لماذا علينا أن نتدرب على «الملل» عشرين دقيقة يوميًا؟

كلنا نلجأ إلى الهاتف هربًا من الملل، غافلين عن أن هذا الهروب يعمّقه. ممارسة عشرين دقيقة من عدم فعل شيء يوميًا تُخرج الدماغ من حالة التحفيز الطارئ، وهذا الفعل الجذري يهيّئ مساحة للإبداع والتركيز وإعادة ضبط الانتباه.

في بعض الأحيان تشعر بالملل دون سبب واضح. تفتح الكتاب، وتقرأ فقرة، ثم تضعه جانبًا وتذهب إلى الهاتف، وتقرأ ثلاث جمل من النص وتضع الهاتف جانبًا مرة أخرى، وتلتقط الكتاب، وتقرأ نصف فقرة، وتتصل مرة أخرى. تستغرق هذه الدورة حوالي عشرين دقيقة قبل أن تستسلم وتقول لنفسك إنني متعب وتفتح موقع YouTube.

إذا كان هذا الوصف يبدو مألوفًا لك، فاعلم أنك لست وحدك. الملايين من الناس يكررون نفس النمط، نفس البلادة، مرارا وتكرارا ليلا ونهارا، دون أن يدركوا أين تكمن المشكلة.

لماذا 20 دقيقة من الكسل يوميا توفر التركيز والإبداع؟

وقد روى كاتب على موقع Medium هذه التجربة بتفصيل كبير. كان يقرأ كتابين في الأسبوع، لكنه وصل إلى حد أنه لم يعد يستطيع إنهاء كتاب واحد. لكن ما "تم كسره" لم يكن، كما يقول، "مدى الاهتمام" - وهذا تبسيط مبالغ فيه.

ما تم كسره هو التسامح مع الانزعاج الخاص الناتج عن عدم التحفيز. لقد قام ذات مرة، من خلال آلاف القرارات الصغيرة، بتدريب دماغه على تجربة "غياب المدخلات" كحالة طارئة.

وهذا هو بالضبط ما يسمى "التعصب الملل" في الأدبيات النفسية.

في مشروع من خمس دراسات شارك فيه 874 مشاركًا، وجد باحثون من جامعة تورنتو أنه عندما يشعر الناس بالملل، فإنهم ينخرطون في "التبديل الرقمي" - أي القفز بين مقاطع الفيديو، والتقديم السريع، والتمرير بلا هدف.

ولكن هنا تكمن المفارقة: هذا التحول بالذات، بدلاً من تقليل الملل، يؤدي إلى تفاقمه.

فيزداد الملل، ويقل الرضا، ويقل الاهتمام بالانتباه، ويقل الإحساس بالمعنى.

بكل بساطة: في كل مرة تقوم فيها بالهروب من الملل، فإنك في الواقع تعمق الملل.

حتى الآن، قد تعتقد أن القصة تدور حول "العادة السيئة" فقط. لكن علم الأعصاب يرسم صورة أكثر إثارة للاهتمام.

عندما لا يكون الدماغ مشغولاً بأي مهمة خارجية، يتم تنشيط شبكة عصبية تسمى شبكة الوضع الافتراضي (DMN).

هذه الشبكة هي بالضبط ما يتم تشغيله عندما "لا تفعل شيئًا"، حيث تقوم بتوصيل الذكريات المتناثرة، ومحاكاة المواقف المستقبلية، وربط المفاهيم التي تبدو غير ذات صلة.

هذه هي العملية التي تكمن وراء التفكير الإبداعي والرؤى الاستراتيجية.

وبحسب الأبحاث فإن هذه العلاقة ليست مجرد صدفة؛ لا يقتصر الأمر على أن الأشخاص المبدعين يصبحون أكثر مللاً. يساعد الملل ووقت الفراغ الدماغ على أن يكون أكثر إبداعًا.

في إحدى الدراسات، قام العلماء بتعطيل جزء الدماغ الذي يتم تنشيطه عندما لا نفعل شيئًا مؤقتًا (شبكة الوضع الافتراضي).

وكانت النتيجة أن الناس أصبحوا أضعف في توليد أفكار جديدة. أي أن نفس الجزء الذي يضيء في الكسل ضروري للتفكير.

وفي دراسة أخرى نشرت في مجلة Communications Biology، وجد الباحثون أنه يمكن التنبؤ بإبداع الناس من خلال عدد المرات التي يتحول فيها دماغهم بين حالتين: التركيز وفك الارتباط.

وكلما تحرك الدماغ بسهولة بين هاتين الحالتين، كلما خلق الشخص أفكارًا أكثر تنوعًا.

ببساطة، الإبداع لا يقتصر فقط على الذكاء أو الموهبة.

ويعتمد ذلك أيضًا على قدرة الدماغ على التبديل بين "التركيز" و"الترك".

لكن الحياة المزدحمة والصاخبة اليوم تمنع هذه الحركة بالضبط ولا تسمح للدماغ بالوصول إلى حالة من الاسترخاء.

"حسنًا، أليس هذا ما يفعله التأمل أو اليقظة الذهنية؟" قد تسأل. ليس تماما.

عادة ما يكون للتأمل مهمة: الانتباه إلى التنفس، إلى الجسد، إلى حد ما. العقل مشغول بـ "عمل".

ولكن ما يقترح هنا هو شيء أكثر جذرية: عدم القيام بأي شيء، وعدم القيام بأي شيء.

لا يوجد تركيز على التنفس، ولا فحص للجسم، ولا تعويذة. مجرد الجلوس وترك العقل يهيم.

هذا هو الفرق الرئيسي. عندما تتأمل، فأنت لا تزال "تفعل" شيئًا ما.

لكن عندما تجلس مع الملل، يضطر الدماغ إلى عبور تلك المساحة الفارغة والعودة إلى حالته الافتراضية.

من المسلم به أن هذا غير مريح في البداية.

يُظهر تقرير من Mayo Clinic ومقابلات مع متخصصين في الصحة العقلية أنه في الأيام الأولى، يكون الدماغ مقاومًا للغاية.

وفي تجربة تجريبية للإقلاع عن استخدام الهواتف الذكية، عانى نصف المشاركين من القلق الشديد أو الملل في المراحل المبكرة.

هذا أمر طبيعي. إن الدماغ الذي تم تدريبه لسنوات على أن "أي لحظة من عدم التحفيز = حالة طارئة يجب حلها على الفور" يقاوم المساحة الفارغة.

لكن هذه المقاومة ليست علامة على أنك تقوم بالأمور بشكل خاطئ؛ إنها علامة على أنك تقوم بتدريب عضلة لم يتم استخدامها لسنوات.

التمرين لمدة 20 دقيقة: كيف تبدأ

الاقتراح العملي بسيط، ولكن من الصعب تنفيذه. اجلس لمدة عشرين دقيقة يوميًا ولا تفعل شيئًا. لا هواتف ولا كتب ولا ملفات صوتية ولا تأملات موجهة. مجرد الجلوس

إذا كان عقلك يذهب إلى الماضي أو المستقبل، فلا بأس. لا بأس إذا شعرت بالقلق. وعندما تفكر، "هذا عديم الفائدة،" فلا بأس.

كل ذلك جزء من العملية. الهدف ليس "الوصول إلى السلام" أو "تجربة الإبداع". الهدف هو الصمود فقط.

التسامح مع تلك الفجوة بين "الحاجة إلى التحفيز" و"الاستجابة للتحفيز".

في البداية، يمكنك البدء بـ 5 دقائق ثم زيادتها تدريجيًا إلى 20 دقيقة.

اختر وقتًا تقل فيه احتمالية تعرضك للإزعاج — في الصباح قبل تشغيل هاتفك، أو في الليل بعد إيقاف تشغيل الشاشات.