دخول الموساد إلى مفاوضات دمشق - تل أبيب/ من وراء الكواليس إلى طاولة التفاوض؛ نتنياهو يبحث عن «أوكسجين سياسي» من قلب الأزمة
تبلغ مفاوضات دمشق - تل أبيب مرحلة أمنية جديدة مع الدخول المباشر للموساد، إلا أن طريق مسدود بشأن الانسحاب من المناطق المحتلة والحسابات الانتخابية لنتنياهو حوّلها إلى أداة لبقائه السياسي.
خدمة جهان المشرق - دخلت مفاوضات النظام السوري الصهيوني مرحلة جديدة بوساطة الإمارات؛ المرحلة التي دخل فيها تنظيم "الموساد" الإرهابي مباشرة إلى طاولة المفاوضات، وتم الارتقاء بمستوى الاتصالات من المشاورات الدبلوماسية إلى الحوار الأمني العسكري. لكن السؤال الرئيسي هو: هل تشكل هذه المفاوضات طريقاً نحو اتفاق أمني مستدام، أم أنها أداة أخرى في يد بنيامين نتنياهو للبقاء السياسي؟
دخول الموساد؛ تغيير مستوى المفاوضات
وأفادت تقارير منشورة أنه في 13 نيسان/ أبريل 2025 التقى أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، رئيس حكومة هيئة تحرير الشام في سوريا، بمسؤولين أمنيين كبار في الكيان الصهيوني في أبو ظبي. وحضر هذا اللقاء مسؤولون رفيعو المستوى من منظمة الموساد الإرهابية ومجلس الأمن القومي واستخبارات الكيان الصهيوني، وتم بوساطة إماراتية. وقد خلق هذا اللقاء مرحلة جديدة في العلاقات بين دمشق وتل أبيب وفتح الأبواب لمزيد من الاتصالات المباشرة بين الجانبين.
وأكد خالد خليل، الخبير في شؤون العلاقات السورية النظام الصهيوني، في حديث مع السفير أرجان ستيب، أن الدخول المباشر لمنظمة الموساد الإرهابية إلى المفاوضات مع دمشق يمثل "تغييراً نوعياً" في عملية التواصل بين الجانبين، ويعكس انتقال المحادثات إلى مستوى يرتبط أكثر بالقضايا الأمنية والعسكرية. ووصف هذا التطور بأنه أعلى نقطة اتصال معلنة بين دمشق وتل أبيب منذ سقوط حكومة بشار الأسد.
وما أثير في هذه المحادثات يتجاوز القضايا الدبلوماسية المعتادة: تبادل المعلومات حول الشبكات الجهادية الناشطة في جنوب سوريا، والتنسيق الأمني لاحتواء المجموعات المدعومة من محور المقاومة في منطقة درعا، وإعادة توطين قوات الجيش الصهيوني في هضبة الجولان. وتظهر هذه المواضيع أن طبيعة المحادثات تغيرت من المستوى السياسي إلى المستوى الأمني العملياتي.
تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه بالإضافة إلى لقاء الشريعة مع المسؤولين الأمنيين للكيان الصهيوني في الإمارات، التقى الرئيس الجديد لمنظمة الموساد الإرهابية وتحدث أيضًا مع أسد الشيباني، وزير خارجية حكومة تحرير الشام في الأردن الشهر الماضي.
نتنياهو؛ الحرب باعتبارها "الأكسجين السياسي"
ويرى خالد خليل أن سياسة الكيان الصهيوني تجاه سوريا لا يمكن فصلها عن الأزمة السياسية الداخلية التي يتعامل معها نتنياهو. ويستخدم رئيس وزراء النظام الصهيوني، الذي يواجه ضغوطا سياسية وانتخابية متزايدة، الحرب وتصعيد التوتر كأداة للحفاظ على موقفه السياسي وكسب تأييد الناخبين الإسرائيليين. وبحسب هذا الخبير، أصبحت الحرب بالنسبة لنتنياهو "أوكسجينا سياسيا" يطيل عمره في المشهد السياسي الإسرائيلي.
وتؤكد وسائل الإعلام الناطقة باللغة العبرية هذه الحقيقة أيضًا. ووصفت إحدى وسائل الإعلام الصهيونية، في تقرير تحليلي لها، تصريحات نتنياهو وآرائه بـ"الوهمية"، وكتبت أنه "مدمن" استمرار الحرب. ويشير تقرير آخر إلى أن نتنياهو ظن أنه يستطيع إنقاذ مستقبله السياسي بالحرب، لكنه الآن بعد أن فشلت حساباته، يشعر بقلق عميق بشأن نتائج الانتخابات المقبلة.
ويواجه النظام الصهيوني انتخابات حاسمة في تشرين الأول/أكتوبر 2026. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نتنياهو يواجه اختبارا صعبا في هذه الانتخابات. بعد الهزيمة الثقيلة في 7 أكتوبر 2023، أصبح النظام الصهيوني في وضع استقال فيه العديد من كبار مسؤوليه الأمنيين، وأصبح نتنياهو الشخصية البارزة الوحيدة المتبقية من تلك الفترة، التي حولت هذه الانتخابات إلى استفتاء على قيادته. وفي مثل هذه الحالة، يعتبر استمرار التوتر والصراع في سوريا وغيرها من الجبهات أداة لخلق صورة لنتنياهو باعتباره "زعيماً وطنياً قادراً على الدفاع عن إسرائيل".
الجمود في المفاوضات. إسرائيل على مفترق طرق
لكن ما يظهر من التطورات الأخيرة يظهر صورة مختلفة عما يروج له نتنياهو. تشير تقارير إعلامية إلى أن المفاوضات بين تل أبيب ودمشق وصلت إلى طريق مسدود تماما. ويعتبر المسؤولون الإسرائيليون الانسحاب من المناطق المحتلة في سوريا - وخاصة المنطقة العازلة وجبل الشيخ الاستراتيجي - "غير عقلاني". وذكرت القناة 12 التابعة للكيان الصهيوني أن معارضة نتنياهو الشديدة للانسحاب الفوري لقوات هذا النظام من الجولان المحتل، أدت إلى توقف كامل للمفاوضات بين تل أبيب ودمشق.
في هذه الأثناء، وبحسب التقارير، قبل الانسحاب الإسرائيلي، كان الجانبان قريبين من الاتفاق بنسبة 90٪ حول الإطار الأمني، لكن النظام الصهيوني أوقف العملية بإضافة شروط جديدة.
ويؤكد خالد خليل في تحليله أن سلوك تل أبيب في الفترة الأخيرة لا يظهر جدية واضحة في فتح أو الحفاظ على قناة اتصال مستقرة. ووفقا له، تعاني إسرائيل من الارتباك وفقدان التوازن الاستراتيجي، وحكومة نتنياهو، التي يهيمن عليها اليمين المتطرف، تركز بشكل أساسي على إدارة التوتر، بدلا من معالجة جذوره والتوصل إلى اتفاق طويل الأمد.
فجوة داخلية صوت المعارضة والتنافس الإقليمي مع تركيا
أصبحت علامات الفجوة بين المستويين السياسي والأمني في النظام الصهيوني أكثر وضوحا. ودعا معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أحد أبرز مراكز الفكر الاستراتيجي لهذا النظام، إلى جانب شخصيات سياسية وأمنية، إلى تجنب الوصول إلى نقطة اللاعودة وتحويل العمل العسكري إلى مسار سياسي. وتعتقد هذه الأصوات أن الأمن لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها، وأن مصالح هذا النظام تتطلب تحقيق ترتيبات أمنية طويلة الأمد تدعمها الولايات المتحدة.
وتتعمق هذه الفجوة فيما يواجه نتنياهو أزمات متزامنة على الصعيد الأمني والدبلوماسي والإعلامي. وتشير التقارير إلى أن المفاوضات مع دمشق لم تتوقف تماماً فحسب، بل ألقت الخلافات الداخلية والفضائح السياسية بظلالها الثقيلة على السياسة الخارجية والأجهزة الأمنية لهذا النظام.
البعد الآخر لهذه المفاوضات هو التنافس بين تركيا وإسرائيل على شكل المعادلة في سوريا والمنطقة. وشدد وزيرا خارجية سوريا وتركيا، في اجتماع مشترك في دمشق، على ضرورة تخلي إسرائيل عن سياساتها التوسعية من أجل تحقيق الاستقرار في سوريا والمنطقة. وتشعر تركيا، التي اكتسبت نفوذاً متزايداً في سوريا، بالقلق من عواقب المفاوضات السورية الإسرائيلية على توازن القوى الإقليمي، وتتشاور مع واشنطن في هذا الصدد.
وصلت المفاوضات السورية الإسرائيلية إلى مستوى جديد مع دخول منظمة الموساد الإرهابية، لكن هذا التطور لا يعني بالضرورة التحرك نحو اتفاق دائم. هناك ثلاث عقبات رئيسية في طريق هذه المفاوضات: أولاً، معارضة نتنياهو لأي انسحاب من الأراضي المحتلة، وهو ما يرتبط بحساباته الانتخابية. ثانياً، انعدام الثقة بين الطرفين، وهو ما يعتبره خالد خليل عاملاً حاسماً. وثالثاً، عدم وجود إرادة حقيقية في تل أبيب للتوصل إلى تفاهم يتطلب تنازلات.
وأخيراً، فإن ما يجري خلف كواليس المفاوضات السورية الإسرائيلية، وليس مؤشراً على التحرك نحو السلام، يعكس حسابات نتنياهو السياسية المعقدة من أجل البقاء، ومساعي النظام الصهيوني لتعزيز سيطرته على الأراضي السورية المحتلة.