السعودية في فخّ مدمّر؛ الشرق الأوسط على أعتاب تغيّر في موازين القوى

برأي كروك، تلعب المشكلات الاقتصادية في أوروبا دوراً أيضاً في تشكيل هذا المناخ السياسي. ويشير إلى الوضع الاقتصادي في ألمانيا، والهزائم الانتخابية للحزب الحاكم، واستمرار برامج تعزيز الجيش في هذا البلد. وكان منشور «السعودية في فخّ مدمّر؛ الشرق الأوسط على أعتاب تغيّر في موازين القوى» قد ظهر للمرة الأولى على موقع سفير أرجان.

وفقاً للسفير أرجان، أنت تقرأ رواية أليستير كروك عن الأزمة العربية السعودية، وانسحاب أمريكا، ومستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

الجزء الأول: أوروبا على طريق تصاعد التوترات مع روسيا

يبدأ أليستير كروك، الدبلوماسي البريطاني السابق، هذه المحادثة بمناقشة المناخ السياسي في أوروبا وزيادة التحذيرات بشأن احتمال الحرب مع روسيا. ومن وجهة نظره فإن ما يجري في أوروبا يتجاوز الخوف من روسيا؛ تعمل الحكومات الأوروبية على خلق المناخ الذي يهيئ المجتمع لاحتمال حدوث مواجهة عسكرية.

ويشير كروك إلى تصريحات السلطات البريطانية والفرنسية والألمانية ويقول إنه كانت هناك توصيات في المملكة المتحدة بشأن تخزين المياه والغذاء لحالات الأزمات. كما يحذر بعض السلطات والخبراء في وسائل الإعلام من احتمال نشوب حرب ويطلبون من الناس الاستعداد لعواقبها.

لكنه يعتقد أن الرأي العام الأوروبي لم يتصالح بعد مع أجواء الحرب هذه بشكل كامل. ومع ذلك، تزايدت الضغوط الإعلامية والسياسية لإثارة المخاوف بشأن الحرب.

الهجمات على روسيا وخطر سوء التقدير

ويشير كروك كذلك إلى قرار دونالد ترامب بالتوقيع على مجموعة جديدة من العقوبات ضد روسيا وفرض عقوبات على أحد البنوك الروسية الكبرى. ووفقا له، تم في الوقت نفسه تنفيذ هجمات واسعة النطاق ضد موسكو، وتم، حسب روايته، تحييد معظمها بواسطة الدفاعات الجوية الروسية.

ووفقا لكروك، كان لتوقيت هذه الهجمات أهمية خاصة؛ لأنها حدثت في اليوم الأخير من انتخابات مجلس الدوما الروسي. ويعتبر هذا الإجراء محاولة لتعطيل العملية الانتخابية؛ وهي محاولة، بحسب قوله، لم تؤت ثمارها.

وفي الوقت نفسه، استمرت أيضًا الهجمات على مصافي التكرير الروسية. ويقول كروك إنه حتى واشنطن حذرت من عواقب هذه الهجمات، حيث أن الأضرار التي لحقت بقدرة التكرير في روسيا وسط النقص العالمي في وقود الديزل يمكن أن تؤدي إلى تفاقم أزمة الوقود.

لماذا تتجه أوروبا نحو الحرب؟

ويتساءل كروك عن سبب استمرار الضغوط لتصعيد الصراع، على الرغم من المخاطر الاقتصادية والعسكرية.

وهو يعتقد أن جزءاً من الحسابات السياسية الأوروبية يرتكز على افتراض مفاده أن فلاديمير بوتين يمكن أن يتعرض للضغوط الكافية للرد أخيراً ضد إحدى الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. وفي مثل هذه الحالة، تثار إمكانية تفعيل آلية الدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي.

ويذكّر بأن المادة الخامسة من معاهدة الناتو لا تعني بالضرورة الدخول التلقائي لجميع الأعضاء في الحرب، وكل دولة تقرر تصرفاتها وفق آليات المعاهدة.

من وجهة نظر كروك، تلعب المشاكل الاقتصادية لأوروبا أيضًا دورًا في تشكيل هذه البيئة السياسية. ويذكر الوضع الاقتصادي في ألمانيا والهزائم الانتخابية للحزب الحاكم واستمرار خطط تعزيز جيش البلاد.

ووفقا له، فإن أوروبا ليست مستعدة بما فيه الكفاية لمواجهة العواقب المحتملة لأزمة الطاقة، بما في ذلك نقص الديزل والبنزين وحتى تقنين الوقود.

ويعتقد كروك أن منع التعديل التدريجي للأسعار يمكن أن يتسبب في تحول النقص فجأة إلى أزمة حادة بدلا من الظهور تدريجيا. ويشير إلى طوابير الشاحنات الطويلة للحصول على الوقود في بعض مناطق فرنسا ويحذر من تفاقم هذا الوضع.

الخوف أداة لإعداد الرأي العام

ولتوضيح دور الخوف في إدارة الرأي العام، يشير كروك إلى عصر جائحة كوفيد. وفي رأيه، كما ساعدت بعض الصور والروايات في تلك الفترة على تكثيف القلق العام، فإن الخوف من الحرب يمكن أن يصبح الآن أداة لإعداد المجتمع.

ويحذر من أن الهجمات المستمرة على المصافي الروسية وهجمات الطائرات بدون طيار واسعة النطاق، خاصة في الأوقات الحساسة سياسيا، قد تدفع موسكو إلى الرد. وفي مثل هذه الحالة، يمكن أن يؤدي سوء التقدير إلى انتشار الصراع.

الجزء الثاني: السعودية والحوثيون وانسحاب الولايات المتحدة

وفي استمرار للحديث مع مقدم البرنامج ريتشارد نابوليتانو، ينتقل التركيز من أوروبا إلى الشرق الأوسط ووضع السعودية ضد الحوثيين اليمنيين.

وتشير نابوليتانو إلى تقارير تفيد بأن دونالد ترامب أمر الجيش الأمريكي بالاستعداد لمهاجمة قواعد الحوثيين، لكن تم التراجع عن هذا القرار لاحقًا.

ويعتقد كروك أنه من أجل فهم هذا التغيير في الموقف، ينبغي للمرء أن يدرس تقييم الجيش الأمريكي للوضع في الميدان. ووفقا له، فقد توصل الجيش الأمريكي إلى استنتاج مفاده أن جهود المملكة العربية السعودية للتعامل مع الحوثيين واجهت فشلا ذريعا.

ووفقاً لرواية كروك، نظمت المملكة العربية السعودية سلسلة من القوات القبلية والجماعات المسلحة لمواجهة الحوثيين؛ لكن هذه القوات لم يكن لديها قيادة موحدة وتنسيق عملياتي ودعم لوجستي كاف.

ويقول إن القوات التابعة للسعودية تتراجع وفي الوقت نفسه تلاحظ تغيرات في موقف القبائل اليمنية.

وبحسب كروك، فإن الحوثيين يتفاوضون مع قبائل مختلفة منذ فترة طويلة، وحتى بعض القبائل التي كانت في الجبهة ضدهم أصبحت الآن قريبة من هذه المجموعة.

ويعتبر أن أحد أسباب هذا التغيير هو انخفاض قدرة السعودية المالية على دفع تكاليف القوات والجماعات التي تشكلت لمحاربة الحوثيين.

جغرافية اليمن؛ عقبة أمام العمليات العسكرية الأمريكية

ويرى كروك أن البنية الجغرافية لليمن، وخاصة المناطق الجبلية التي يصعب الوصول إليها، تجعل العمليات العسكرية ضد الحوثيين صعبة.

وبحسب قوله، فقد استقر الحوثيون في مناطق تجعل من الممكن تهديد مضيق باب المندب. وهي لا تحتاج بالضرورة إلى صواريخ باليستية باهظة الثمن لتشكل مثل هذا التهديد، ويمكنها استخدام معدات أبسط مثل المدفعية.

كما يؤكد على القدرة العالية على الحركة لقوات الحوثيين. وتتحرك هذه القوات بسرعة، وعلى عكس الجيوش التقليدية، ليس لديها بالضرورة أهداف كبيرة وثابتة يمكن استهدافها بسهولة.

ومن وجهة نظر كروك، فإن تجربة الهجمات الأمريكية السابقة، بما في ذلك الهجمات على البنية التحتية المدنية، تظهر أن القوة الجوية وحدها لا يمكنها بالضرورة إيقاف الحوثيين.

ويخلص إلى أن الدخول المباشر للولايات المتحدة في الحرب قد يكون له تأثير عكسي، وإذا تصاعد الصراع فإن البنية التحتية للطاقة السعودية ستتعرض لهجمات أكثر من ذي قبل.

ولتفسير هذا الخطر، يشير كروك إلى قدرة الحوثيين على استخدام الصواريخ وصواريخ كروز والطائرات بدون طيار، ويدعي أن هجماتهم السابقة على منشآت الطاقة والبنية التحتية في المملكة العربية السعودية أظهرت أن البلاد عرضة لمثل هذه التهديدات.

انسحاب أميركا؛ ضربة لمحمد بن سلمان

وبحسب كروك، فإن قرار ترامب بالامتناع عن الدخول المباشر في الحرب لصالح السعودية ليس قرارا عسكريا فقط؛ بل إن لها عواقب سياسية مهمة بالنسبة لمحمد بن سلمان.

ويعتقد أن ولي العهد السعودي اعتمد على دعم أمريكا لفترة طويلة واعتبر هذا الدعم أحد الركائز الأساسية لسلطته الأمنية والسياسية. الآن، وفقًا لكروك، من الواضح أن واشنطن ليست بالضرورة مستعدة للدخول في حرب مكلفة لإنقاذ المملكة العربية السعودية.

ولتفسير حساسية هذا الوضع، يشير كروك إلى اعتقال عدد من الأمراء ورجال الأعمال والمؤثرين السعوديين في فندق الريتز كارلتون عام 2017. ورافق هذا الإجراء، الذي تم تنفيذه في إطار الحرب المعلنة على الفساد، تلقي مبالغ مالية ضخمة من بعض المعتقلين.

ويعتقد أن هذا الحدث أثار استياء أجزاء من العائلة المالكة وشبكات السلطة في السعودية، والآن، في سياق انخفاض الموارد المالية، قد يصبح موقف محمد بن سلمان أكثر هشاشة.

ويرى كروك كذلك أن مشكلة المملكة العربية السعودية ليست عسكرية فقط؛ علاوة على ذلك، فإن القوة المالية لهذا البلد مهمة أيضًا للحفاظ على شبكة الحلفاء والقوات التابعة لهم.