من أفلاطون إلى مولانا: رواية فلسفية عن نسيان الإنسان

يشرح إنشاء الله رحمتي آراء أفلاطون وصولاً إلى التقليد الحكمي والعرفاني في الإسلام، ويعدّ نسيان الإنسان الحديث أزمةً وجودية، ويتمثل مخرجها في إدراك الحقيقة الوجودية للإنسان.

وبحسب مراسل السفير أرجان، وبمبادرة مجمع الفلاسفة الإيرانيين وبمشاركة مدينة الفلسفة الإيرانية، عُقد مساء أمس 21 تشرين الأول/أكتوبر، اجتماع "أنطولوجيا الذاكرة والنسيان"، بحضور إن شاء الله رحمتي رئيس مؤسسة بو علي سينا ​​العلمية والثقافية، وحكمت الله ملا صالحي أستاذ الآثار المخضرم في جامعة طهران.

وفي هذا اللقاء، أشار إن شاء الله رحمتي إلى أهمية الذاكرة والنسيان في العالم المعاصر، وصاغ مناقشته في ثلاثة محاور عامة: أولاً، بيان أهمية مسألة النسيان في يومنا هذا؛ ثانياً، دراسة السرد اليوناني للذكرى المبني على فكر أفلاطون؛ وثالثاً: شرح الرواية الإسلامية ومكانتها في الحكم والتقليد الصوفي.

وفي بداية حديثه، أشار إلى استئناف اجتماعات مجلس الفلاسفة الإيرانيين، واعتبر اختيار موضوع الذاكرة والنسيان أمراً ذا معنى، وذكر أن كلمته يجب أن تعتبر مكملة للموضوعات التي طرحها حكمت الله مصلح.

نسيان الإنسان المعاصر؛ من الأزمة الفردية إلى النسيان الجماعي

وذكر رحمتي أن الإنسان واجه دائمًا مشكلة النسيان بسبب وجوده الإنساني، وقال: لقد ربط بعض المفسرين كلمة إنسان بمفهوم النسيان والنسيان. وبغض النظر عن المناقشة الاشتقاقية لهذه الكلمة، يمكن اعتبار النسيان أحد الجوانب الأساسية للحالة الإنسانية؛ لأن الإنسان قد ينسى الحقيقة التي كان على دراية بها في يوم من الأيام ويتخيل تدريجياً وضعه الحالي على أنه الحقيقة الكاملة للحياة.

ولتوضيح هذا الوضع أشار إلى رسالة ابن سينا ​​"حي بن يقظان" وخاصة "رسالة الطير" وقال: في رواية ابن سينا ​​تشبيه الإنسان بالطير الذي وقع في الفخ. كانت هذه الطيور تعيش في الحدائق والمتنزهات، لكن بعد اصطيادها تفقد تدريجياً ذكرى حياتها السابقة ويصبح الأسر هو القاعدة الطبيعية للحياة بالنسبة لها. يعتادون على الظروف القائمة وكأن الحياة في الأساس ليست سوى هذا الوضع.

ووفقا له، تقدم هذه الرواية صورة للحالة الإنسانية التي يؤدي فيها نسيان حقيقة الماضي إلى قبول الوضع الحالي باعتباره الواقع بأكمله. لكن في رواية ابن سينا ​​ما زال من الممكن التذكير؛ لأن رؤية الطيور التي تحررت من الفخ تحيي ذكرى الحرية لدى الآخرين وتثير الرغبة في التحرر لديهم.

وأضاف رئيس مؤسسة بو علي سينا العلمية والثقافية: "مشكلة الإنسان ليست ببساطة أنه ينسى شيئًا ما، ولكن ما إذا كان لا يزال من الممكن له العودة إلى الحقيقة التي نسيها". في رواية ابن سينا، يمكن أن توفر الذكرى الأساس للتحرر؛ بحيث لا يعود الإنسان، رغم وجوده في هذا العالم، يرى نفسه مقيدًا بحالة الأسر.

ومن خلال تمييز النسيان الفردي عن النسيان الجماعي، قال: في النسيان الفردي قد ينسى الإنسان حقيقة ما، ولكن هناك آخرين يتذكرونها ويمكن أن يوفروا له سياقًا للتذكر. مشكلة الإنسان المعاصر هي أننا نواجه نوعًا من النسيان الجماعي؛ موقف لا ينسى فيه الشخص الحقيقة فحسب، بل ينسى أيضًا البنى التحتية الفكرية والفلسفية اللازمة لتذكر تلك الحقيقة.

وشبه رحمتي هذا الوضع بالشخص الذي فقد ماضيه بسبب تلف الذاكرة ولا يستطيع استعادته بسهولة حتى لو أراد ذلك. وبحسب تفسيره فإن أزمة الإنسان المعاصر أكثر حدة لأن المشكلة لا تكمن فقط في عدم الانتباه أو الإحجام عن التذكر، بل إن الأطر النظرية والميتافيزيقية التي وفرت إمكانية هذا التذكر في الماضي لم تعد فعالة في نص حياته الفكرية.

الفلسفة الحديثة ونسيان البنى التحتية الميتافيزيقية

وأشار أستاذ الفلسفة هذا إلى مكانة الموضوع في الفلسفة الجديدة قائلاً: يعتبر الإنسان في كثير من الصيغ الفلسفية الحديثة ذاتاً قائمة بذاتها، ومنطلقها للمعرفة والفكر هو نفسه. في مثل هذا الإطار، تصبح إمكانية التواصل مع حقيقة تتجاوز الحالة الراهنة للإنسان وتذكر علاقته بتلك الحقيقة مسألة صعبة.

وبالإشارة إلى مفهوم "الإلقاء" في فكر مارتن هايدجر، أوضح: أن هايدجر يتحدث عن الإنسان باعتباره كائنا ملقى إلى العالم. وهذا التفسير، من حيث الأسس الفلسفية، يختلف عن الصورة المقدمة في التقليد الديني لسقوط الإنسان. في مفهوم النسب، نحن نتحدث عن علاقة سابقة وأصيلة ابتعد عنها الإنسان؛ لكن مفهوم الإلقاء، في حد ذاته، لا يزودنا بمثل هذه الرواية الميتافيزيقية المحددة لأصل الإنسان.

وأضاف رحمتي: إذا كان من المفترض أن يتذكر إنسان اليوم حقيقة وجوده، فإنه لا يستطيع أن يبدأ العمل إلا بالتوصيات الأخلاقية والروحية. وقبل ذلك لا بد من التطرق إلى الأسس الميتافيزيقية التي توفر إمكانية مثل هذا التذكير. ويمكن دراسة هذه الأسس في تاريخ الفلسفة، لكن السؤال الأساسي هو هل ما زالت حاضرة في موقع الفلسفة في حياتنا أم أنها أصبحت مجرد قضايا تاريخية؟

وأكد أهمية هذا التمييز، وأشار إلى أنه عندما تتم إزالة الميتافيزيقا الداعمة للتذكر من الحياة الفكرية للإنسان، فإن الحديث عن الذاكرة والنسيان يكتسب أيضًا معنى مختلفًا. وفي هذه الحالة قد يقتصر التذكر على مسألة نفسية أو تربوية، في حين أن القضية الأساسية هي علاقة الإنسان بحقيقته الوجودية.

أفلاطون ونظرية التذكر والمعرفة باعتبارها الاعتراف بالحقيقة

وفي إشارة إلى وجهة نظر هنري كاربوني حول مصير الأفلاطونية في الغرب، قال رحمتي: يرى كاربوني أنه بعد أفلاطونية كامبريدج في القرن السابع عشر، فقدت الأفلاطونية مكانتها السابقة في مواجهة الفلسفة الديكارتية. ووفقا له، فإن هذا التطور لم يعني مجرد تغيير نظرية فلسفية، بل أدى إلى نسيان نوع من الميتافيزيقا التي كانت نظريتها في المعرفة تقوم على التذكر.

ومشيرًا إلى أن نظرية التذكر لأفلاطون تعد من أهم أسس هذا التقليد الفكري، موضحًا: في هذا الرأي، المعرفة لا تعني مجرد الحصول على معلومات جديدة؛ بل المعرفة هي، بشكل ما، عودة إلى الحقيقة التي كانت للنفس علاقة بها من قبل. ومن هنا، فإن من واجب التعليم والحوار أن يوفرا الأساس لنشوء هذه المعرفة وتحقيقها.

وأشار هذا الباحث الفلسفي إلى الفرق بين ثلاثة آراء في كيفية تكوين المعرفة، فقال: إن العقل البشري في إحدى وجهات النظر يشبه لوحا غير مكتوب تنطبع عليه التجارب. ومن وجهة نظر أخرى، فإن للعقل قوة وموهبة تتحقق في عملية الإدراك؛ وهو منهج يمكن رؤيته في الفلسفة الأرسطية ونظرية العقل في فكر ابن سينا. ومع ذلك، في النظرية الأفلاطونية للتذكر، لا يتعلق الأمر ببساطة بتسجيل الخبرة أو تحقيق القدرة العقلية، بل يتعلق بالتعرف على الحقائق التي كانت الأنا مألوفة لها سابقًا.

وأشار رحمتي إلى رسالة أفلاطون "مينون" لتوضيح وجهة النظر هذه؛ أطروحة يتحدث فيها سقراط مع مينو عن ماهية الفضيلة. خلال المحادثة، يتم انتقاد إجابات مينو، لكن سقراط لا يدعي أنه لديه بالفعل الإجابة النهائية على المشكلة. ومن هنا يبرز سؤال أساسي: إذا كان الإنسان لا علم له بشيء فكيف يبحث عنه؟

وأشار إلى ما يعرف بـ"مفارقة مينون" في الفلسفة، فقال: إذا كان الإنسان يعرف شيئاً ما معرفة كاملة، فلا داعي على ما يبدو للبحث عنه؛ وإذا لم يكن له علم بها فكيف يبحث عنها فعلا؟ للإجابة على هذا السؤال، يقترح أفلاطون نظرية التذكر. وبحسب هذه النظرية فإن المعرفة لا تبدأ من الصفر، بل هناك نوع من المعرفة المسبقة بالحقيقة التي تنكشف في عملية التساؤل والحوار والتعليم.

وأضاف رحمتي، مشيراً إلى تشبيه سقراط بالقابلة: ويشبه سقراط دوره بالقابلة التي تساعد على ولادة الفكر. وكما أن القابلة لا تخلق الطفل، بل تساعد في ولادته، فإن سقراط لا يدعي أنه يقدم الحقيقة إلى ذهن الجمهور من الخارج؛ بل يحاول المساعدة في تحقيق المعرفة التي يمكن أن تظهر لدى الجمهور.

وبالإشارة إلى الحوار بين سقراط والعبد الشاب في رسالة "مينون"، ذكر: في هذا الحوار يحاول سقراط أن يبين أن العبد، دون تلقي تعليم مباشر في الرياضيات، يمكنه حل مشكلة رياضية من خلال الأسئلة والأجوبة. يستخدم أفلاطون هذا المثال لدعم نظرية التذكر؛ نظرية تعتمد على أن المعرفة لا يمكن اختزالها في نقل المعلومات من المعلم إلى الطالب.

وبحسب رحمتي، فإن نظرية التذكر في فكر أفلاطون، بالإضافة إلى النتائج المعرفية، تؤدي أيضًا إلى نتيجة أنثروبولوجية: أن النفس البشرية كانت موجودة قبل الحياة الحالية. ومن هنا ترتبط المعرفة بنوع من الخلفية الوجودية ويصبح التعليم عملية للتعرف على الحقيقة.

استمرارية التقليد الأفلاطوني في ثلاثة تقاليد دينية

وفي إشارة إلى تأثير فكر أفلاطون على التقاليد الفكرية اليهودية والمسيحية والإسلامية، قال رئيس مؤسسة بوالي سينا العلمية والثقافية: إن الأفلاطونية، على الرغم من التغيرات الواسعة في تاريخ الفلسفة، استمرت بأشكال مختلفة في هذه التقاليد الدينية الثلاثة. ومن فيلو الإسكندري في التقليد اليهودي إلى أوغسطينوس في التقليد المسيحي وشخصيات مثل ابن عربي والسهروردي والملا صدرا في التقليد الإسلامي، يمكننا أن نرى تأثير هذا الإرث.

وأضاف: وأهمية هذا الحديث أنه يربط العلم بتذكر حقيقة أبدية. وعلى هذا الأساس، فإن اكتساب الحكمة لا يعني مجرد تراكم المعلومات أو تعلم مجموعة من الطروحات، بل يتطلب إدراك علاقة الإنسان بالحقيقة.

وفي إشارة إلى وجهة نظر هنري كاربوني حول استمرار الأفلاطونية في إيران، قال رحمتي: يرى كاربوني أن الأفلاطونية في الغرب فقدت جزءاً مهماً من مكانتها بعد سيطرة التيارات الفلسفية الجديدة؛ لكن التقليد الأفلاطوني استمر في إيران بأشكال مختلفة. وهنا، ليست الأفلاطونية مجرد اتباع مباشر لآراء أفلاطون، ولكنها نوع من الموقف الميتافيزيقي الذي يربط بين المعرفة الإنسانية والوجود والسلوك.

آية العهد والأساس الوجودي للذكر في الفكر الإسلامي

وفي شرح الرواية الإسلامية عن الذاكرة والنسيان، أشار رحمتي إلى آية العهد في سورة الأعراف؛ الآية التي يأخذ فيها الله ميثاق بني آدم ويشهدون بربوبيته.

وبالإشارة إلى العبارة القرآنية """""""""""""""قال:"" إن آية العهد في التقليد الإسلامي لا تُفهم ببساطة على أنها استعارة أخلاقية أو استعارة للتعبير عن مسؤولية الإنسان؛ بل اعتبره كثير من المفسرين والحكماء المسلمين إشارة إلى حدث حقيقي. ووفقاً لهذا الرأي، لا يمكن لتاريخ البشرية أن يقتصر على الحياة الدنيوية والعالم الملموس.

وأضاف: إذا تم تعريف الإنسان فقط في إطار العالم الملموس والحياة الدنيوية، فسيكون من الصعب شرح الحديث عن عهد سابق مع الله. لكن في التقليد الإسلامي، لا تقتصر عوالم الوجود على عالم الملكية، كما أن لمجال الملكوت مكانة في فهم حقيقة الإنسان والعالم. ومن هذا المنطلق، تشكل آية العهد جزءا من الأسس الميتافيزيقية التي تمكن من فهم الذكرى في التقليد الإسلامي.

وبالإشارة إلى الفرق بين هذا الموقف والآراء التي تحصر الوجود الإنساني في الحياة الدنيوية، أوضح رحمتي: عندما يختزل كل الواقع إلى العالم الملموس، يصبح من الصعب فهم علاقة الإنسان بأي واقع خارج حالته الحالية. ومن ناحية أخرى، في التقليد الديني والصوفي للإسلام، الإنسان ليس كائنًا تتلخص حقيقة وجوده الكاملة في الحياة الدنيوية.

وأكد: أن آية العهد يمكن اعتبارها أحد أسس التاريخ المقدس في العالم الإسلامي؛ تاريخ يحكي، إلى جانب التاريخ الدنيوي والمادي، عن مجال يتجاوز التجربة الإنسانية اليومية. وهذا الفهم له أهمية أساسية لفهم معنى التذكر، الذي يعني الاعتراف بحقيقة الوجود الإنساني.

قدم النفس ونتائجها الوجودية في حياة الإنسان

ومضى أستاذ الفلسفة هذا ليناقش مسألة قدم النفس في التراث الإسلامي فقال: إن مسألة قدم الروح في الفكر الديني والصوفي عند المسلمين ليست مجرد مسألة نظرية في الفلسفة أو الكلام، بل لها آثار وجودية وعملية على حياة الإنسان. إن الاعتقاد بأن النفس البشرية لها خلفية تتجاوز الحياة الدنيوية يمكن أن يؤثر على طريقة عيش الإنسان واختياراته وعلاقته بالعالم.

وأشار إلى مثالين بارزين على هذا الموقف، وهما "النينمة" للرومي ورسالة "الغربة الغربية" للسهروردي، فقال: في هذه الأعمال تتحول مشكلة الاغتراب الإنساني من واقعها إلى تجربة وجودية. لقد ابتعد الإنسان عن الأصل وهو في وضع قد ينسى فيه حقيقته السابقة؛ لكن نفس الوعي بالاغتراب لديه أيضًا إمكانية العودة واستعادة الحقيقة.

وبالإشارة إلى صورة القصب في المثنوي للرومي، قال رحمتي: يمكن اعتبار القصب قصة فراق وشوق إلى العودة؛ قصة يحكي فيها صوت القصب عن الغربة والبُعد. وهذا التشرد ليس مجرد شعور بالحنين إلى الوطن أو تجربة نفسية، بل يشير إلى علاقة وجودية مع الأصل.

وأضاف موضحا مكانة هذه القضية في فكر السهروردي: في "الغربة الغربية" يصور الإنسان على هيئة شباب محاصرين في بئر مظلمة. الرسالة التي تصلهم من والدهم هي تذكير بهويتهم ومكانتهم السابقة. إنهم يدركون أن وضعهم الحالي ليس الحقيقة الكاملة لوجودهم وأن لديهم علاقة مع عالم آخر. وهذا التذكير يشكل الأساس للخروج من الإهمال والتحرك نحو التحرر.

وأكد رحمتي: في هذا الرأي يجب على الإنسان أن يستعيد حقيقته الأبدية من جهة، وأن ينظر إلى علاقته بالأبدية من جهة أخرى. والحياة في العالم الحاضر، إذا انفصلت عن هذين الأفقين، قد تؤدي إلى قبول الوضع الراهن باعتباره الواقع كله؛ لكن تذكر الأصل والانتباه إلى الأبدية يفتح أفقاً آخر لفهم الحياة.