لقد تعلم طريقة محاربة إسرائيل من وسائل إعلامه
تعلم الشهيد يحيى السنوار اللغة العبرية ودرس الإعلام الإسرائيلي أثناء أسره. وهو النهج الذي جعل معرفة البيئة السياسية والإعلامية لهذا النظام جزءا من تجربته الانتخابية.
زهرة اسكندري سفيرة مجموعة أرجان للثقافة والثقافة: رجل جريح يجلس على كرسي بين أنقاض مبنى في رفح. يده مصابة ووجهه مغطى بقطعة قماش وتقترب منه طائرة إسرائيلية بدون طيار. وفي اللحظات الأخيرة من حياته، قام برمي قطعة من الخشب باتجاه الطائرة بدون طيار؛ حركة قصيرة أصبحت واحدة من أكثر الصور ديمومة لحرب غزة. كان هذا الإطار هو الصورة النهائية ليحيى السنوار، أحد قادة حركة حماس؛ وبعد نشرها، أعيد نشر الصورة مرات عديدة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ووجدت لدى جزء من الجمهور العربي والمسلم معنى يتجاوز تسجيل اللحظات الأخيرة لزعيم سياسي.
الصورة التي نشرها الجيش الإسرائيلي للحظات الأخيرة للسنوار كان من المفترض أن تظهر مشهد مقتل أحد أهم قادة حماس؛ لكن انعكاسها لم يقتصر على رواية واحدة. وبينما تم تقديم هذه الصور في الرواية الرسمية لإسرائيل كدليل على هزيمة حماس، فسر العديد من أنصار فلسطين والمقاومة نفس الإطار على أنه رمز للوقوف في ظروف الحصار وحتى آخر لحظات الحياة. أظهرت إعادة نشر الصور على نطاق واسع وتشكيل الأعمال الفنية المستوحاة منها، أن الصورة يمكن أن تتجاوز سياق نشرها الأولي وتصبح جزءًا من الذاكرة الإعلامية للصراع.
لكن لكي نفهم سبب استمرار هذه الصورة، لا بد من العودة إلى حياة رجل حاول، خلال سنوات نشاطه السياسي، بالإضافة إلى كونه عضوا في هيكلية حماس ولعب دورا في التطورات في غزة، أن يتعرف أيضا على المجتمع الإسرائيلي ووسائل الإعلام؛ رجل تعلم العبرية وتابع إعلام الطرف الآخر واعتبر معرفة العدو جزءا من مواجهته.
ولد يحيى السنوار في مخيم خان يونس عام 1962، لعائلة فلسطينية هجرت أرضها بعد حرب 1948 وتهجير الفلسطينيين. إن تجربة العيش في مخيم للاجئين والدراسة في الجامعة الإسلامية بغزة والدخول في الأنشطة السياسية شكلت مسار حياته. اعتقل عام 1988 وحكم عليه بالسجن المؤبد، وكانت تلك بداية فترة طويلة من الأسر استمرت حتى عام 2011؛ عندما تم إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في اتفاقية تبادل الأسرى المعروفة باسم وفاء الأحرار.
فهم إسرائيل من خلال عدسة اللغة والإعلام
لكن سنوات سجن السنوار لم تكن مجرد فترة حرمان وابتعاد عن مجال النشاط السياسي. لفهم أهمية هذا الجزء من حياة السنوار، تجدر الإشارة إلى أن اللغة ليست وسيلة التواصل الوحيدة؛ إحدى طرق الوصول إلى طريقة تفكير المجتمع هي معرفة حساسياته السياسية وفهم الروايات التي يخلقها عن نفسه وعن أعدائه. ومن خلال تعلم اللغة العبرية ومتابعة وسائل الإعلام الإسرائيلية، تمكن السنوار من متابعة تطورات هذا المجتمع من مصادره الرئيسية واكتساب فهم مباشر أكثر للجو السياسي والاجتماعي في إسرائيل.
قراءة الصحف والاستماع إلى الراديو والتعرف على رواية وسائل الإعلام الإسرائيلية، أتاحت له قراءة وسماع أخبار وتحليلات الطرف الآخر دون الاعتماد كليًا على الترجمات والتفسيرات. وتؤكد الروايات المنشورة عنه إتقانه للغة العبرية ومعرفته بسياسة إسرائيل الداخلية. ويقال إن السنوار قال عن معرفته بالبيئة الإعلامية الإسرائيلية إنه يستطيع كتابة افتتاحية بدلاً من رئيس تحرير إحدى الصحف الإسرائيلية.
وينبغي النظر إلى أهمية هذه المعرفة بما يتجاوز القدرة اللغوية. في الصراعات السياسية والعسكرية، لا تقوم وسائل الإعلام بنقل الأخبار فحسب؛ إنهم يلعبون دورًا في تشكيل التصور العام للقوة والضعف والنصر والهزيمة وحتى مستقبل الصراع. إن معرفة هذه الآليات تساعد الناشطين السياسيين على فهم كيفية تفسير الطرف الآخر للأحداث، وما هي القضايا التي يتأثرون بها، وما هي الصورة التي يقدمونها لمجتمعهم.
ومن هذا المنطلق، تعتبر حياة السنوار مثالا يحتذى به للارتباط بين ساحة المعركة وميدان المعرفة والسرد. وفي التعامل مع إسرائيل اهتم أيضاً بمعرفة لغتها وبيئتها الإعلامية. وبطبيعة الحال، لا ينبغي اعتبار هذا الاعتراف هو السبب الوحيد لنجاح عملية اقتحام الأقصى؛ ويعتمد تصميم وتنفيذ مثل هذه العملية على مجموعة من العوامل السياسية والاستخباراتية والعسكرية والتنظيمية. لكن الجانب الإعلامي من حياة السنوار يظهر أن معرفة العدو، في ذهنه وتجربته، لم تقتصر على المواجهة المباشرة.
وتزداد أهمية هذه القضية اليوم، حيث تدور حروب على أرض الواقع وفي الفضاء الإعلامي في الوقت نفسه. قد تكون الصورة العامة لحدث ما مؤثرة في تشكيل الإدراك العام مثل الحدث نفسه. وفي بعض الأحيان، وبسبب سماتها البصرية والدلالية، تتجاوز الصورة الخبر الأولي وتصبح إشارة إلى أن الجمهور يتذكر مجموعة من المفاهيم والمشاعر عندما يراها.
من اقتحام الأقصى إلى الإطار الأخير لرفح
ويترأس السنوار حركة حماس في قطاع غزة منذ فبراير 2017، وبعد استشهاد إسماعيل هنية في طهران، تم انتخابه رئيسا للمكتب السياسي لهذه الحركة في أغسطس 2024. وعرف بأنه أحد الشخصيات المركزية وأحد المخططين الرئيسيين لعملية اقتحام الأقصى في 7 أكتوبر 2023؛ عملية تحدت المعادلات الأمنية لإسرائيل وبدأت حرباً واسعة النطاق في غزة.
ودور السنوار في هذه العملية وضع اسمه في دائرة الضوء في وسائل الإعلام العالمية. لكن نهاية حياته، بسبب الصور التي نشرت للحظات الأخيرة من الصراع، شكلت شكلاً آخر من أشكال التمثيل الإعلامي.
وفي 16 أكتوبر 2024، استشهد السنوار خلال اشتباك مع جنود إسرائيليين في حي تل السلطان برفح. وأظهرت الصور المنشورة من مكان الصراع وجوده في مبنى مدمر؛ أصيب في ظروف صعبة وفي اللحظات الأخيرة من مواجهة القوات الإسرائيلية. وفي إحدى هذه الصور، يرمي قطعة خشب باتجاه طائرة إسرائيلية بدون طيار؛ حركة قصيرة أصبحت أحد العناصر الرئيسية للمعنى الرمزي للصورة في الطبعات اللاحقة.
وسرعان ما تجاوز هذا الإطار نطاق التقرير الميداني. ونشرتها وسائل الإعلام ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي عدة مرات، وفي روايات مناصري فلسطين والمقاومة، تم تفسير الصورة على أنها إشارة للوقوف في ظروف الحصار واللامساواة العسكرية. في هذا التمثيل، لم يكن المهم مجرد لحظة وفاة أحد قادة حماس؛ بل كانت صورة لشخص كان، حتى في اللحظات الأخيرة، يواجه قوة مجهزة بمعدات متطورة ولم يتوقف عن المواجهة.
عندما تتجاوز الصورة الخبر
في الأيام التي تلت استشهاد السنوار، أعيد إنتاج صورة لحظاته الأخيرة بأشكال مختلفة؛ من إعادة النشر على الشبكات الاجتماعية إلى الملصقات والأعمال الفنية والمحتوى الإعلامي. هذا التكرار حوّل الصورة من وثيقة لحظة معينة إلى علامة يمكن التعرف عليها؛ إشارة أثارت لدى جزء من الجمهور مفاهيم مثل المقاومة والثبات وعدم قبول الاستسلام.
ومن النقاط المهمة في هذه العملية هو الفرق بين نشر الأخبار وصنع الرمز. تسجل الأخبار حدثًا في وقت ومكان محددين؛ لكن الرمز يخلق معنى أوسع من ذلك الحدث ويسمح للجمهور بربطه بتجاربهم ومعتقداتهم ومثلهم العليا. الصورة النهائية للسنوار سلكت هذا الطريق في وسائل الإعلام الداعمة للمقاومة.
وفي هذه الأثناء، لعب التكرار دورا حاسما. وفي كل مرة يتم نشر الصورة على الصفحة، تكون مصحوبة بوصف أو عنوان أو تعليق. واعتبرها البعض علامة على مناعة الإرادة الإنسانية، وأكد آخرون على التناقض بين الحالة المادية للسنوار والقدرات العسكرية للطرف الآخر. ونتيجة لذلك، انفصلت الصورة تدريجياً عن لحظة في ميدان الصراع وأصبحت جزءاً من رواية المقاومة في إطار أوسع.
ويبين هذا الاتجاه أنه في بيئة الإعلام اليوم، لا تعتمد متانة الصورة على جودتها البصرية فحسب؛ السياق التاريخي والشخص الموجود في الصورة ووقت النشر وطريقة إعادة النشر مهم أيضًا. وبهذا المعنى، فإن الصورة النهائية للسنوار تحمل عدة خصائص: فهو بالفعل شخصية معروفة في التطورات الفلسطينية؛ لقد وقع استشهاده في منتصف حرب غزة؛ وكان للإطار المنشور للحظاته الأخيرة قدرة عالية على التفسير الرمزي بسبب التناقض بين تدمير البيئة وحالته ووجود الطائرة بدون طيار.
السنوار والذاكرة البصرية لجيل الشباب
وينبغي دراسة تأثير مثل هذه الصور على المراهقين والشباب في السياق الأوسع للاستهلاك الإعلامي للجيل الجديد. بالنسبة للجيل الذي يتلقى جزءًا كبيرًا من معلوماته من شبكات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة والصور والمحتوى المعاد نشره، قد يعلق الإطار المرئي في ذهنه بشكل أسرع وأطول من تقرير طويل. تضغط الصورة تعقيد الحدث في لحظة وجيزة، مما يسمح للجمهور بالارتباط بالمعنى المستخرج منه دون الحاجة إلى الإلمام الكامل بكل التفاصيل التاريخية.
وفي التمثيل الإعلامي للسنوار، ارتبطت هذه السمة بخلفيته السياسية والدور المنسوب إليه في عملية طوفان الأقصى. الجمهور الذي سبق أن سمع اسم السنوار كزعيم لحركة حماس، بعد نشر الصورة النهائية، واجه وجهًا تم تصويره في رواية أنصار المقاومة، ليس في موقف رسمي واحتفالي، بل وسط الدمار والصراع. وقد وفّر هذا الاختلاف الأساس لتكوين رواية حول حضور القائد في الميدان ومكانته حتى اللحظات الأخيرة.
بالنسبة لبعض المراهقين والشباب في محور المقاومة، يمكن أن تصبح هذه الصورة نموذجًا مدمجًا وقابلاً للنقل؛ نمط يجسد مفاهيم مجردة مثل الثبات والمقاومة في مشهد معين. وبهذا المعنى، فإن أهمية الصورة لم تكن فقط فيمن شوهد فيها، ولكن أيضًا في كيفية تفسير الجمهور لها وما هي المفاهيم التي ينقلونها لبعضهم البعض من خلالها.
حرب الروايات؛ مجال آخر لوجه
إن حياة السنوار، من منظور معرفة اللغة والإعلام الإسرائيلي ومصير صورته النهائية، تربط بين وجهين لقضية واحدة: أهمية السرد في الصراع. فمن ناحية، نحن أمام زعيم تعلم العبرية وتتبع إعلام الطرف الآخر ليتعرف بشكل مباشر على أجواءه الفكرية والسياسية. ومن ناحية أخرى، هناك صورة أعيد نشرها إعلامياً بعد استشهاده ووجدت معنى يتجاوز تقرير الحدث العسكري في سياق دعم روايات المقاومة.
وهذان الجانبان، رغم أنهما ليسا متماثلين، يبينان أن وسائل الإعلام ليست وسيلة الإعلام الوحيدة في الصراعات المعاصرة. يعتبر الإعلام مصدرا للمعرفة لدى الطرف الآخر ومساحة لتكوين التصور العام للحدث. يحاول أحد الطرفين إيجاد فهم أكثر دقة للطرف الآخر من خلال دراسة مصادره؛ ومن ناحية أخرى، يمكن للصور والروايات المنشورة من ميدان الصراع أن تؤثر على الذاكرة الجماعية وإدراك الجمهور لذلك الحدث.
ولذلك، فإن فحص الصورة النهائية لسنوار لا يتعلق فقط بالتعامل مع صورة مشهورة؛ القضية هي كيف يتم بناء معناها وتعميمه في الفضاء العام. لماذا تجد صورة واحدة من بين مئات صور الحرب مثل هذه القدرة الدائمة؟ كيف يمكن لتكرار الوسائط أن يحول الإطار إلى رمز يمكن التعرف عليه؟ وما هي العوامل التي تجعل قسماً من جيل الشباب يعتبر تلك الصورة تحمل مفاهيم تتجاوز اللحظة المسجلة فيها؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب الاهتمام في الوقت نفسه بالسياق التاريخي، وخصائص الصورة، والشخصية الحاضرة فيها، وطريقة إعادة نشرها. ولا يمكن أن يقتصر معنى الصورة على نية ناشرها فقط، كما لا يمكن اعتبار الانطباعات المتكونة حولها مستقلة عن الواقع التاريخي. تكتسب الصورة معنى عند تقاطع هذه العوامل؛ قد يكون المعنى مختلفًا بين الجماهير المختلفة.
أهمية هذه القصة لا تقتصر على شخص السنوار. توضح هذه الصورة أنه في عصر الشبكات الاجتماعية، يمكن للإطار أحيانًا أن يتجاوز حدود الزمان والمكان ويصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية. في مثل هذه الحالة، لا يمكن فهم حرب الروايات إلا من خلال فحص الأخبار والمواقف الرسمية؛ وينبغي أن نرى كيف يتم اختيار الصور وإعادة نشرها، وما هي المعاني التي تتشكل حولها ولماذا يبقى بعضها في أذهان الجمهور.