من غرور الثروة إلى سقوط جيش أبرهة: ماذا تحذّر ثلاث سور من القرآن الإنسان؟
سار جيش أبرهة بالفيلة الحربية وقوة هائلة لهدم الكعبة نحو مكة، لكنه لم يحقق هدفه في النهاية؛ وهي رواية ترويها سورة الفيل. إلى جانب هذه القصة، تقدم سورتا العصر والهمزة، بالتحذير من إهدار رأس مال العمر، والتعلّق بالثروة، واحتقار الآخرين، صورةً لمآل سلوك الإنسان؛ وهي ثلاث سور قصيرة تتحدث عن المسؤولية والأخلاق وحدود القوة المادية.
وبحسب قاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، فإن سور العصر وحمزة والفيل الثلاث، رغم قصر الآيات، تحتوي على سلسلة من الرسائل العميقة حول حياة الإنسان الفردية والاجتماعية. تتحدث سورة العصر عن خسارة الإنسان مع مرور الزمن وضرورة الإيمان والعمل الصالح؛ سورة حمزة تدين تراكم الثروة مع تعظيم الذات واحتقار الآخرين، وتحكي سورة في قصة جيش اعتمد على قدراته العسكرية لهدم بيت الله لكنه لم يحقق هدفه.
وبحسب رواية فارس، فإن هذه السور الثلاث تبحث في علاقة الإنسان بالإيمان والأخلاق والثروة والسلطة من زوايا مختلفة، وتذكر أن امتلاك المرافق المادية وحدها ليس ضماناً للخلاص والنجاح.
سورة العصر؛ تحذير القرآن من رأس المال الذي لا يعود
تبدأ سورة العصر بالقسم "والعصر"؛ القسم الذي يلفت انتباه الجمهور إلى وقته وأهميته. العلامة الطباطبائي، في تفسيره للميزان، أثناء فحصه لمعنى العصر ومثاله، ينتبه إلى الرسالة المركزية لهذه السورة حول ضرر الإنسان.
وفي الآية الثانية نقرأ: "كَصِهْرٍ"؛ إن الإنسان لفي خسر.
ولا يمكن أن يقتصر مفهوم الخسارة في هذه الآية على خسارة المال أو الوضع الاجتماعي أو فرص الحياة. لدى الإنسان رأسمال يتناقص باستمرار ولا يمكن استعادة اللحظات التي مضت. هذه العاصمة هي الحياة؛ فرصة سوف تضيع إذا لم تستغل بالشكل الصحيح.
ومع ذلك، فإن القرآن لا يحكم على جميع البشر بالخسارة، وفي الآية التالية يقدم مخرجًا من هذا الوضع: "إِنَّمَا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَصَبَّرُوا". إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق والصبر.
وبحسب هذه الآية فإن خلاص الإنسان لا يقتصر على الإيمان الفردي؛ بل ينبغي أن يظهر الإيمان في سلوكه وأفعاله، ويؤدي إلى الأعمال الصالحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن النظام المتبادل إلى اليمين يظهر المسؤولية الاجتماعية للإنسان، والتأكيد على الصبر يذكرنا بضرورة المثابرة في طريق الحق.
ومن هذا المنطلق فإن اللامبالاة بالوضع الأخلاقي والفكري للآخرين يمكن أن تحرم المجتمع من أحد أهم مجالات النمو والتحرر. رسالة سورة العصر هي أن الاستخدام الصحيح للحياة، إلى جانب الإيمان والعمل الصالح، يأتي مع المسؤولية تجاه الآخرين والدفاع عن الحق.
سورة حمزة؛ عندما تصبح الثروة أداة لتعظيم الذات
بلهجة تحذيرية، تدين سورة الحمزة أولئك الذين اعتادوا على العيب وإذلال الآخرين: "ويلكم". الويل لكل مكتشف أخطاء ساخر.
إن محتوى هذه الآية يتجاوز الإهانات الواضحة ويتضمن سلوكيات تمس كرامة الآخرين وشرفهم. وفي هذه السورة يضع القرآن هذا التوجه إلى جانب النظرة الخاطئة للثروة؛ وجهة نظر تعتبر الممتلكات المادية مقياسًا للتفوق ووسيلة للشعور بالأمان والاستمرارية.
وجاء في الآية التالية: هو نفسه الذي يجمع المال ويعده باستمرار.
ثم يقول القرآن عن الفكرة الخاطئة لمثل هذا الشخص: إنه يظن أن لمسته ستخلده.
هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد امتلاك الثروة أو محاولة زيادة الثروة؛ بل تبدأ المشكلة عندما يرى الإنسان أن ثروته علامة تفوق على الآخرين، ويصبح معتمداً عليها وكأن الثروة يمكن أن تحميه من الموت وعواقب أفعاله.
ومن وجهة النظر هذه، فبدلاً من أن تكون الثروة أداة للحياة وتلبية احتياجاتها، تصبح الثروة عاملاً لتعظيم الذات وإذلال الآخرين. تتحدى سورة حمزة هذه الفكرة وتذكر أن التسهيلات المادية لا يمكن أن تحل محل الأخلاق والمسؤولية.
وفيما يلي يكشف القرآن نهاية هذا السلوك: وإلا فسوف يُلقى في الركام.
""حاتمة"" تعني السحق وفي هذه السورة تشير إلى النار الموصوفة في الآيات التالية. ويشير إليها القرآن بأنها "نار الله". ويذكر نار الله التي أوقدها ويقول إن هذه النار تنفذ إلى القلوب وتحتضنها.
وبهذه الطريقة تربط سورة حمزة بين السلوك الأخلاقي الخاطئ في الدنيا وعواقبه في الآخرة. رسالة هذه السورة هي أن الثروة، إذا صاحبتها إذلال البشر والشعور بالتفوق، ليست ضمانة للدوام فحسب، بل يمكن أن تكون أيضًا أساسًا للسقوط الأخلاقي للإنسان.
سورة الفيل؛ هزيمة الجيش الذي جاء لهدم الكعبة
سورة الفيل، على عكس السورتين السابقتين اللتين تركزان أكثر على سلوك البشر ومصيرهم الفردي، تتناول حدثا تاريخيا كان له مكانة خاصة في ذاكرة أهل مكة: حملة أبرهة لهدم الكعبة.
وبحسب الرواية التاريخية والتفسيرية الشهيرة، فإن أبرهة، حاكم اليمن، جهز جيشًا كبيرًا به فيلة الحرب وسار نحو مكة لهدم بيت الله. وأصبح هذا الحدث، الذي يعرف في المصادر التاريخية باسم "عام الفيل"، أحد الأحداث البارزة في الروايات المتعلقة بتاريخ الكعبة.
يبدأ القرآن القصة بهذا السؤال: "عالم تر كيف ففال ربوك بأصحاب الفيل"؛ ألم تر ماذا فعل ربك بأصحاب الفيل؟
يشير هذا السؤال للجمهور إلى حدث كانت نتيجته معروفة بين أهل مكة. وجاء في الآية التي تليها أيضاً: "عالم يجهل كيداهم في تزليل". ألم يجعل خطتهم غير فعالة ومدمرة؟
وكان جيش أبرهي قد انطلق معتمداً على عدد قواته وعتاده، إلا أن هدفه لم يتحقق. جاء في التقارير التاريخية والتعليقية الشهيرة أن الفيل رفض التحرك نحو الكعبة، ثم تم إرسال مجموعات من الطيور إلى الجيش. يقول القرآن عن هذا: "وأرسل إليهم طيرًا أبابيل"؛ وأرسل إليهم الطير أفواجاً.
وفي ما يلي تتحدث الآيات عن الحجارة التي كانت هذه الطيور ترميها على الجيش، وأخيراً تصفها بموقف جاء في الآية الأخيرة: فجعلها كالتبن والورق الممضوغ.
ويقدم هذا التفسير صورة انهيار جيش تحرك لتحقيق هدف عظيم بالاعتماد على قوته الظاهرة وقدراته العسكرية، لكنه فشل في تحقيقه.
إن رسالة سورة فل ليست مجرد رواية لحدث تاريخي؛ تلفت هذه السورة انتباه الجمهور إلى محدودية القوة المادية وتبين أن امتلاك القوة العسكرية والسكان والمعدات لا يعني بالضرورة النصر. أراد أبرهي هدم حرمة الكعبة، لكن حملته لم تنجح. وكان هذا الحدث أيضًا بمثابة تذكير لقريش بالحماية الإلهية للكعبة والبركة التي ظهرت لهم في هذا الحدث.
ثلاث سور ورسالة مشتركة؛ الثروة والقوة ليست المعايير النهائية
وتتناول سورة العصر وحمزة وفل، كلٌّ من منظور مختلف، مسألة اختيار الإنسان وعواقب أفعاله. وتتحدث سورة العصر عن محدودية الحياة وضرورة استغلال هذه الفرصة بالشكل الصحيح؛ سورة حمزة تدين الاعتماد على الثروة وتحويلها إلى أداة لإذلال الآخرين، وسورة في تصور تاريخ الجيش الذي اعتمد على قوته العسكرية لهدم الكعبة لكنه لم يحقق هدفه.
والقاسم المشترك بين هذه السور الثلاث هو الاهتمام بمسؤولية الإنسان تجاه الحياة والآخرين وتجاه الله. إن الحياة فرصة محدودة يجب استغلالها في طريق الإيمان والعمل الصالح؛ وتجد الثروة قيمتها الحقيقية عندما لا تصبح وسيلة للسعي إلى التفوق وإذلال الآخرين، ولا يمكن أن تكون القوة مبررا للعدوان والدمار.
أخيرًا، تذكرنا هذه الآيات أنه لا الثروة وحدها تضمن الخلاص ولا القوة المادية يمكنها ضمان النجاح. والمهم في هذه النظرة هو اختيار الطريق الصحيح، والالتزام بالأخلاق، وقبول المسؤولية أمام الله والبشر؛ وهو المعيار الذي أكدت عليه السور الثلاث، من حياة الفرد إلى السلوك الاجتماعي ومصير القوى العظمى.
وانظر واسمع تلاوة آيات هذه السور الثلاث الموجودة في الصفحة 601 من القرآن الكريم.