حين تعبر الكلمات حدود القراءة؛ رواية علي ولدبيگي عن عالم إحسان يگانه الفني
في زمنٍ تنتج فيه الآلات الصور وتعيد إنتاجها في ثوانٍ، اختار إحسان يگانه طريقاً مختلفاً بأسلوبه الابتكاري «قطاشي»؛ فنان يحوّل، عبر القص والتلوين وتجميع آلاف الكلمات جنباً إلى جنب، الحدَّ الفاصل بين الكتابة والصورة إلى تجربة جديدة. وقد تناول علي ولدبيگي، المخرج الوثائقي الدولي والخطاط، في مقال له، عالم هذا الفنان الإيراني الفني بالتحليل.
في بعض الأحيان يبدأ الفن عندما يقرر الفنان أن ينظر مرة أخرى إلى ما اعتبرناه أمرا مفروغا منه لعدة قرون؛ بالكتابة، بالكلمة، باليد، وبعلاقة الإنسان الطويلة الأمد بالإشارات التي صنعت ذاكرة الحضارة. من هذه النقطة يبدأ إحسان ياجانه؛ من حيث لم تعد الكلمة تُقرأ فقط، بل تُرى وتُلمس، وتصبح تجربة مستقلة للجمال في سياق جديد.
ويعد الخط من أروع إنجازات البشرية في طريق الحضارة؛ إرث أخرج الفكر من سياج العقل الفردي وعهد به إلى الذاكرة الجماعية للإنسان. لكن الكتابة اليدوية، عبر التاريخ، كانت دائمًا أكثر من مجرد تسجيل الكلمات. في لحظات رائعة من تاريخ الفن، ابتعد الخط عن وظيفته التقليدية ودخل إلى عالم يصبح فيه الشكل والحركة والإيقاع والتركيب وحتى الصمت بين العلامات حاملاً لتجربة فنية.
في تاريخ الفن الإيراني، تتمتع محاولة تحرير الخط من قيود الكتابة المجردة بخلفية رائعة. من التجارب الرائدة في الخط إلى تطور الفن الحديث وتشكيل تيارات مثل السققانة والخط، حاول العديد من الفنانين إعادة تعريف العلاقة بين التقليد والابتكار. لقد ذكّرونا بأن التراث الفني يبقى عندما تكون هناك إمكانية للتساؤل والتحويل وإعادة الإبداع.
ومع ذلك، لا ينبغي البحث عن أهمية إحسان ياجانه من خلال هذا المسار التاريخي فقط. وما يبرز عند التعامل مع أعماله هو محاولة فتح أفق مختلف في التعامل مع الكتابة؛ الأفق الذي تنفصل فيه الكلمة عن موضعها المألوف لتجربة إمكانية أخرى للحضور والمعنى في بنية جديدة.
يجانه، من خلال اختراع أسلوب "قطاشي" الفني، حول العلاقة بين الخط والمادة والصورة إلى تجربة خاصة. في عالمه، الكلمة ليست مجرد إشارة لغوية؛ إنها مادة يمكن قصها ورسمها وتجميعها مع قطع أخرى وإنشاء عالم جديد من مجموعتها. وهذا التحول ليس مجرد تغيير في مظهر الكتابة؛ إنه تغيير في طريقة مواجهته.
في أعمال إحسان يجانه، الكلمة تعبر الصفحة؛ ومن عالم القراءة إلى عالم الرؤية، يجد هوية جديدة في هذه الرحلة.
وما يميز هذه التجربة عن العديد من أساليب إنتاج الصور التقليدية هو الدور الحاسم لليد البشرية في عملية الإبداع. وفي الوقت الذي مكنت فيه التقنيات الرقمية والأدوات الذكية من إنتاج الصورة وإعادة إنتاجها بسرعة غير مسبوقة، يختار النعل مساراً آخر؛ مسار لا يشكل فيه الزمن عائقاً أمام الإنتاج، بل جزءاً من هوية العمل.
في أعماله الكبيرة، التي تبلغ أبعادها أحيانًا حوالي ستة أمتار في مترين، يتم قطع آلاف الكلمات بالمقص. تمر كل قطعة بخطواتها الخاصة؛ من القطع والتلوين إلى وضعها في الموضع المقصود في التكوين النهائي للعمل. ما يظهر في النهاية هو نتيجة الجلوس معًا، ولكل منهما جزء من وقت الفنان وتركيزه ومهارته وخبرته الحياتية.
وهنا، اليد ليست مجرد وسيلة لتنفيذ خطة محددة سلفا؛ تشارك اليد في تكوين منطق العمل. كل قطع وكل خيار وكل حركة هي جزء من طريق الخلق. في مثل هذه العملية، لا يعني التكرار إعادة إنتاج الفعل بلا روح؛ يصبح تمرينًا لاكتشاف علاقات جديدة بين المكونات.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الفن الفريد على أنه حوار بين مفهومين أساسيين: الذاكرة والآن. الكلمات تحمل معها آثار اللغة والتاريخ؛ ولكن عندما يتم وضعها في هيكل جديد، فإنها تتجاوز نطاق معناها التقليدي وتخلق تجربة أخرى في لوحة العناصر المرئية. الماضي حاضر في أعماله، لكنه ليس حضوراً متجمداً ومتحفياً؛ ويصبح الماضي المادة الحية لبناء الحاضر.
تقودنا هذه الخاصية إلى سؤال جوهري حول طبيعة الفن: هل قيمة العمل الفني تكمن فقط في الصورة الموضوعة أمام أعيننا، أم أنها مخفية أيضًا في المسار الذي سلكته تلك الصورة لتخلق؟
في عالم إحسان يجانه الفني، يجب البحث عن الإجابة في العلاقة بين النتيجة والعملية. العمل النهائي، على الرغم من أنه قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه مزيج من الكلمات والألوان والقطع، إلا أنه في الواقع يحمل فترة طويلة؛ الوقت الذي يقضيه في صمت الورشة، في حركة اليد المتكررة، في دقة القطع وفي قرارات الفنان المتعاقبة. لا يمكن فصل هذه المرة عن العمل ببساطة، لأنها جزء من التجربة التي شكلته.
هنا، يذكرنا الفن أنه لا يمكن قياس كل شيء بالسرعة. في بعض الأحيان تكمن قيمة التجربة على وجه التحديد في الوقت الذي استغرقته لتكوينها؛ بصبر يسمح للأجزاء بالعثور على مكانها تدريجيًا وإنشاء كلٍ ذي معنى.
وبالطبع لا ينبغي اختزال أهمية هذه الطريقة في صعوبة التنفيذ أو عدد الأجزاء المستخدمة في الأعمال. المعاناة والوقت وحده لا يضمنان القيمة الفنية. وما يعطي معنى لهذا الجهد هو قدرة الفنان على تحويل عملية صعبة إلى لغة متماسكة ذات هوية بصرية؛ لغة يمكن للجمهور أن يتوقف أمامها، ليكتشف تفاصيلها، ويشكل من خلالها أسئلة جديدة حول الخط والصورة في ذهنه.
ولذلك ينبغي دراسة "قطاشي" في العلاقة بين طريقة التنفيذ والعالم الفكري لمبدعه. وتتجلى أهمية مثل هذه التجربة عندما نكتشف كيف يستخدم الفنان قدرات الكتابة والقص واللون والتركيب ليصنع عملاً لا يكون مكتوبًا فقط وليس مجرد صورة زخرفية؛ بل إنه يبحث عن إمكانية وجود لغة جديدة على الحدود بين هذه العوالم.
بالنسبة لي، كصانع وثائقي وخطاط، فإن أحد الجوانب القيمة لمثل هذه التجربة هو مسألة تسجيل الحضور الإنساني في العمل الفني. التوثيق بمعناه العميق هو محاولة للحفاظ على اللحظات والتجارب والإشارات التي قد تضيع مع مرور الوقت. كما أن الخط، بعيدًا عن القواعد والمظاهر، له ارتباط طويل الأمد بحركة اليد وتركيز العقل ونقل الخبرة من جيل إلى آخر.
في أعمال ياجانه، يقترب هذان الاهتمامان من بعضهما البعض بطريقة مثيرة للتفكير. ومن خلال إعادة استخدام الكلمات، يعود إلى المادة التي أستهلكها التكرار اليومي ويضعها في موضع جديد. كلمة رأيناها مرات عديدة، تدفعنا هذه المرة إلى التوقف؛ ليس فقط لقراءته، بل لرؤية شكله ولونه وموقعه وعلاقته مع محيطه، وهذه هي اللحظة التي يشكك فيها الفن في عادتنا في النظر.
الفن الأصلي لا يعني بالضرورة الانفصال عن الماضي؛ في بعض الأحيان، يحدث الابتكار الأكثر عمقًا عندما يقترب الفنان من تراث مألوف، لكنه يراه من زاوية جديدة. يدرك إحسان يجانه مثل هذا الاحتمال عندما يواجه القات. وبدلاً من مجرد تكرار الأشكال المألوفة، فهو يُدخل الكلمة في عملية يتم فيها الكشف عن قدراتها الأقل وضوحًا.
وبطبيعة الحال، فإن المكانة التاريخية لكل نمط فني وتأثيره يعتمد في نهاية المطاف على الحوار بين النقاد والباحثين والفنانين والجمهور، فضلا عن استمراريته وتطوره مع مرور الوقت. ومع ذلك، فإن التجارب التي تطرح سؤالاً جديداً على الفن تستحق التفكير والتحقيق الجاد؛ خاصة عندما يعيدون النظر في علاقتنا بالتراث الثقافي وإمكانيات الفن المعاصر.
إحسان يجانه، بطريقة "القطع"، يوجه انتباهنا من المنتج النهائي إلى لحظات تشكيله؛ بالأيدي التي تقطع وترسم وتختار وتصنع. في هذا العالم، الكلمات لا تحمل معنى لغوي فقط؛ تصبح علامات الزمن والذاكرة والحضور الإنساني.
ولعل عالمه الفني يمكن تلخيصه في صورة بسيطة: الكلمات التي انفصلت عن الصفحة، والمقص الذي تحرك عدة مرات، والأيدي التي عملت في صمت، والوقت الذي كان ينبغي أن يمر لتتحول مجموعة الأجزاء الصغيرة إلى كل فني.
لكن ما تبقى من هذه الصورة ليس مجرد قطع ورق. وما تبقى هو تذكير بحقيقة أن الفن، حتى في عصر إعادة إنتاج الصور التي لا نهاية لها، لا يزال من الممكن أن يكون ساحة الحضور الإنساني والصبر والإبداع.
يذكرنا إحسان يجانه أنه في بعض الأحيان لكي نرى كلمة ما مرة أخرى، لا بد من فصلها عن مكانها المعتاد؛ وفي بعض الأحيان، لكي نسمع صوت التاريخ الجديد، علينا أن نسمح لليد البشرية أن تكتبه من جديد في صمت وصبر.
وهذا في رأيي من أثمن الإمكانيات التي يمكن أخذها بعين الاعتبار في عالمه الفني وفي تجربة "قطاشي" الإبداعية.