«كل أصدقائي يملكون آيفون»؛ كيف يتعامل الوالدان مع ضغوط المراهقين؟

لم تعد الهواتف الذكية مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبحت جزءًا مهمًا وضروريًا من الحياة الاجتماعية للمراهقين. بل إن نوع الهاتف المحمول نفسه قد يؤثر في شعورهم بالانتماء أو العزلة بين أقرانهم.

زينب كمراني: مع هذا التغيير، يواجه العديد من الآباء التحدي اليومي المتمثل في الحفاظ على التوازن بين تلبية مطالب أبنائهم ووضع حدود واضحة في مواجهة الضغوط المجتمعية التي تسببها التكنولوجيا، لدرجة أن بعض الخلافات العائلية لم تعد حول كيفية استخدام الهاتف الخليوي، بل حول نوعه وما إذا كان يجب الحصول عليه أصلاً.

في الماضي، كان امتلاك هاتف ذكي أمرًا مهمًا في حد ذاته، ولكن اليوم، بالنسبة لبعض المراهقين، فإن نوع الهاتف هو الذي يُحدث الفرق. ويصف خبراء التعليم هذا التغيير بأنه تحول الهاتف من مجرد أداة تكنولوجية إلى رمز للهوية والانتماء في مجموعات الأقران.

وفي مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، أوضحت خبيرة التربية ميغان ليهي أن عددا متزايدا من الآباء يشترون هواتف آيفون لأن أطفالهم يصرون على اقتنائها، ليس لأنهم بحاجة إلى ميزات لا توفرها الهواتف الأخرى، ولكن لأنهم يشعرون أن استخدام هاتف مختلف سيخرجهم من دائرتهم الاجتماعية.

ويعتقد ليهي أن الخطأ لا يكمن في شراء أو رفض شراء هاتف محمول، بل في السماح لضغوط الأقران بأن تصبح العامل الحاسم الوحيد في قرارات الأسرة.

ويؤكد أن الاستجابة الدائمة لكل طلب تحرم الأبناء من تعلم الصبر وتأجيل المطالب والتعامل مع الإحباط وخيبة الأمل.

ولا تعكس هذه الظاهرة التجارب الفردية فحسب، بل تظهر أيضًا في استطلاعات السوق. وأظهر استطلاع أجراه قسم أبحاث المستهلكين التابع لبنك الاستثمار الأمريكي بايبر ساندلر أن 88% من المراهقين الأمريكيين يمتلكون هاتف iPhone، بينما قال 88% منهم إنهم يتوقعون أن يكون هاتفهم التالي هو iPhone.

وتظهر الإحصائيات مدى انتشار استخدام آيفون بين المراهقين الأمريكيين، وهو اتجاه يمكن أن يعزز حاجة البعض لامتلاك نفس الجهاز مثل أقرانهم.

لماذا الآيفون وليس أي هاتف آخر؟

لا يتعلق الأمر فقط بالمواصفات الفنية، بل يتعلق بالنظام الاجتماعي الذي تشكل حول أجهزة Apple على مر السنين.

أصبحت خدمات مثل iMessage وميزة "الفقاعة الزرقاء" وFaceTime وAirDrop، جزءًا من التواصل اليومي بين الأصدقاء في بعض المدارس والجامعات. وبالتالي، قد يشعر بعض مستخدمي هواتف أندرويد بأنهم أقل حضوراً في المحادثات الجماعية أو الأنشطة الرقمية التي يشاركها أقرانهم.

الأمر لا يتعلق فقط بسهولة التواصل. ومع تزايد شعبية هاتف iPhone بين الأصدقاء، فقد يكتسب الهاتف قيمة رمزية تتجاوز وظائفه التقنية.

بالنسبة لبعض المراهقين، يصبح امتلاكه وسيلة للشعور بأنهم ينتمون إلى مجموعة أو يواكبون ما يمتلكه أقرانهم. لذلك، قد يكون قرار شراء هذا الجهاز مدفوعًا بالرغبة في تجنب الشعور بالاختلاف أو النبذ ​​من المجتمع المعني أكثر من الحاجة الحقيقية لترقية الهاتف أو الحصول على ميزات جديدة.

وتعزز منصات التواصل الاجتماعي هذه الصورة، حيث يظهر جهاز iPhone باستمرار في المحتوى والإعلانات المؤثرة كجزء من نمط الحياة الحديث، مما يدفع بعض المراهقين إلى الاعتقاد بأن امتلاك جهاز يرتبط بالشعبية أو القبول الاجتماعي. ولذلك يتحول الهاتف من أداة وظيفية إلى رمز يحمل معاني ضمنية تتجاوز وظيفته الأساسية.

ولا تقتصر تأثيرات ذلك على تسهيل التواصل بين مستخدمي أجهزة آبل؛ وقد امتد الأمر أيضًا إلى الطريقة التي ينظر بها بعض المراهقين إلى الهاتف نفسه وينظرون إليه.

وبمرور الوقت، اكتسب هاتف آيفون قيمة رمزية بالنسبة لبعض المجموعات، ويُنظر إلى امتلاك واحد في بعض الأحيان على أنه مؤشر على الانتماء إلى مجموعة أو مواكبة ما يملكه الأصدقاء، وليس قرارًا يعتمد على المواصفات الفنية.

ولذلك فإن قرار شراء هذا الجهاز قد يكون مرتبطًا بالرغبة في تجنب الشعور بالاختلاف أو الإقصاء عن المجتمع أكثر من الحاجة الفعلية لشراء هاتف محمول جديد أو الترويج لفوائده الجديدة.

لا تقتصر تكلفة iPhone على سعر الشراء. ومع كل إصدار جديد، يظهر نظام كامل من المنتجات والخدمات ذات الصلة، مثل سماعات الرأس اللاسلكية، والساعات الذكية، والاشتراكات الرقمية، والملحقات المختلفة، بالإضافة إلى تكاليف الصيانة والإصلاح لهذه الأجهزة.

عندما يصبح الهاتف الخليوي ضرورة تزداد مع كل إصدار جديد، يجد العديد من الآباء أنفسهم أمام معضلة حقيقية. وبينما يشعر البعض بالقلق من أن رفض قبول المطالب سيجعل أطفالهم يشعرون بالعزلة بين أصدقائهم، يعتقد البعض الآخر أن الامتثال المستمر يعزز ثقافة الاستهلاك ويربط المكانة الاجتماعية بامتلاك أحدث الأجهزة. وهذا يمكن أن يسبب التوقعات في الارتفاع باستمرار.

التأثير النفسي الذي يتجاوز مجرد وجود الهاتف الخليوي

ويحذر الخبراء من أن ربط القبول الاجتماعي بامتلاك جهاز معين يمكن أن يكون له آثار نفسية تتجاوز عملية الشراء نفسها.

المراهق الذي يعتقد أن مكانته بين أصدقائه تعتمد على نوع الهاتف الخليوي الذي يمتلكه، فإذا لم يتمكن من مواكبة الآخرين، قد يكون أكثر عرضة للمقارنة المستمرة ومشاعر التقليل من الذات والنقص. وقد يقوده أيضًا إلى قياس قيمته بممتلكاته، وليس بشخصيته أو إنجازاته أو علاقاته.

المشكلة لا تكمن في الهاتف نفسه، بل في تحوله إلى معيار غير معلن للقبول الاجتماعي. وهذا يمكن أن يزيد التوتر في الأسرة ويحول النقاش حول شراء جهاز جديد إلى صراع يتجاوز مجرد الاعتبارات المالية.

تم تأكيد أهمية الضغوط الاجتماعية في تشكيل استخدام الشباب للهواتف الذكية في دراسة أجراها باحثون في جامعة شيامن في الصين ونشرت عام 2024 في المجلة العلمية هيليون.

ووجدت الدراسة أن الضغوط الاجتماعية، مثل الرغبة في تقليد الأصدقاء والامتثال لما تمليه المجموعة، تؤثر بشكل واضح على أنماط استخدام الشباب للهواتف الذكية، مما يعكس الدور الذي تلعبه الحاجة إلى القبول الاجتماعي في تشكيل سلوكهم الرقمي.

فكيف تتعامل الأسرة مع هذه الضغوط؟

وتذكر أن الحل لا يبدأ بشراء الهواتف المحمولة أو حظرها، بل يبدأ بالمحادثة. ومن المهم أن يفهم الآباء الدافع الحقيقي وراء طلبات أبنائهم: هل يحتاجون حقًا إلى إمكانيات الجهاز أم أنهم ببساطة خائفون من الشعور بالاختلاف عن أصدقائهم؟

ويوصى أيضًا بإشراك الأطفال في مناقشات ميزانية الأسرة حتى يفهموا أن القرارات المالية لا تعتمد على الأهواء والرغبات، بل على الأولويات. وهذا يساعد على غرس الشعور بالقيمة مقابل المال وفهم أن شراء الأجهزة الإلكترونية هو قرار تحدده الظروف العائلية، ولا يتأثر بضغوط السوق أو ضغط الأقران.

من المفيد أيضًا الاتفاق على قواعد واضحة مسبقًا، مثل تحديد تاريخ لاستبدال الهاتف، أو، إن أمكن، جعل طفلك يشتري الجهاز الجديد بجزء من التكلفة.

ولا تساعد هذه الخطوات في التحكم في التكاليف فحسب، بل تغرس أيضًا قيم المسؤولية والقدرة على تأجيل المطالب. هذه هي المهارات التي يحتاجها الأطفال في العديد من مجالات الحياة، وليس فقط عند شراء الهاتف.

المشكلة ليست في الآيفون نفسه؛ ولكن بالنسبة لبعض المراهقين، فقد اكتسب معنى كرمز للقبول والانتماء. ولذلك يرى خبراء تربويون أن دور الأسرة يتجاوز تنظيم استخدام الهواتف المحمولة، ليشمل بناء الثقة بالنفس لدى الأطفال وتعليمهم أن قيمتهم لا تقاس بعلامة تجارية أو جهاز إلكتروني.

ستتغير الأجهزة باستمرار، لكن القدرة على مقاومة الضغوط الخارجية واتخاذ قرارات مستنيرة ستظل من أهم المهارات التي يحتاجها الأطفال.