معرفة مرض "نهاية القصة"؛ لماذا لا نتوقف عن التنبؤ بالغد؟

لا يمكن تغيير المستقبل، ولكن يمكن التخطيط له. يريد الشخص أن يتحقق جزء كبير من خطته، ولكن في ظروف غير آمنة، فهو لا يعرف حتى إلى أي مدى يمكن تحقيق خططه لحياته وعائلته. المخاوف بشأن الأطفال، والعمل، والمرض، ومستقبل الأسرة، كلها تهاجم الشخص معًا.

لقد كان المستقبل دائمًا مسألة فضول بالنسبة للبشر، ولكن مع ازدياد عدم اليقين في الحياة، تصبح الرغبة في معرفة "ما سيحدث" أقوى؛ من مستقبل الاقتصاد والوضع الوظيفي والهجرة إلى التطورات السياسية والاجتماعية وبالطبع احتمالية حدوث أزمات مثل الحرب. في مثل هذه الحالة، تصبح التنبؤات والتحليلات والتكهنات جزءًا من بحث الناس اليومي لفهم المستقبل؛ وحتى عندما يعرفون هم أنفسهم، لا يمكن لأي تنبؤ أن يحدد المستقبل على وجه اليقين.

كما أظهرت دراسة أجريت عام 2026 حول سلوك البحث عن المعلومات عشية الأزمة الأمنية أن القلق المتزايد وعدم التسامح مع الغموض يمكن أن يدفع الناس إلى البحث عن مصادر أكثر تنوعا وحتى مصادر تنبؤية وتكهنية. بحث بحث آخر أيضًا في العلاقة بين عدم التسامح مع عدم اليقين والخوف من الحرب وسلوكيات الاستعداد لمواجهة التهديد.

ولكن هل الرغبة في التنبؤ بالمستقبل تأتي من مجرد الفضول؟ أم أن هناك محاولة للحد من القلق، أو خلق شعور بالسيطرة، أو إيجاد الأمل، أو الاستعداد لسيناريوهات مختلفة؟

في مقابلة مع سعيد المنداري، عالم الاجتماع والأستاذ الجامعي، بحثنا في أسباب تحول الناس في الظروف غير المستقرة إلى التنبؤ بالمستقبل أكثر من الماضي، وما علاقة هذا السلوك بمشاعر العجز والأمل والثقة الاجتماعية ودور وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

إن الحاجة للسيطرة على المستقبل تثير الفضول حول المستقبل.

في الأزمات، يشعر الناس أن قوة المستقبل خرجت عن أيديهم.

التوقعات المختلفة هي محاولة للتحضير لسيناريوهات مختلفة.

إن تراجع الثقة في وسائل الإعلام يجعل من الصعب التمييز بين التحليل والشائعات والنبوءات.

لماذا حتى التنبؤات المتناقضة جذابة وقابلة للمتابعة بالنسبة للناس؟

تفاصيل هذا الحوار هي كما يلي:

*السيد. دكتور، الإنسان يسعى دائماً للتنبؤ بالمستقبل؛ لكن هذه الرغبة تشتد في المواقف الحرجة. لماذا

نعم، يهتم الإنسان دائمًا بالتنبؤ بالمستقبل؛ إنهم يريدون أن يعرفوا كيف سيكون المستقبل لأنفسهم وأسرهم وأطفالهم. لهذا السبب، عادة ما يكون لديهم مشاركة اجتماعية ويحاولون تحديد المستقبل إلى حد ما من خلال تدخلهم. فالشخص الذي يشارك في الانتخابات أو ينضم إلى حزب أو يحضر تجمعات دينية هو في الواقع يحاول بناء مستقبل لنفسه ولأسرته إلى حد ما.

لكن في المواقف الحرجة، يصبح الإنسان منزوع السلاح إلى حد ما، ولا يعود قادراً على التخطيط للمستقبل أو المشاركة في تشكيله كما كان من قبل. وفي حالات مثل الحرب وانعدام الأمن، يشعر الإنسان بأن يده قصيرة ولا يستطيع إعالة أسرته كما كان في الماضي؛ ولذلك، يصبح أكثر ميلاً إلى التنبؤ بالمستقبل.

وبطبيعة الحال، في العلوم الاجتماعية، ليس لدينا يقين ولا نستطيع سوى تقديم احتمال نسبي. حتى في المجتمع الطبيعي، لا يمكن التنبؤ بجميع الأحداث المستقبلية؛ قد يحدث مرض أو حادث أو نوبة قلبية أو نزاع عائلي. لكن في المجتمع الطبيعي، من الممكن التخطيط للمستقبل وهذه القضية تخلق المزيد من السلام.

*على الرغم من أن الناس يعرفون أن التنبؤ ليس دقيقًا بالضرورة، فلماذا يتبعونه؟

جزء منه يعود إلى الفضول. في أي حالة، يريد الناس معرفة ما سيحدث. لكن القضية ليست مجرد فضول؛ وحتى لو كان المستقبل غير سار، فإن الإنسان يريد أن يعرف عنه حتى يتمكن من تقليل الخسائر المحتملة لنفسه وعائلته ومن حوله. لذلك، فإن التنبؤ بالمستقبل، حتى لو كان كارثيًا، يمكن أن يخلق نوعًا من الدرع بحيث يكون المرء مستعدًا بشكل أفضل للضرر المحتمل.

ومن ناحية أخرى، هناك نقطة مهمة في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية؛ عندما يتشارك الناس في مأساة مشتركة، قد يشعرون براحة أكبر. على سبيل المثال، في بعض المجتمعات، أثناء الجفاف، يجتمع الناس معًا ويصلون. ومن الوظائف الخفية لهذا السلوك أن يشعر الإنسان بأنه ليس وحيداً في هذه الكارثة وأن الآخرين يمرون بها أيضاً. إذا تخيلت أن الكارثة لن تحدث إلا لك أو لعائلتك، فسوف تكون أكثر يأسًا وقلقًا؛ ولكن عندما ترى أن الآخرين متورطون في ذلك، فإن جزءًا من هذا الاهتمام مشترك.

* ألا تجعل تجربة الأزمة المتكررة الناس يسعون للتنبؤ بالأزمة القادمة أكثر من ذي قبل؟

إننا نواجه جميع أنواع الأزمات منذ سنوات؛ من الحرب العراقية الإيرانية والعقوبات إلى الصراعات الداخلية والاغتيالات والتوترات المختلفة. ولهذا السبب يتعرض المجتمع باستمرار للأزمات والإصابات النفسية. وفي الحرب، يصبح هذا الوضع أكثر انتشارا، لأن جزءا كبيرا من المجتمع متورط فيه.

في العديد من الدراسات حول الحروب، تبين أنه في بداية الحرب يتوقع الناس عادةً أن تنتهي الأزمة قريبًا جدًا، وأقل من أن يتخيلوا أنها قد تستمر لعدة سنوات. لكن في بعض الأحيان تطول الحرب وتستمر لجيل كامل. ولهذا السبب، في ظروف الحرب، تزداد الرغبة في معرفة المستقبل؛ لأنه على عكس الزلزال أو الفيضان، على سبيل المثال، الذي قد يؤثر على منطقة ما، يمكن للحرب أن تؤثر على العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية للمجتمع.

هل يمكننا القول أن التنبؤ بالمستقبل قد حل محل الشعور بالسيطرة في مثل هذه المواقف؟

في حالة الحرب، تتم إزالة السلطة إلى حد كبير من أيدي الفرد ويتم اتخاذ القرارات الكبرى على مستوى آخر. لا يستطيع الإنسان أن يخلق لنفسه هامشاً آمناً؛ لأن الاقتصاد والتوظيف والمرض والتضخم والنقص يمكن أن يؤثر على حياته.

لا يمكن تغيير المستقبل، ولكن يمكن التخطيط له. يريد الشخص أن يتحقق جزء كبير من خطته، ولكن في ظروف غير آمنة، فهو لا يعرف حتى إلى أي مدى يمكن تحقيق خططه لحياته وعائلته. المخاوف بشأن الأطفال، والعمل، والمرض، ومستقبل الأسرة، كلها تهاجم الشخص معًا. وفي مثل هذا الوضع، تسلب الأزمة عمليا إمكانية التخطيط ومحاولة تحقيقه من الفرد والفئات الاجتماعية، بما في ذلك الأسرة.

فلماذا يتبع الناس أحيانًا توقعات متناقضة في نفس الوقت؟

لأنهم يريدون التخطيط لاحتمالات مختلفة. وإذا ظنوا أن الحرب سوف تطول، فقد يعملون على توفير المؤن أو توفير المال؛ إذا كانوا يعتقدون أن الوضع سيكون طبيعيا قريبا، فيجب أن تكون لديهم خطة أخرى. عندما تكون هناك عدة سيناريوهات، يحاول الإنسان أن تكون لديه خطة لكل منها حتى يتمكن من حماية نفسه وأسرته ومن حوله من الأزمة.

* لماذا في بعض الأحيان لا يفرق الناس بين تحليل الخبراء والتنبؤ المحتمل والإشاعة وحتى النبوءة؟

وفي بعض الأحيان، يعود جزء من هذه المشكلة إلى وسائل الإعلام نفسها. عندما تنشر وسائل الإعلام أخبارًا كاذبة أو غير صحيحة أو لا تغطي الحدث بشكل كامل، فإن ثقة الناس بها تنخفض. ونتيجة لذلك، في مجتمع منخفض الوعي الإعلامي، يصبح الناس أكثر عرضة للخطر ولا يستطيعون التمييز بين تحليلات الخبراء والشائعات والتنبؤات المحتملة وحتى النبوءات.

في مجال الاتصالات، لدينا مصطلح يسمى "تأثير يرتد"؛ وسائل الإعلام التي تنشر أخبارًا غير صحيحة باستمرار أو في معظم الأوقات، تنقلب في النهاية إلى عدم الثقة تجاه نفسها وتفقد سلطتها تدريجيًا.

ما هو الدور الذي تلعبه الشبكات الاجتماعية في تكوين وتوسيع التنبؤات المختلفة حول المستقبل؟

ليست كل شبكات التواصل الاجتماعي لها نفس التأثير، ويعتمد تأثيرها على مصداقيتها ورأسمالها الاجتماعي، أي درجة الثقة المتبادلة. على سبيل المثال، إذا كنت تثق في سفير أو خبير، فمن الطبيعي أن يؤثروا عليك أكثر من الأشخاص الذين لا تثق بهم.

يمكن للشبكات الاجتماعية المؤثرة أن تهيئ ذهن الجمهور لقبول التوقعات المختلفة. وبطبيعة الحال، يمكن أن يكون لهذه التوقعات وضعين؛ فهي إما أن تكون مبنية بالفعل على دراسات مستقبلية ودراسات متأنية، أو قد يتم التعبير عنها بما يتماشى مع الأهداف السياسية. وهنا يصبح الوعي الإعلامي ومحو الأمية مهمًا ويجب أن نعرف إلى أي مدى يمكننا الاعتماد على وسائل الإعلام أو التنبؤ بها.

وأخيرًا، هل الرغبة في التنبؤ بالمستقبل تأتي أكثر من الفضول أم الحاجة إلى السيطرة؟

كلاهما؛ إن الحاجة للسيطرة على المستقبل تثير الفضول. شاب يريد أن يعرف هل سيذهب إلى الجامعة أم لا، ويهاجر أم لا، وما هي المهنة التي سيختارها وما هو مستقبل حياته. في حالات الأزمات الاجتماعية العميقة أو الحروب أو التغيرات الكبرى، قد تتأثر العديد من البرامج التي عمل فيها الأشخاص لسنوات.

وأخيراً يمكن القول أن عدم اليقين بشأن المستقبل، إلى جانب الشعور بالعجز واليأس، يجعل الإنسان أكثر فضولاً ويريد على الأقل التنبؤ بالحد الأدنى الضروري للحياة المستقبلية لنفسه وعائلته ومن حوله. حتى في المواقف الأكثر خطورة، يرغب الناس في معرفة ما إذا كان المستقبل سيكون أسوأ أم أفضل، حتى يتمكنوا من الاستعداد لكل موقف من هذه المواقف. ولهذا، مع تزايد الشعور بالعجز أمام المستقبل، يبرز السؤال "ماذا سيحدث في النهاية؟" ويتكرر في كثير من الأحيان.