المعنى الحقيقي لـ«الشجاعة» في فلسفة أرسطو الأخلاقية
يرى أرسطو أن «الشجاعة» وسط بين «التهوّر» و«الجبن»؛ أي أن يشعر الإنسان بخوف يتناسب مع الموقف أمام الخطر، لكنه يتحلى بجرأة وثقة كافيتين تجعله يتصرف وفق العقل والحكمة.
أرسطو، الفيلسوف اليوناني الذي عاش من 384 إلى 322 قبل الميلاد، اعتبر الشجاعة هي القدرة على القيام بعمل مشرف في مواجهة الخطر. لقد قدم الشجاعة في ساحة المعركة كمثال بارز على هذه الفضيلة.
بحسب تقرير فاراديد. كتب أرسطو ما لا يقل عن اثنتين وربما ثلاث أطروحات حول الأخلاق؛ ومع ذلك، هناك اختلاف في الرأي حول عددهم الدقيق. أشهر مؤلفاته الأخلاقية هو كتاب الأخلاق النيقوماخية، والذي يحتوي على أهم آرائه حول كيفية عيش حياة طيبة وسعيدة. ولا تزال أفكار هذا الكتاب، رغم مرور أكثر من ألفي عام، مهمة لفهم سلوك الإنسان واختياراته.
فهم الخوف والخطر وكيف نتفاعل مع المواقف المهددة
وفي الكتاب الثالث من الأخلاق النيقوماخية، وخاصة الفصول 6 إلى 9، عند الحديث عن فضيلة الشجاعة، يوضح أرسطو أنها الحل الوسط بين التهور والخوف. وهاتان الحالتان متناسبتان عكسيا: كلما زاد الخوف، قل الخوف، والعكس صحيح.
ومع ذلك، فإن الشجاعة لا تعني ببساطة أن تكون في مكان ما بين الخوف والتهور. وفقا لأرسطو، تتجلى الشجاعة قبل كل شيء في مواجهة ما يسبب الخوف. والسبب في ذلك هو أن تحمل الألم أصعب من التخلي عن المتعة. وهكذا، فإن الشخص الذي يثابر في مواجهة الشدائد يظهر فضيلة لا يمكن تفسيرها بمجرد الثقة أو الإثارة.
ينشأ الخوف من توقع نوع من الشر أو الأذى. ولذلك فإن الخوف ليس مجرد عاطفة عابرة، بل يرتبط باعتقاد أو حكم حول إمكانية حدوث ضرر في المستقبل. ومع ذلك، ليس كل الخوف سيئًا، وليس كل الخوف مسألة شجاعة. على سبيل المثال، الخوف من الإضرار بالشخصية الأخلاقية أو تشويه السمعة يمكن أن يكون صحيًا ومفيدًا.
كما أن من لا يخاف من العقاب العادل ليس بالضرورة شجاعًا؛ قد يكون مثل هذا السلوك قريبًا من الوقاحة. وينبغي للإنسان أن يندم على الخطأ الذي ارتكبه، ويخشى الرذيلة التي قادته إلى تلك الجريمة.
ولتوضيح معنى الشجاعة، يعتبر أرسطو الموت هو المثال الأكثر تطرفًا والمثال النهائي للخوف. ثم يعتبر أن الشجاعة في ساحة المعركة هي أشرف أشكال مواجهة هذا الخوف؛ لأنه في المواقف التي يعرض فيها الإنسان كل شيء للخطر، تنكشف السمات الحقيقية لشخصيته. لذلك، الشجاعة تعني القدرة على الوقوف بثبات في موقف قد يفقد فيه المرء كل ممتلكاته.
إيجاد حل وسط بين التهور والجبن
يعتقد أرسطو أن البشر يتفاعلون بشكل مختلف مع المواقف الرهيبة. وبطبيعة الحال، قد تكون بعض الأحداث، مثل الزلازل أو الفيضانات المدمرة، خارج نطاق احتمال الإنسان. ترتبط الشجاعة بالمواقف التي يكون الإنسان قادراً على مواجهتها وتحمل صعوباتها.
عند اتخاذ القرار، يأخذ الشخص الشجاع في الاعتبار الخصائص المختلفة للعمل: مدته، والوقت المناسب للقيام به، والشخص أو الشيء الذي يستهدفه العمل، والأدوات والمعدات المستخدمة، وطريقة تنفيذ العمل، والدافع للقيام به. ويقيس هذه العوامل حسب الظروف ويتحرك للوصول إلى هدف شريف؛ أو على الأقل يرفض الاستسلام والتراجع والهروب في موقف يكون فيه مثل هذا الأمر عارًا.
ونتيجة لذلك فإن الشجاعة كحد وسط تعني أن يخاف الإنسان من المخاطر التي يجب أن يخاف منها حقاً وعقلانياً ولا يتجاهل المخاطر؛ لكن بالرغم من هذا الخوف، تابع حسب حكمك العقلاني.
ووفقا لأرسطو، فإن الإفراط في هذا السياق له شكلان. الشكل الأول، على الرغم من ندرته الشديدة، يرتبط بشخص لا يخاف من أي شيء على الإطلاق. يعتبر أرسطو مثل هذا الشخص مجنونًا أو يفتقر إلى الإحساس الصحيح بالخطر. الشكل الأكثر شيوعًا للإفراط هو التهور.
الشخص المتهور ليس شجاعا لأن هدفه ليس بالضرورة أن يفعل شيئا مشرفا. يريد في الغالب أن يبدو شجاعًا، لذلك يبالغ في تقدير قدراته ويتحمل مسؤوليات تفوق طاقته. عندما يواجه صعوبة حقيقية، تنهار ثقته الزائفة ويتوقف عن المضي قدمًا. ولذلك فإن التهور هو مزيج من الرغبة الشديدة في الظهور بمظهر الشجاعة ونوع من الجبن الخفي.
ومن ناحية أخرى، فإن الرذيلة الناجمة عن النقص هي الجبن. الجبان إما أن يكون خائفًا بشكل مفرط أو يخاف من أشياء لا ينبغي أن تكون مصدرًا للخوف. ووفقا لأرسطو فإن مثل هذا الشخص قد يقع في حالة من اليأس ويجد نفسه غير قادر على التصرف والمضي قدما ومواجهة التحديات الجديدة بنجاح. ونتيجة لذلك، يفقد فرصة النمو وتجربة الحياة.
فالشخص الجبان، والمتهور، والشخص الشجاع قد يواجه نفس الحقائق ولكن يتصرف بشكل مختلف. وفقا لأرسطو، فإن الفرق بين الحياة الجيدة والفشل يظهر في الطريقة التي نواجه بها المواقف.
يميز أرسطو بين الشجاعة الحقيقية والسلوكيات التي لا تحمل إلا مظهر الشجاعة. ويحدد خمسة أنواع من السلوكيات التي يمكن الخلط بينها وبين الشجاعة.
أولاً، هناك من يواجه الخطر خوفاً من العقاب أو من أجل الشهرة والشرف. لا يمكن الوثوق بسلوك هؤلاء الأشخاص، لأن دافعهم الأساسي ليس الالتزام المبني على أهداف شريفة، بل يتأثرون بالعواقب السلبية أو المكافآت الخارجية.
والفئة الثانية هي الأشخاص الذين يتصرفون بشجاعة بسبب خبرتهم أو مهارتهم. قد يؤدي هؤلاء الأفراد أداءً رائعًا في مواقف مألوفة، لكنهم يترددون عندما يواجهون خطرًا غير مألوف. لذلك، تعتمد شجاعتهم على المهارة والوعي بالموقف أكثر من اعتمادها على ثبات الشخصية.
الفئة الثالثة هم أولئك الذين يدافعون عن أنفسهم بالإثارة عند استفزازهم أو مواجهتهم للعدو. قد تساهم العواطف والغضب في الشجاعة، لكنها لا تحددها وحدها. يجب أن يكون للعمل الشجاع أيضًا حكم صحيح واختيار واعي.
الفئة الرابعة هم الأشخاص الواثقون بسبب النجاحات السابقة ويتصرفون بجرأة لأنهم يتوقعون الفوز مرة أخرى. الثقة بالنفس لدى هؤلاء الأشخاص تعتمد على الظروف واحتمالات النجاح، وليس على الشخصية الأخلاقية المستقرة التي تجعلهم ملتزمين بفعل الشيء الصحيح حتى في مواجهة الفشل.
وأخيرًا، الفئة الخامسة هم الذين يواجهون الخطر جهلًا. قد يبدو هؤلاء الأشخاص شجعانًا، لكن سلوكهم لا يمثل شجاعة حقيقية؛ لأنه وفقا لأرسطو، تتطلب الفضيلة خيارا واعيا. فالشخص الذي لا يدرك الخطر أو لا يدرك حقيقة الموقف لا يمكن اعتباره شجاعًا لمجرد أنه لا يخاف.
باختصار، الشجاعة ليست غياب الخوف ولا الاستعداد لتحمل المخاطر لإثبات قدرات المرء. تتشكل الشجاعة الحقيقية عندما يدرك الإنسان الخطر، ويزنه بالعقل، وعلى الرغم من الخوف المناسب للموقف، فإنه يسير بوعي في طريق شيء يستحق الدفاع عنه.