حرب أميركا المعرفية ضد إيران؛ معركة العقول بعد الفشل

أصبحت الحرب المعرفية، بهدف إضعاف الإرادة الوطنية والتأثير على الرأي العام، ساحة مهمة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

سفير مجموعة أرجان _ السياسية _ هادي رضائي: في الظروف التي واجهت فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضغوطا عسكرية واقتصادية وسياسية من الولايات المتحدة والنظام الصهيوني في السنوات الأخيرة، أصبح مجال جديد للمواجهة أكثر أهمية من الماضي. مجال لا يكون الهدف الأساسي فيه احتلال الأرض، بل التأثير على الإدراك العام وتغيير حسابات المجتمع وإثارة الشك في الإرادة الوطنية. السرد الإعلامي، ونشر أخبار غير مؤكدة، والتهديدات المتناقضة، والمبالغة في قوة العدو وخلق فراغ إخباري، هي بعض الأدوات المستخدمة في هذه الحرب المعرفية؛ حرب يبدو أنها اكتسبت أهمية أكبر بعد فشل العدو في تحقيق أهدافه على أرض الملعب.

ولم تعد الحروب تُحسم على الجبهات البرية والجوية والبحرية فقط. في عالم اليوم، أصبح العقل البشري وطريقة إدراكه للواقع أحد ساحات القتال الرئيسية. إذا كان الهدف في الحرب الكلاسيكية هو احتلال نقطة جغرافية أو تدمير القوة العسكرية للطرف الآخر، ففي الحرب المعرفية تتم محاولة تغيير تصور المجتمع للواقع؛ بطريقة تجعل الجمهور يتخذ قرارًا في صالح مصمم العمليات المعرفية.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن تحليل جزء من التطورات السياسية والإعلامية المحيطة بإيران في إطار المواقف الدبلوماسية أو التصريحات اليومية للمسؤولين الأميركيين فقط. تشكلت في الفضاء الإعلامي سلسلة من التهديدات ومقترحات التفاوض والادعاءات الإعلامية والعمليات النفسية والروايات المتناقضة، والتي يمكن أن تكون إحدى وظائفها قياس رد فعل المجتمع والتأثير في حسابات الرأي العام.

عندما تصبح التهديدات والمفاوضات أدوات ضغط في نفس الوقت

وأكد محمد باقر قاليباف رئيس المجلس الإسلامي قبل أيام وفي كلمته أمام أمره، في إشارة إلى التوجهات الأخيرة للولايات المتحدة، أن عصر إملاء المطالب الأحادية قد انتهى وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أعلنت موقفها بوضوح.

وأشار قاليباف إلى أن الأميركيين يطلقون تصريحات مختلفة في وسائل الإعلام، مشيرين إلى أنهم من جهة يطرحون مقترحات عبر وسطاء، ومن جهة أخرى يزيدون من التهديدات العسكرية وأدبيات الضغط.

ويمكن اعتبار هذا السلوك المتناقض أحد المكونات التي يمكن التحقيق فيها في الحرب المعرفية؛ لأنه عندما يتحدث ممثل عن التفاوض والاتفاق على مسافة قصيرة ثم يضع التهديد العسكري على الطاولة، فإنه يواجه الجمهور بمجموعة من الرسائل المتضاربة.

الهدف من هذا النهج ليس بالضرورة إقناع الجمهور باقتراح محدد؛ بل إنه يخلق في بعض الأحيان نوعاً من عدم اليقين والشك. إن المجتمع الذي يواجه باستمرار أخبارا متضاربة حول احتمالات الحرب أو التفاوض أو العقوبات أو الاتفاق أو التصعيد، قد ينفق جزءا كبيرا من طاقته العقلية في أعقاب هذه التقلبات.

وفي مثل هذا الوضع، فإن القضية الأساسية بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية هي اتخاذ قرارات استراتيجية بناءً على الحقائق على الأرض والسلوك العملي للطرف الآخر، وليس بناءً على أي تغريدة أو مقابلة أو تعليق لمسؤول أميركي.

الحرب المعرفية؛ من الأخبار الكاذبة إلى المبالغة في قوة العدو

لا تبدأ الحرب المعرفية بالضرورة بقصة إخبارية مزيفة تمامًا. ومن أعقد الأساليب في هذا المجال هو الجمع بين الأقوال الصحيحة والخاطئة ووضعها في إطار سردي محدد.

قد تنشر وسائل الإعلام أخبارًا حقيقية عن حدث اقتصادي أو عسكري، ولكن من خلال اختيار العنوان والصورة وترتيب البيان الصحفي ونوع التحليل، فإنها ستثير انطباعًا معينًا لدى الجمهور. في هذه الحالة، لا يواجه الجمهور بالضرورة كذبة واضحة؛ بل هي تواجه سردا يسلط الضوء على جزء من الواقع ويغفل جزءا آخر.

والأداة الأخرى لهذه الحرب هي تضخيم قوة العدو. إن التكرار المستمر للأخبار المتعلقة بالمعدات العسكرية أو تحركات القوات أو تهديدات المسؤولين الأمريكيين أو قدرات النظام الصهيوني يمكن أن يكون بهدف خلق شعور بعدم الأمان والعجز لدى الرأي العام.

في حين أظهرت تجربة المواجهات العسكرية الأخيرة أن الحسابات المبنية على خلق الذعر الشعبي لا تؤدي بالضرورة إلى النتائج المتوقعة من مصمميها. وفي مواجهة الضغوط العسكرية والأمنية، اعتمدت جمهورية إيران الإسلامية على القوة الداخلية وقدرات القوات المسلحة وحاولت التمييز بين "التهديد الإعلامي" و"الواقع الميداني".

الرواية الأميركية عن إيران؛ ما أهمية المسافة بين القول والفعل؟

ومن الأمثلة التي يمكن التحقيق فيها هي الادعاءات المتعلقة بمضيق هرمز. وأثار بيجان مقدم، الخبير في شؤون الإعلام، التساؤل، في إشارة إلى بعض المزاعم الأمريكية حول الأوضاع في المنطقة، أنه إذا ادعت واشنطن تحقيق أهدافها، فماذا يعني استمرار التهديدات والحملات العسكرية؟

هذا السؤال مهم من الناحية الإعلامية؛ لأن أحد مؤشرات معرفة العمليات النفسية هو فحص المسافة بين "السرد المعروض" و"الواقع الملحوظ".

إذا تحدث أحد الفاعلين السياسيين عن تحقيق أهدافه، لكنه في الوقت نفسه يواصل زيادة الضغوط والتهديدات والانتشار العسكري، فيجب على الرأي العام أن ينتبه إلى هذا التناقض ويتجنب القبول البسيط للروايات الجاهزة.

ومضيق هرمز مهم جدًا أيضًا في هذا السياق. ويعد هذا الممر المائي أحد أهم طرق نقل الطاقة في العالم، وأي تغيير في وضعه يمكن أن يكون له آثار اقتصادية ونفسية كبيرة على الأسواق العالمية. ولهذا فإن التعليق على هذه المنطقة ليس مجرد مسألة عسكرية، وله قدرة عالية على العمليات النفسية والتأثير على الأسواق والرأي العام.

الهدف الرئيسي تآكل ثقة الجمهور

وتنجح الحرب المعرفية عندما يصبح المجتمع غير واثق من المصادر الرسمية للمعلومات، ومن ناحية أخرى، يتقبل كل رواية منشورة على شبكات التواصل الاجتماعي دون التحقق منها.

في مثل هذا الجو، حتى الأخبار الكاذبة التي يتم تداولها لبضع ساعات في الفضاء الإلكتروني يمكن أن تترك بصماتها على ذهن الجمهور؛ حتى لو تم رفضه لاحقًا. والسبب واضح: فالسرد الأول الذي يتشكل في ذهن الجمهور حول حادثة ما لا يفسح المجال ببساطة للسرد الثاني.

كما أكدت فاطمة نوريجيهانغارد، الخبيرة في قضايا الإعلام، على نفس القضية وترى أنه في ظروف اليوم يجب أن تؤخذ في الاعتبار سرعة ودقة الأخبار في نفس الوقت؛ لأن التأخير في نشر الأخبار الصحيحة يمكن أن يوفر الفرصة لإثبات الروايات الكاذبة.

وتعتبر هذه النقطة من أهم تحديات الإعلام الرسمي في مواجهة الحرب المعرفية. إن الإعلام الذي يتأخر في الرد قد ترك عملياً مجال السرد للآخرين.

في العمليات المعرفية، الصمت الإخباري لا يعني الحياد دائمًا. وفي بعض الأحيان تصبح فجوة المعلومات في حد ذاتها عاملاً لإنتاج الشائعات.

عندما لا يتلقى المجتمع معلومات دقيقة وسريعة وموثوقة حول حادثة مهمة، فإن الفضاء الإلكتروني سوف يملأ هذا الفراغ. في غضون ذلك، يمكن لأي شخص أو قناة أو وسيلة إعلامية تقديم روايتها على أنها "أخبار".

ولهذا السبب فإن أحد متطلبات التعامل مع الحرب المعرفية هو الحضور النشط والمهني لوسائل الإعلام المحلية. إن توفير معلومات سريعة وواضحة وموثقة، والتحدث مع الخبراء، وتوفير بيانات يمكن التحقق منها وتجنب نشر الأخبار المثيرة يمكن أن يسد جزءًا مهمًا من هذه الفجوة.

في غضون ذلك، تحاول وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية خارج البلاد أيضًا إنشاء إطار عقلي خاص للجمهور الإيراني باستخدام الصور العاطفية والسرد الانتقائي والتركيز على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وربطها بعدم الكفاءة الهيكلية.

ويعتقد نوريجيهانغارد أن هذه الشبكات تركز في كثير من الحالات على إثارة المشاعر مثل الغضب والقلق والقلق بدلاً من مجرد توفير المعلومات، واستخدام القضايا الحقيقية لحياة الناس لبناء سرد سياسي.

وبطبيعة الحال، لا يمكن إنكار وجود مشاكل حقيقية في المجتمع؛ لكن الفارق المهم بين "صياغة المشكلة" و"الاستغلال المعرفي للمشكلة" ينكشف عند هذه النقطة. يجب على وسائل الإعلام المهنية رؤية المشكلة والإبلاغ عنها وتقديم المطالب؛ لكن العمليات المعرفية تحاول تأطير المشكلة نفسها بطريقة تؤدي إلى نتيجة محددة مسبقًا للجمهور.

القوة الصلبة دعم التعامل مع الحرب الناعمة

أحد الأخطاء الشائعة في تحليل الحرب المعرفية هو فصلها تمامًا عن القوة العسكرية. في حين أن هذين المجالين مرتبطان ببعضهما البعض.

فالعدو الذي لا يستطيع فرض إرادته في الميدان الصعب قد يحاول متابعة نفس الهدف من اتجاه آخر من خلال خلق الضغوط النفسية والعمليات الإعلامية. ومن ناحية أخرى، فإن امتلاك قدرة الردع العسكري يمكن أن يزيد من تكلفة التهديد بالنسبة للجانب الآخر.

ومن هذا المنطلق، فإن تصريحات قادة القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية حول الاستعداد الدفاعي للبلاد ليست مجرد رسالة عسكرية؛ كما أنها تحمل رسالة نفسية مفادها أن التهديد العسكري لن يمر دون رد.

هذا هو المكان الذي تجتمع فيه القوة الصلبة والقوة المعرفية. القوة العسكرية تتيح فرض التكاليف على المعتدي، والإعلام والقوة المقنعة لا تسمح للعدو بفرض روايته الميدانية باعتبارها الواقع الوحيد الموجود على الرأي العام.

طريقة المواجهة؛ رواية دقيقة وسريعة وموثقة

لا تحتاج جمهورية إيران الإسلامية إلى زيادة قوتها العسكرية للتعامل مع الحرب المعرفية فحسب. ويجري جزء مهم من هذه المعركة في مجال الإعلام والجامعات والنخب وشبكات التواصل الاجتماعي وحتى محادثات الناس اليومية.

الخطوة الأولى هي زيادة سرعة الإخطار. الأخبار الصحيحة التي تنشر متأخرة قد تخسر المنافسة بأخبار كاذبة.

والخطوة الثانية هي زيادة مصداقية وسائل الإعلام المحلية. ويتقبل الجمهور الرواية الرسمية عندما يراها دقيقة وموثقة وموثوقة.

الخطوة الثالثة هي استخدام لغة مفهومة للمجتمع. لا يمكن للرواية الرسمية أن تنافس الروايات المنافسة إذا كانت عامة للغاية، أو بلاغية، أو بعيدة عن القضايا الحقيقية للشعب.