بوصلة النبوة: حجر الأساس المشترك للأديان في اختبار الحقيقة
ترتبط الأديان التوحيدية، رغم تنوع الشرائع، بالصدق في جوهر أخلاقي واحد؛ وهو مبدأ كان المعيار الحقيقي لقياس التديّن ونقطة انطلاق رسالة الأنبياء.
التبشيرية - خدمة التعليم: في تاريخ الفكر وفلسفة الدين، لطالما طرح هذا السؤال الأساسي، ما هو الخيط المشترك والروح الحاكمة لتعاليم سلسلة الأنبياء الإلهيين. وعندما ننظر إلى اختلاف الأزمنة والمناخات والشرائع الدينية، يتبين لنا تحول الأحكام حسب احتياجات العصر، ولكن هناك عنصرا ثابتا وعالميا تقوم عليه جميع نصوص الوحي ومهماته. حجر الأساس هذا ليس سوى الصدق والشفافية والحقيقة. وفي الوقت الذي يعاني فيه عالم اليوم من ما بعد الحداثة وعصر ما بعد الحقيقة، فقدت الكلمات مصداقيتها في زوبعة المصالح الاقتصادية والألعاب السياسية، وأدت ظاهرة الأخبار الكاذبة إلى تآكل نسيج الروابط الاجتماعية، وتصبح العودة إلى هذا الجوهر التوحيدي ذات أهمية مضاعفة. إذا أزيلت الحقيقة من العلاقات الإنسانية، فلن يبقى أي عقد اجتماعي أو مطالبة روحية.
ويبين علماء اجتماع الدين والمفكرون مثل ماكس فيبر في شرح الشرعية الكاريزمية والنبوية أنه قبل أي معجزة أو توجيه، كان رأس المال الاجتماعي للأنبياء يعتمد على موثوقية شخصيتهم وصدق كلامهم في مجال الحياة اليومية. لقد تعرف البشر على الرسل ليس فقط من خلال الطقوس الخارجية أو الكلمات العاطفية، ولكن أيضًا من خلال كلامهم المستمر وتكيف سطوحهم الداخلية والخارجية. فالصدق في نظر التوحيد ليس توصية هامشية أو تكتيكاً أخلاقياً لكسب الهيبة، بل هو شرط للدخول في مناخ الإنسانية والتوحيد. الكذب بأي شكل من الأشكال، سواء أكان نفعية أنانية أم خطاباً منافقاً، يخلق فجوة عميقة بين الواقع وتمثيله؛ الفجوة التي كانت أصل كل الاضطهاد والخداع والاستغلال في تاريخ البشرية.
من وجهة نظر علم النفس الأخلاقي، يحقق الإنسان السلام الداخلي والصحة عندما يخفض أقنعة الازدواجية. يعتبر الفيلسوف الشهير إيمانويل كانط أن الصدق واجب مطلق تعتمد عليه المصداقية العقلانية للمجتمع؛ لأنه إذا سمح بالكذب فسوف يتم تدمير مفهوم الثقة والتواصل إلى الأبد. وقد أسست نصوص الأنبياء الصحيحة قبل هذه الأفكار بقرون، دعوتهم على الابتعاد عن النفاق والصدق الخالص. وأكدوا أن ظهور العبادة دون ارتباطها بالحق هو وهم الإيمان. هناك العديد من الطقوس التي تتشكل من العادة والتظاهر والمصالح، ولكن الجودة الحقيقية للشخص تنكشف عندما يصبح قول الحقيقة مكلفا، وترتبط حماية المصالح بتجاوز خط الحقيقة.
وقد أكد الحديث النبوي وأهل البيت هذا الارتباط العضوي بين الإخلاص والرسالة. وفي هذا النظام الفكري لم يُرسل نبي أو رسول إلا وقام برسالته على أساس الصدق والأمانة. لم يرسل الله القدير الأنبياء ليفرضوا وجوهًا بلا روح، بل لينفخوا روح الحق في أجساد النفوس. في هذه النظرة الحية، تكون الصلاة والسجود، إن لم تكن مصحوبة بلغة صادقة والتزام مخلص، بمثابة قوقعة بلا عقل. ويظهر تاريخ الأنبياء أنه قبل توجيه أي دعوة، كانوا هم أنفسهم معروفين بالاستقامة حتى يكون كلامهم مرآة مصقولة للحقيقة ويحملون عبء الرسالة بأمان إلى وجهتها المقصودة.
وقد ركزت تقاليد الشيعة القديمة والراسخة الاهتمام على هذا المبدأ الأساسي بأناقة رائعة، وذكرت أن التدين لا يقاس بالدعوى أو الإشارات الظاهرة، بل يجب أن يختبر على مقياس صدق القول وإخلاص الأمانة:
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في كلام رائع عن الطبيعة المشتركة لجميع الرسل الإلهيين:
«إن الله عز وجل ما بعث نبيا إلا بصدق الحديث وصدق البر والفجر».
وما بعث الله عز وجل نبيا إلا ليقول الحق ويرد الأمانة إلى البر والفاجر.
العنوان: الكافي، ثقة الإسلام كليني، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدوق وأداء الأمانة، حديث 1، صفحة 104.
وفي التنبيه العميق أيضاً على عدم الانخداع بالمظاهر وضرورة الاهتمام بالعمق الأخلاقي للناس، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«لا تنظر إلى طول الركوع والسجود، فإن ذلك من العادة، وهو مضيعة للمحبة لذلك، ولكن انظر إلى صحة الحديث وأداء الأمانة».
ولا تنظر إلى طول ركوع وسجود الرجل؛ لأن هذا شيء قد اعتاد عليه وإذا تركه يخاف، لكن انظر إلى حقيقة كلامه ومصداقيته.