخبرته وخبرته الإدارية؛ الثقة التي، بالإضافة إلى التحقق من الأداء السابق، تخلق مسؤولية مضاعفة لتحقيق الخطط المستقبلية للمركز.
وتتجلى أهمية هذا القرار عندما يتم النظر إلى طبيعة مهمة مراكز الفئة الثانية الخاضعة لإشراف منظمة اليونسكو. وعلى الرغم من أن هذه المراكز لا تشكل جزءا من الهيكل الإداري لليونسكو، إلا أنها تعمل في إطار الاتفاقيات ذات الصلة وبهدف المساعدة في تحقيق الأولويات المتخصصة لهذه المنظمة. ولذلك فإن إدارتها تتطلب معرفة بالآليات الدولية، والقدرة على التفاعل مع الدول الأعضاء، وامتلاك خبرة متخصصة في مجال مهمة المركز.
بالإضافة إلى هذه القرارات، تم أيضًا أخذ العضوية المستمرة ولعب الأدوار للأعضاء الخبراء في مجلس المحافظين من إيران وباكستان وكازاخستان في الاعتبار وتم اتخاذ القرارات اللازمة بشأن استمرار وجودهم.
وهذا الجزء من الموافقات، رغم أنه قد يكون في ظل اختيار المسؤولين التنفيذيين في التغطية الإخبارية، إلا أنه ذو أهمية مستقلة من وجهة نظر الخبراء. وباستخدام الخبرات العلمية والوطنية المختلفة، يلعب الأعضاء الخبراء دوراً في تحسين جودة القرارات وتقييم البرامج وربط أولويات دول المنطقة بالمهمة المتخصصة للمركز.
وفي الواقع، فإن إحدى النتائج المهمة لاجتماع طهران ينبغي السعي إليها في الاهتمام المتزامن بالاستقرار الإداري واستمرارية رأس المال البشري والمتخصص؛ عنصران ضروريان لدفع البرامج الإقليمية والحفاظ على التواصل الفعال مع البلدان الأعضاء.
التراث غير المادي؛ من حماية الماضي إلى بناء المستقبل
ولعل الجانب التحليلي الأكثر أهمية في هذا اللقاء هو الاهتمام بالقدرة العملية للمعرفة والخبرة لدى المجتمعات المحلية ومحاولة ربط التراث الثقافي غير المادي باحتياجات اليوم.
يواجه العالم المعاصر سلسلة من الأزمات المتشابكة؛ من نقص الموارد المائية وتغير المناخ إلى انعدام الأمن الغذائي والحد من التنوع البيولوجي وإضعاف الروابط الاجتماعية.
وفي مثل هذه الحالة، لا يمكن اعتبار معارف السكان الأصليين والتراث الحي مجرد قضايا من الماضي. وتعتبر الأساليب التقليدية لإدارة المياه، والنظم المحلية لإنتاج واستهلاك الغذاء، والمعرفة العلاجية التقليدية، وآليات المشاركة الاجتماعية والخبرات المنقولة بين الأجيال، قدرات قيمة لفهم القضايا المعاصرة وتصميم الإجابات التي تناسب الظروف المحلية.
ولا يعني هذا النهج استبدال المعرفة العلمية الجديدة بالطرق التقليدية؛ بل يؤكد على ضرورة الحوار بين المنظومات المعرفية المختلفة، بمشاركة المجتمعات التي تحمل التراث وتحترم حقوقها ومصالحها.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر أهمية التراث غير المادي على عمر التقليد أو امتداده الجغرافي؛ بل يتجلى في قدرتها على مواصلة الحياة الثقافية وتعزيز صمود المجتمعات والمشاركة في بناء مستقبل أكثر استدامة.
خطة العمل الإقليمية؛ ربط المعرفة المحلية بالاحتياجات المعاصرة
وفي جزء آخر من الاجتماع تم وضع خطة عمل المركز لعامي 2026 و2027 على جدول أعمال مجلس المحافظين. يغطي هذا البرنامج مجالات مثل مرونة المجتمعات في مواجهة تغير المناخ، والتواصل في مجال المعرفة العلاجية التقليدية، والمعرفة الأصلية لإدارة المياه، وأنظمة الأغذية التقليدية، وبناء القدرات لتنفيذ اتفاقية اليونسكو لعام 2003.
والقاسم المشترك بين هذه المجالات هو محاولة ربط التراث الثقافي غير المادي بالاحتياجات الحقيقية لبلدان غرب ووسط آسيا.
وفي هذه المنطقة، تعتبر العديد من التحديات البيئية والاجتماعية عابرة للحدود بطبيعتها. إن أزمة المياه، وتغيير أنماط المعيشة، والهجرة، والتغيرات المناخية، والتهديد بنقل المعرفة بين الأجيال، ليست قضايا يمكن التحقيق فيها فقط داخل حدود البلد.
ولذلك، فإن التعاون الإقليمي لتحديد التجارب الناجحة وتبادل المعرفة وتعزيز قدرات الخبرة وإشراك المجتمعات المحلية يمكن أن يخلق قيمة تتجاوز الإجراءات الوطنية المجزأة.
وفي هذا الإطار، يحظى المركز الإقليمي لطهران بفرصة أن يصبح منصة للتواصل بين الخبراء والمؤسسات الوطنية والجامعات وحاملي التراث الحي في دول المنطقة.
إلا أن تحقيق هذه الرؤية لا يقتصر على عقد الاجتماعات وتطوير البرامج. وسيكون استمرار مشاركة الدول الأعضاء وتوفير الموارد المستدامة وتحديد مؤشرات التقييم وتحويل البرامج إلى إنجازات قابلة للقياس، المتطلبات الأساسية لنجاح هذا المركز.
الدبلوماسية الثقافية؛ القدرة على التغلب على الطرق المسدودة
إن عقد هذا الاجتماع في طهران له أهمية كبيرة أيضًا من وجهة نظر الدبلوماسية الثقافية.
تعد منطقة غرب ووسط آسيا إحدى المناطق التي تربط الدول فيها العديد من الروابط التاريخية واللغوية والطقوسية والحضارية مع بعضها البعض. إن العديد من مظاهر التراث الحي لهذه المنطقة هي نتيجة قرون من التفاعل والتبادل الثقافي ولا يمكن تفسيرها إلا في إطار الحدود السياسية الحالية.
وهذه الميزة تحول التراث الثقافي غير المادي إلى إحدى القدرات الفعالة للقوة الناعمة في العلاقات الدولية.
وفي الوضع الذي قد تحد فيه الخلافات السياسية من قنوات الاتصال الرسمية، فإن التعاون في مجال التراث المشترك والبحث الثقافي والتعليم وتبادل الخبرات يمكن أن يوفر السياق لمواصلة الحوار.
ومن هذا المنطلق، فإن أهمية المركز الإقليمي لطهران لا تكمن فقط في عدد اجتماعاته أو برامجه التنفيذية؛ بل في قدرتها على تحويل القواسم الثقافية المشتركة إلى ثقة متبادلة وتعاون مستدام بين الأمم.
كما يؤكد علي الدرابي رئيس مجلس المحافظين على قدرة الثقافة على فتح الأقفال وتجاوز المآزق؛ وجهة نظر يمكن أن تكون أساسًا لفهم دور المؤسسات الثقافية في العلاقات الإقليمية.
ومع ذلك، تصبح القوة الثقافية الناعمة نتيجة دائمة عندما تتجاوز مستوى التركيز على القواسم المشتركة التاريخية وتتجلى في شكل تعاون حقيقي ومشاركة متوازنة بين البلدان واحترام التنوع الثقافي.
يصبح التراث المشترك ذخرا للمستقبل عندما تتمكن جميع الدول المشاركة من المساهمة في تحديد الأولويات وتنفيذ البرامج والاستفادة من نتائجها. وإلا فإن الدبلوماسية الثقافية قد تبقى على مستوى الشعارات والمناسبات الرسمية.
مكانة إيران في شبكة التعاون الثقافي في المنطقة
كما أن استضافة هذا المركز في طهران له أهمية استراتيجية بالنسبة لإيران.
تتمتع إيران بقدرة كبيرة على لعب دور في التعاون الثقافي في المنطقة بناءً على تنوعها الثقافي وتراثها الحي وروابطها التاريخية مع دول غرب ووسط آسيا.
ومع ذلك، فإن الاستفادة من هذه القدرة تتطلب من دبلوماسية التراث الثقافي الابتعاد عن النهج الموجه نحو التقديم بشكل بحت، وتؤدي إلى المشاركة في إنتاج المعرفة وتمكين البلدان ونقل الخبرات وتشكيل المبادرات المشتركة.
إن وجود مركز إقليمي تحت إشراف اليونسكو في طهران يوفر فرصة لمثل هذا الدور. فرصة لا يعتمد نجاحها على القدرات الوطنية الإيرانية فحسب، بل أيضاً على مستوى الثقة والمشاركة والشعور بالانتماء لدى الدول الأخرى في المنطقة.