قناع الحياء على وجه القلق: لماذا ليس الخجل فضيلة؟

الخوف من حكم الآخرين والخجل المزمن كثيراً ما يختبئان تحت عنوان مقدّس كالحياء؛ إنه خطأ معرفي يضع نوعاً من الخلل النفسي مكان فضيلة سامية، ويؤخر العلاج.

التبشيرية - خدمة نمط الحياة: يواجه الكثير من الناس مواقف اجتماعية، فعند التحدث أمام الجمهور أو في لحظة الدفاع عن حقهم، يشعرون بانسداد اللفظ وخفقان القلب والخجل غير السار. وفي العديد من السياقات التقليدية والدينية، لا يتم الإشادة بهذا العجز عن التفاعل وتجنب الظهور باعتباره عائقاً للنمو، بل باسم التواضع واللياقة. فالشخص الذي لا يملك القدرة على الرد على تحية بسيطة أو طرح سؤال علمي يمدحه من حوله باعتباره رائعًا، في حين أن ما يدور بداخله ليس تثبيطًا للقيمة، بل هو نوع من الشلل السلوكي الناجم عن الخوف.

وفي تفسير هذه الظاهرة يميز علم النفس المعاصر بين الخجل والقلق الاجتماعي والمفهوم العام للخجل. القلق الاجتماعي، المعروف في النصوص التشخيصية للطب النفسي باسم اضطراب القلق الاجتماعي أو الرهاب الاجتماعي، هو رد فعل يشعر فيه الشخص بخوف دائم ومبالغ فيه وغير عقلاني من أن يكون تحت المجهر، أو أن يحكم عليه الآخرون سلبًا، أو أن يتعرض للسخرية. النموذج المعرفي لديفيد كلارك وأدريان ويلز، وهو أحد الأطر التفسيرية الأكثر شهرة لهذا الاضطراب، يجد جذوره في الاهتمام المفرط بالنفس والمعتقدات المشروطة الأساسية حول عدم الكفاءة الشخصية. يتخيل الشخص القلق دائمًا أن الآخرين سيكتشفون عيوبه سريعًا ويرفضونه. مثل هذه التجربة لا تجلب عبئًا ثقيلًا من الإرهاق العقلي فحسب، بل تسد أيضًا آفاق التعلم والتنمية الشخصية وحتى القيام بالمهام الاجتماعية والعائلية. وقد أظهرت الأبحاث السريرية أيضًا أن العلاج السلوكي المعرفي والتدريب على الشجاعة هما من أكثر الطرق فعالية للتعامل مع هذا الاضطراب؛ الحلول التي لم تكن لتبدأ لو فكر المرء في هذا الوضع على أنه كمال أخلاقي.

على العكس من ذلك، فإن التواضع بالمعنى الأخلاقي الدقيق لا يولد أبداً من موقف الضعف والعجز واحتقار الذات. الحياء هو انكماش واعي من موقف كرامة الإنسان ضد القبح والوقاحة والإثم. البهائي ليس شخصًا لا يعرف كيف يتكلم أو لا يدافع عن حقوقه بسبب الخوف؛ وهو الذي يعرف الحدود الأخلاقية العالية ويكبح رغباته الحسية. ومن المثير للاهتمام أن الفكر الفلسفي الغربي قد اقترب أيضًا من هذه النقطة. في الأخلاق النيقوماخية، يعتبر أرسطو الخجل أكثر من مجرد فضيلة، وهو رد فعل عاطفي مناسب لصغر السن، وهو أمر لا قيمة له إلا عندما يكون تحت إشراف العقل. كما يحدد كانط الكرامة الإنسانية في الأسس الميتافيزيقية للأخلاق بحيث لا ينبغي للإنسان أن يقلل من قيمته حتى أمام نفسه؛ ومن احتقر نفسه من موضع الخوف فقد أهان كرامته.

إذا نظرنا عن كثب إلى الأدبيات النفسية السريرية، سنجد أن الخجل المختل متجذر في أحكام الطفولة الداخلية. إن سيطرة الأهل على الطفل بالإذلال والتوبيخ المستمرين زرعت في نفسيته بذرة الخوف التي تظهر فيما بعد في المجتمع كقناع للقهر والتواضع. وهذا الحياء يمنع السؤال، ويمنع اكتشاف الحقيقة، ويمنع المطالبة. والشاب الذي لا يرفع يده في الفصل خوفاً من الضحك على الآخرين، لم يقم بعمل أخلاقي، ولم يكتسب فضيلة؛ إنه ضحية للقلق الذي يحتاج إلى الشفاء وإعادة التأهيل. بينما الحياء كالحاجز القوي لا يقف شامخا إلا في وجه الانزلاق الأخلاقي والدوس على خصوصيات الآخرين، وليس في وجه المعرفة والتفاعلات الاجتماعية السليمة.

والفصل بين هذين المجالين هو بالضبط ما صيغ بأكثر اللغات شفافية في تراث الفكر الديني. وقد حذر الزعماء الدينيون المجتمع صراحة من أن كل خجل لا ينبغي أن يعزى إلى التواضع. وفي أحاديث الأبرياء، تم التمييز بين نوعين من الحياء: أحدهما هو الحياء المتولد من العقل والفهم العميق والناشئ عن المعرفة، والآخر هو الحياء الناتج عن الغباء والجهل. أي أن الاعتراف هو معيار التمييز؛ عندما يعرف الإنسان ما هو قبيح، يكون خجله ذا قيمة، وعندما يخجل من جهله وعجزه، فإن هذا العار في حد ذاته علامة فشل. عندما يمنع الخجل الشخص من تعلم مهارة ما، أو يجبره على التزام الصمت في مواجهة الظلم، أو يسلبه الشجاعة لقول لا للسلوكيات المحفوفة بالمخاطر لأقرانه، فإنه يترك عالم الأخلاق ويدخل مباشرة في عالم ضعف الأنا. بل إن معلمي الأخلاق في تقاليدنا الدينية تحدثوا عن الحياء المذموم الذي يعيق وصول العدالة إلى صاحبها؛ الحياء الذي لا يكون ثقيلاً إذا صاحبه الظلم ونكران الحقوق.

الشخص الذي يفتقر إلى مهارة الجرأة، بسبب الإحراج، يستسلم لأي طلب، ويتعرض بسهولة للإيذاء المالي والعاطفي والعملي، ثم يقدم نفسه على أنه شخص مخجل لتبرير هذا الفشل الداخلي. إن مثل هذه التغطية خطيرة؛ لأنه طالما أن الإنسان يعتبر اضطراب التواصل أو الضعف المهاري كمالاً أخلاقياً فلن يتخذ خطوة لعلاجه وتغييره. يكمن الاختلاف الأساسي في مصدر هذا السلوك: في القلق الاجتماعي، مصدر السلوك هو الخوف من أن ينظر إليه الآخرون؛ لكن في تواضع ممدوح، مصدر السلوك هو احترام الحق وإعلاء المكانة الرفيعة للإنسان أمام الله. رجل باهيا يدخل الساحة الاجتماعية بسلطة، ويتكلم بشجاعة، ويطالب بالحقيقة، ويحمي حقوق الإنسان بكامل كرامته، لكن في الوقت نفسه، سلوكه ونظرته وكلماته تتزين بحدود العفة والكرامة. إن مجموعة مختارة من روايات وحكم أهل البيت، والتي هي أساس تحليل هذا التقرير، تقدم لنا نفس المعيار المعرفي للفصل بين الحرج العقلاني والعجز النفسي.

إن مفاهيم ومحاور هذا التقرير حول ثنائية الحياء العقلي والتواضع الأحمق، ومعيار العلم في تمييز الحرج، والتحذير من الحياء المانع عن التعلم والعدل، مأخوذة من هذه المصادر:

1. تقسيم الحياء إلى نوعين: تواضع العاقل، وحياء الأحمق:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

الحياء هو تواضع العقل وتواضع الأحمق. تواضع العاقل علم، وتواضع الأحمق جهل.

(الحياء نوعان: تواضع العقل وهو العلم، وتواضع الغباء وهو الجهل).

العنوان: الكافي، شقة الإسلام الكيليني، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الحياة، حديث 1، صفحة 106.

2. تمييز الكرامة عن الضعف في النصوص السردية:

ويوضح الملا صالح المازندراني في شرح هذا الحديث أن الحياء ينشأ أحياناً من الكرامة والوقار، وأحياناً يكون نتيجة ضعف النفس وعجزها؛ انفصال يكشف الحدود بين التواضع والقلق الاجتماعي.

العنوان: شرح أصول الكافي، ملا صالح المازندراني، ج1، صفحة 274

3. لا حرج في التعلم والاعتراف بالجهل:

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام):

إذا سئل أحد عن شيء لا يعرفه فليقل: لا أعرف، وإذا كان لا يعرف شيئا فليتعلم

(لا يخجل أحد منكم أن يقول "لا أعرف" عندما يُسأل عن شيء لا يعرفه، ولا ينبغي لأحد أن يخجل من أن يتعلم ما لا يعرفه).

العنوان: نهج البلاغة، حكمت 82 (شرح فيض الإسلام / صبحي صالح)