قرآن كيف يختبر أخلاقنا المهنية؟ ٣ معايير لا ينبغي تجاهلها
هل يمكن الحديث عن الإيمان والأخلاق، ثم تجاهل حقوق الناس في بيئة العمل، أو التنصل من المسؤولية، أو عدم الوفاء بالوعود؟ يقدّم القرآن الكريم، مؤكداً على ثلاثة مبادئ: الجد في العمل بمسؤولية، والأمانة، وتطابق القول مع الفعل، معياراً واضحاً لقياس الأخلاق المهنية؛ معايير تبيّن أن التدين الحقيقي لا يقتصر على العبادة والشعارات، بل يتجلى أيضاً في القرارات، والأداء، وطريقة تعاملنا مع الآخرين
وبحسب قاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، فإن التدين لا يقتصر على العبادات والطقوس الفردية فحسب؛ كما تعد بيئة العمل ساحة لقياس الصدق والمسؤولية والعدالة. تأكيدًا على بذل الجهد لكسب لقمة العيش، ودفع الأمانة وتجنب الفجوة بين القول والعمل، يحدد القرآن الكريم معايير أخلاقيات المهنة التي يمكن أن تكون أساسًا لتقييم السلوك الفردي والأداء التنظيمي؛ إن المعايير التي تبين الصحة الأخلاقية للناس، بدلا من الاعتماد على ادعاءاتهم، تظهر في الطريقة التي يؤدون بها واجباتهم ويحترمون حقوق الآخرين.
التدين في الحياة اليومية لا يقاس فقط في خلوة العبادة. خلف المكتب، عند قبول المسؤولية، وعند مواجهة حقوق الناس، وعند الوفاء بالوعود، يمكن تقييم مستوى التزام الناس بالقيم الدينية والأخلاقية. مكان العمل هو المكان الذي تتجاوز فيه معتقدات الإنسان مستوى الكلام وتنعكس في سلوكه وقراراته.
ومن خلال تجميع ثلاث آيات من القرآن الكريم، يمكننا رسم إطار لأخلاقيات العمل؛ إطار يقوم على الجهود المسؤولة والجدارة بالثقة وتنسيق القول مع الفعل. هذه المبادئ الثلاثة تضع أمام كل إنسان ثلاثة أسئلة أساسية: إلى أي مدى حاولنا القيام بواجبنا على النحو الصحيح؟ كيف تصرفنا مع الإمكانيات والصلاحيات والحقوق التي أعطيت لنا؟ وما العلاقة بين ما نعد به وما نفعله بالفعل؟
وعليه فإن أخلاقيات العمل لا تقتصر على زيادة الإنتاجية أو العمل أكثر؛ كما أن أداء الواجبات بشكل صحيح، واحترام حقوق الآخرين والمسؤولية عن الأداء هو جزء لا يتجزأ منه.
1. الجهد المسؤول؛ يوم واحد على طريق الجهد
"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذُولًا فَامْشُوا فِي خَطَاها وَنَمُوا عَلَى رِزْقِهَا وَإِلَيْهِ النُّصُورُ" (مالك: 15)
وفي هذه الآية يكون التذكير بنعم الله مصحوبا بالدعوة إلى الحركة والجهد. الأرض مهيأة لحياة الإنسان واستغلاله، لكن استغلال طاقاتها مرتبط بوصية فمشوا. وهذا الترتيب يؤكد على ضرورة معرفة الإمكانيات والعمل والجهد للاستفادة من النعم.
إلا أن نهاية الآية بعبارة "ولي النشور" تفتح للإنسان أفقا آخر. إن محاولة كسب لقمة العيش تكون في إطار يتضمن أيضًا المسؤولية والمساءلة. ولذلك فإن المسألة ليست فقط مقدار الدخل أو النتيجة الاقتصادية للعمل؛ من المهم أيضًا كيفية تحقيق هذه النتيجة وعواقب سلوك الفرد على الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن أخلاقيات العمل تميز بين نهجين غير صحيحين: الأول، السلبية وانتظار البديل؛ ثانياً، النفعية التي تسمح لأي وسيلة بتحقيق النتيجة. فالجهد المسؤول لا يعني التنازل عن الجهد، ولا يبرر تجاهل حقوق الآخرين.
وبطبيعة الحال، لا ينبغي أن يؤدي التأكيد على الجهد إلى الحكم على الناس على أساس دخلهم أو وضعهم الاقتصادي. يمكن للمرض والحرمان وعدم تكافؤ الفرص أن يحد من إمكانية النشاط والكسب. والمسؤولية هنا تعني بذل الجهد حسب قدرات الناس وأحوالهم، وليس قياس قيمتهم الإنسانية على أساس الإنجازات المادية.
وفي رواية للإمام الصادق (عليه السلام) أن للسعي في إعالة الأسرة مكانة عظيمة: فالرجل الذي يجتهد في إعالة أهله كالمجاهد في سبيل الله. (الكافي ج5 ص88)
يأخذ هذا السرد العمل إلى ما هو أبعد من النشاط الاقتصادي البحت ويعطيه بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا. إن الشخص الذي يعمل بمسؤولية لتلبية احتياجات أسرته لا يبحث عن المال فقط؛ لقد قطع أيضًا التزامًا ويحاول الوفاء به.
2. الجدارة بالثقة. السلطة والمسؤولية ليست ملكية شخصية
"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالقسط" (النساء: 58).
الثقة لها معنى أوسع من الاحتفاظ بشيء ما أو إعادة الأموال. وفي بيئة العمل، يمكن اعتبار المسؤولية والسلطة والميزانية والمعلومات وفرص اتخاذ القرار أمثلة على الثقة. إن التسهيلات التي يتم توفيرها للأشخاص لأداء المهام ليست بالضرورة ملكاً لهم شخصياً، ولا يمكن استخدامها بغض النظر عن الغرض المخصص لها أو حقوق الآخرين.
وعلى هذا فإن المدير ليس مالكاً لمنصبه الإداري، ولكن عليه مسؤولية يجب عليه القيام بها بطريقة محددة واحترام حقوق الأشخاص المتأثرين بقراراته. إن تفويض المسؤولية لأشخاص غير مؤهلين يصبح أيضًا قضية أخلاقية عندما يتم التضحية بكفاءة وحقوق الآخرين من أجل العلاقات الشخصية أو الصداقة أو المصالح الفردية.
إن ربط الأمانة بالعدل في الآية 58 من سورة النساء له نقطة مهمة للأخلاقيات التنظيمية: النظافة الفردية وحدها ليست كافية لضمان الأداء الصحي. كما أن طريقة توزيع المرافق وتقييم الموظفين وتسليم الفرص والتعامل مع طلبات الناس يجب أن تكون مبنية على العدالة. لا يجوز للمدير أن يسيء استخدام موارد المنظمة شخصيًا، لكن قراراته التمييزية تظل تنتهك حقوق الآخرين.
ولهذا المبدأ أمثلة عديدة في بيئات العمل اليوم. الموظف الذي لديه حق الوصول إلى المعلومات الخاصة، والمدير الذي يتخذ قرارات التوظيف، والمسؤول الذي يراجع ملفات الأشخاص، يواجه كل منهم نوعًا من الثقة. إن الحفاظ على سرية المعلومات ومراعاة العدالة في التوظيف والتعامل العادل مع الطلبات هي من التطبيقات الحديثة لهذا المفهوم في المجال المهني.
وفي رواية للإمام الصادق (عليه السلام) يؤكد على الصدق والأمانة لمعرفة أمانة الناس: «لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فإنه قد يعتاد ذلك فيتألم من تركه، ولكن انظر إلى صدقه وأمانته». (الكافي ج2 ص105)
وهذا القول لا يعني التقليل من أهمية العبادة؛ بل إنه يوضح أن مظهر التدين وحده لا يكفي لتقييم التزام الناس الأخلاقي. وتتجلى الأمانة بوضوح عندما يكون لدى الشخص إمكانية إساءة استخدام منصبه، لكنه يتجنب ذلك بسبب تمسكه بمسؤوليات وحقوق الآخرين.
3. الصدق العملي؛ الفجوة بين ما نقوله وما نفعله
"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ولا تفعلون؟" (الصف: 2 و 3)
وهذه الآيات موجهة للذين آمنوا؛ وهي نقطة تضاعف من أهمية السؤال المطروح فيهم. إن وجود هوية دينية لا يعفي الشخص من المسؤولية عن سلوكه. إن ادعاء الالتزام بقيمة ما يصبح صحيحا عندما يكون هناك دلالة على ذلك في الممارسة العملية.
في مكان العمل، الصدق لا يعني تجنب الكذب فحسب؛ يعد تنسيق الوجبات الخفيفة والمطالبات والأداء الفعلي جزءًا منه أيضًا. منظمة تتحدث عن احترام الناس، لكنها لا تعطي إجابات واضحة لشكاواهم؛ مدير يتخذ مبدأ الجدارة مبدأً في عمله، لكنه يفضل المقربين منه على الآخرين؛ أو من يقطع وعدًا دون التأكد من القدرة وإمكانية التنفيذ، فكلهم يواجهون مشكلة الفجوة بين القول والفعل.
هذه القضية مهمة أيضًا في وسائل الإعلام وفي مجال الاتصال العام. في بعض الأحيان يكون من الأسهل خلق صورة أخلاقية لنفسك بدلاً من الالتزام بالأخلاق فعليًا. قد يكتب الإنسان عن العدل، لكنه لا يكون عادلاً في تعامله مع زميله؛ تحدث عن المسؤولية، ولكن عند حدوث الأخطاء، اجعل المسؤولية تجاه الآخرين. في مثل هذه الحالة، بدلاً من أن تكون القيم الأخلاقية دليلاً للسلوك، تصبح أداة لكسب الثقة والتحقق من صحتها.
وبطبيعة الحال، كل وعد يتم الوفاء به لا يعني بالضرورة الخداع. في بعض الأحيان تتغير الظروف أو يخطئ الإنسان في تقدير قدراته وإمكانياته. المهم هو كيفية التعامل مع هذا الموقف: هل يشرح الشخص حدوده ويعترف بخطئه ويتخذ الإجراءات اللازمة للتعويض عنه، أم يستمر في تقديم صورة لأدائه لا تتفق مع الواقع؟
يتطلب الصدق العملي ألا يتخذ الآخرون قرارات بناءً على ادعاءات ليس لها أساس واقعي. يعد قبول القيود وشرح العقبات بوضوح والاستجابة للوعود جزءًا من المسؤولية الأخلاقية للأشخاص في مكان العمل.
4. الجوانب الثلاثة لأخلاقيات العمل؛ الجهد والجدارة بالثقة والصدق جنبا إلى جنب
إن الجهد المسؤول، والجدارة بالثقة، وانسجام القول مع العمل ليست ثلاثة مبادئ مستقلة وغير مرتبطة؛ يشكل كل منها جزءًا من الأخلاقيات المهنية ويقدمان معًا صورة أكثر اكتمالاً للمسؤولية.
الجهد يبرز القدرة والإرادة للقيام بالعمل. فالأمانة توجه هذه القوة في اتجاه احترام حقوق الآخرين، والصدق العملي يمنع ادعاءاته وتقاريره من أن تحل محل الأداء الفعلي.
إن عدم وجود أي من هذه المبادئ يمكن أن يجعل المبدأين الآخرين أقل فعالية. العمل الجاد دون الجدارة بالثقة قد يخدم المصلحة الذاتية؛ على سبيل المثال، قد يستخدم الشخص كثير النشاط صلاحياته للقضاء على المنافسين أو تأمين مصالح أقاربه. ومن ناحية أخرى، فإن السمعة الأخلاقية الجيدة لا تكفي دون المعرفة الكافية والقدرة والجهد للقيام بالمسؤوليات بشكل صحيح. كما أن الافتقار إلى الصدق العملي يمكن أن يحول تقارير الأداء وادعاءات الجدارة بالثقة إلى غطاء لإخفاء نقاط الضعف.
لفهم العلاقة بين هذه المبادئ الثلاثة بشكل أفضل، يمكنك النظر في قضية إدارية. يجب على الموظف المسؤول مراجعة الحالة في الوقت المناسب وبعناية؛ حماية معلومات العميل وحقوقه؛ ولا تقطع وعداً بشأن موعد التحقيق أو نتيجته لست متأكداً من تحقيقه.
وفي مثل هذه الحالة تظهر أخلاقيات المهنة نفسها على ثلاثة مستويات: جودة الواجب، واحترام الثقة وحقوق الناس، والصدق في الإعلام والرد. هذه هي النقطة التي تنطلق فيها القيم الأخلاقية من الشعارات العامة وتجد معنى في السلوك اليومي.
وعلى هذا فإن الإدارة الأخلاقية ليست مجرد مؤسسة يمكن رؤية العلامات أو الشعارات الدينية فيها؛ بل هي بيئة يمكن للناس فيها أن يثقوا في دقة إنجاز الأمور، وسلامة القرارات، وصحة وعود مسؤوليها.
5. من المذبح إلى طاولة العمل. حيث يصبح التدين عملاً
إن المعايير الثلاثة للجهد والجدارة بالثقة والصدق العملي تذكرنا بأن الدين لا يمكن فصله عن الحياة المهنية. إن الحديث عن الحق والعدل في العبادة يتوافق مع السلوك اليومي عندما يتم اتباع نفس القيم في اتخاذ القرارات والتعامل مع الناس. إن قبول المسؤولية لن يكون له معنى كامل دون قبول الجهد والالتزام والمساءلة.
تبدأ أخلاقيات العمل بأسئلة بسيطة ولكنها حاسمة: هل قمت بالوظيفة التي قبلتها بشكل صحيح؟ هل استخدمت صلاحياتي لتحقيق مكاسب شخصية؟ هل يمكن للآخرين أن يثقوا بوعودي وبياناتي؟
في بعض الأحيان، يتم الكشف عن اختبار الالتزام الأخلاقي ليس أثناء السجود، ولكن أثناء انتظار العميل للإجابة؛ ليس في حرارة الخطاب، ولكن في الوفاء بالوعد الذي قطعه بعد ذلك؛ وليس في عنوان المسؤولية وموقعها، بل في الحق الذي يحفظ أو يضيع عند أدائه.
ومن هذا المنظور فإن العمل ليس هو النشاط الوحيد الذي نتقاضى عنه رواتب؛ إنها فرصة لإظهار التزامنا بمسؤوليات وحقوق الآخرين. إن الجهد الصحيح واحترام الثقة والصدق في الممارسة هي ثلاثة معايير يمكن أن توضح العلاقة بين المعتقدات الدينية والسلوك المهني وتصبح أساسًا لتعزيز الثقة في بيئات العمل والتنظيم.