دينيس سيتروينوفيتش: التطورات الأخيرة في المواجهة بين واشنطن وطهران تكشف عن واقع خطير يتزايد، وتجنّب جولة أخرى من التصعيد العسكري للتوترات بات أصعب / يعتقد الطرفان أن التراجع سيكلّف أكثر من مواصلة المواجهة / قد يخلص القادة الإيرانيون إلى أنهم لا يستطيعون الانتظار حتى تمسك واشنطن بزمام المبادرة

كتب دينيس سيتروينوفيتش، عضو مركز «المجلس الأطلسي» للأبحاث: التطورات الأخيرة في المواجهة بين واشنطن وطهران تكشف عن واقع خطير يتزايد؛ فكلا الطرفين لا يزال يعتقد أن مرور الوقت يصبّ في مصلحته، ولا يبدي أي منهما استعداداً للتنازل عن مطالبه الأساسية، وقد أُغلق مسار الدبلوماسية تقريباً بالكامل. وفي مثل هذه الظروف، يزداد يوماً بعد يوم صعوبة تجنّب جولة أخرى من التصعيد العسكري للتوترات.

كتب دينيس سيترونوفيتش، عضو مركز أبحاث المجلس الأطلسي: التطورات الأخيرة في المواجهة بين واشنطن وطهران تشير إلى حقيقة متزايدة الخطورة: لا يزال الجانبان يعتقدان أن مرور الوقت في صالحهما، ولا يرغب أي منهما في التنازل عن مطالبهما الرئيسية، والطريق إلى الدبلوماسية مسدود بالكامل تقريبًا. وفي مثل هذه الحالة، يصبح من الصعب أكثر فأكثر تجنب جولة أخرى من التصعيد العسكري للتوترات.

وبحسب تقرير "اختر"؛ وفي استمرار لهذا المقال، تظهر عدة تطورات رئيسية عمق المأزق الاستراتيجي الحالي:

1. تقوم إيران بتوسيع حملتها ضد الشحن البحري في الخليج العربي.

وكثفت طهران هجماتها على ناقلات النفط في مضيق هرمز والمناطق المحيطة به، وتستهدف بشكل متزايد السفن حتى في الموانئ عبر الخليج العربي. إن زعماء إيران لا يعتزمون قبول الوضع الذي يتم فيه منع صادرات النفط الإيرانية، في حين يستمر المنتجون الآخرون في المنطقة في التصدير.

ومن وجهة نظر طهران، فإن تعطيل حركة المرور البحرية والحفاظ على أسعار النفط مرتفعة هي أدوات أساسية للضغط على واشنطن. وفي الوقت الحالي، لا يوجد سبب وجيه لتوقع أن تهدأ هذه الحملة. بل على العكس من ذلك، فإن احتمال تفاقمه يتزايد يوماً بعد يوم.

2. طهران لا تنوي الاستسلام على طاولة المفاوضات.

ولا تزال إيران تصر على تنفيذ المطالب السبعة التي قدمتها لإدارة ترامب. إن القيادة الإيرانية ليست على استعداد للدخول في مفاوضات جادة وهادفة حول برنامجها النووي قبل معالجة هذه الشروط.

ومن ناحية أخرى، تريد واشنطن التحرك بشكل مباشر نحو التوصل إلى اتفاق أكثر شمولاً بشأن القضية النووية. وهذا الاختلاف الجوهري حول ترتيب وتسلسل المفاوضات أدى عمليا إلى شل العملية الدبلوماسية.

3. تعتقد إيران أنه على الرغم من المشاكل الاقتصادية الحادة، فإنها تستطيع أن تفوز في النهاية.

وتذهب حسابات طهران الاستراتيجية إلى ما هو أبعد من مجرد رفع العقوبات. ويعتقد القادة الإيرانيون أن المواجهة الحالية أتاحت الفرصة لإعادة تصميم البنية الأمنية للخليج الفارسي، وتقليص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وخلق واقع جديد تمارس فيه إيران قدراً أكبر من النفوذ على مضيق هرمز.

ومن وجهة النظر هذه، فإن التهديدات الأميركية والمزيد من الهجمات العسكرية المحتملة لن تغير حسابات طهران بشكل جذري طالما بقي النظام الحالي في السلطة.

4. تقوم إيران بإعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية.

وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدتها إيران في الحرب السابقة، بذلت طهران جهودًا كبيرة لإحياء قدراتها في إنتاج الصواريخ والطائرات بدون طيار.

ومن غير الواقعي أن نفترض أن إيران استعادت طاقتها الإنتاجية قبل الحرب. ومع ذلك، تشير التقارير عن استئناف إنتاج الصواريخ والطائرات بدون طيار، حتى على نطاق محدود، إلى أن إيران تعيد بناء قدراتها العسكرية تدريجياً.

وسوف تستمر هذه العملية بغض النظر عن التطورات الدبلوماسية المباشرة.

5. لا تزال القضية النووية مصدراً آخر لعدم اليقين الاستراتيجي.

وتشير التقارير حول نقل المعدات إلى منشأة جبل بيكاكس إلى أن طهران ربما تقوم بإعداد البنية التحتية اللازمة لاستئناف تخصيب اليورانيوم.

وهذا لا يعني بالضرورة استئناف التخصيب أو اتخاذ قرار ببناء أسلحة نووية. وفي الوقت الحالي، يبدو أن التركيز الرئيسي للقيادة الإيرانية ينصب على مواجهة واشنطن في الخليج الفارسي.

ومع ذلك، فإن احتمال استئناف التخصيب يضيف بعداً خطيراً آخر إلى الوضع المتقلب بالفعل.

6. تستفيد طهران بشكل كبير من المواجهة بين السعودية والحوثيين.

من وجهة نظر إيران، فإن تصاعد الصراعات في اليمن يجلب ميزتين استراتيجيتين لطهران.

أولاً، تدفع المملكة العربية السعودية ثمناً اقتصادياً وأمنياً متزايداً لحملتها العسكرية. ثانياً، تؤدي هجمات الحوثيين على البنية التحتية السعودية وطرق النقل الإقليمية إلى تأجيج عدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية وتعزيز هدف طهران الأوسع المتمثل في إبقاء أسعار النفط مرتفعة.

ولذلك يمكن لإيران أن تستفيد من هذه المواجهة دون أن تدخل بالضرورة في الصراع بشكل مباشر.

7. تعمل واشنطن على تعزيز تشكيلتها العسكرية، لكنها لم تتمكن حتى الآن من حل معضلتها الاستراتيجية الأساسية.

وتواصل إدارة ترامب نشر المزيد من القدرات العسكرية في المنطقة، في حين ترفض تقديم تنازلات اقتصادية ذات معنى خارج إطار المفاوضات النووية.

يؤكد المسؤولون الأمريكيون على ملايين براميل النفط التي لا تزال تتدفق من الخليج الفارسي ويعتبرون ذلك علامة على نجاح استراتيجيتهم.

ومع ذلك، فإن الجهود التي تبذلها الإدارة الأمريكية للتواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تظهر أن واشنطن تدرك أيضًا القيود المفروضة على الترتيب الحالي.

ربما لا يزال النفط يتدفق، لكن هذا لا يعني أن مضيق هرمز قد عاد إلى أنشطة التجارة والشحن الطبيعية. إن الوضع الحالي مكلف وهش ومن الصعب استمراره على المدى الطويل.

8. تواجه حكومة الولايات المتحدة الآن ثلاثة خيارات صعبة للغاية.

أولاً، يمكنها قبول جزء على الأقل من مطالب إيران وتوفير الأرضية اللازمة للانفتاح الدبلوماسي. ومع ذلك، في الوقت الحالي، يبدو هذا الخيار غير مرجح.

ثانياً، يمكنها الاستمرار في ممارسة الضغوط الاقتصادية، على أمل أن تغير طهران مسارها في نهاية المطاف؛ هذا على الرغم من قلة الأدلة التي تشير إلى أن قادة إيران يقتربون من مرحلة الاستسلام أو أن النظام الحاكم يواجه انهياراً اقتصادياً وشيكاً.

الخيار الثالث هو استئناف العمليات العسكرية. على أمل أن تؤدي المزيد من الضربات إلى إجبار إيران على التنازل أو التوصل إلى نتيجة يمكن لدونالد ترامب أن يدعي أنها انتصار.

والمشكلة هي أن أي حملة عسكرية أخرى قد تؤدي إلى نجاحات تكتيكية من دون تغيير حسابات إيران الاستراتيجية بشكل جوهري.

بالإضافة إلى ذلك، سترد طهران على أي هجوم عسكري أميركي متجدد، ومن المرجح أن يتوسع نطاق الرد الإيراني جغرافياً ومن حيث نوع الأهداف التي يتم مهاجمتها.

ويمكن أن تشمل هذه الاستجابة أيضًا بنية تحتية حيوية جديدة؛ بما في ذلك كابلات الاتصالات البحرية وغيرها من الأصول الاستراتيجية التي ظلت بعيدة إلى حد كبير عن هذه المواجهة.

وبعبارة أخرى، فإن العملية العسكرية الأمريكية الجديدة لن تجلب خطر إطالة أمد الحرب فحسب، بل قد تحول الصراع إلى صراع إقليمي وأوسع بكثير؛ مواجهة يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية.

9. مشكلة واشنطن الأساسية هي الفجوة المتزايدة بين أهدافها والوسائل المتاحة لتحقيقها.

ويريد دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق كبير في المجال النووي، لكن طهران ترفض التفاوض بشأن هذه القضية قبل تلبية المطالب الأولية.

الضغط الاقتصادي لم يتمكن من تحقيق النقاط المرجوة من إيران، والتصعيد العسكري لا يوفر أي ضمانة لتحقيق نتيجة أفضل.

والواقع أن المزيد من الضربات الأميركية قد تؤدي إلى مواجهة إقليمية أوسع نطاقا، وتفاقم الاضطرابات في أسواق الطاقة، وفي الوقت نفسه، الاستمرار في إثناء قادة إيران عن التسوية.