شظايا حرب اليمن تطال أمن المنطقة واقتصاد العالم

التصعيد المقلق للاشتباكات المرتبطة باليمن جعل تطورات منطقة الشرق الأوسط أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، ولا سيما عدة هجمات استهدفت مطار العاصمة السعودية، أسفرت عن مقتل 14 شخصاً على الأقل وإصابة مئات آخرين، ما وسّع نطاق التداعيات الأمنية والاقتصادية لهذه التوترات حتى تجاوز حدود الشرق الأوسط.

وبالإضافة إلى جعل قضية التوتر المعقدة بين إيران وأميركا أكثر صعوبة، فقد أثرت هذه التوترات أيضاً على أمن الطاقة في العالم بشكل أكبر من ذي قبل.

والنقطة التي تلفت الانتباه أكثر من عدد الخسائر البشرية في هذه الحرب هي التغير الكبير في أهداف الحوثيين في السعودية. ووسع الحوثيون نطاق هجماتهم من الأهداف والمنشآت العسكرية إلى مراكز المطارات ومنشآت النفط والغاز. أصبح هذا التغيير في تكتيكات الحوثيين أداة استراتيجية لهم بهدف التأثير على الوضع الجيوسياسي للمنطقة.

وقد انتشرت بالفعل عواقب هذه الاستراتيجية على نطاق واسع خارج المنطقة. وبعد الهجمات على المطارات السعودية ارتفعت أسعار النفط في الأسواق العالمية. بعد مضيق هرمز، الذي أصبح الآن مضيق باب المندب باعتباره ممرين مائيين رئيسيين، يمر كلاهما بظروف صعبة وخطيرة. وتتزايد التكاليف العالمية للطاقة والشحن في نفس الوقت، وفي مثل هذه الحالة، سيكون قطاعا التصنيع والتجارة القطاعات الأكثر عرضة للخطر.

وقامت العديد من الدول بتعليق أو إلغاء رحلاتها إلى السعودية والدول المجاورة، كما أصدرت عدد من الدول تحذيرات من السفر. وتعني هذه العواقب أن تكلفة هذه الحرب لا تتحملها أطراف الحرب فحسب، بل تجبر الاقتصاد العالمي وعدد لا يحصى من الناس العاديين على الدفع.

بالإضافة إلى ذلك، فإن توسع نطاق الصراع في اليمن يرسم منظورًا أمنيًا جديدًا للمنطقة. أدى توقيع "اتفاقية الدفاع عن مكة" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ونشر القوات العسكرية الباكستانية في المملكة العربية السعودية إلى تغيير الترتيبات الأمنية في المنطقة. وحتى أمريكا قالت إنها من المرجح أن تنضم إلى العمليات العسكرية ضد الحوثيين. إذا انضمت قوات من خارج المنطقة إلى العمليات العسكرية ضد الحوثيين، فقد يؤدي ذلك إلى خلق وضع أكثر خطورة وفوضوية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي.

إن الهجمات المستمرة للحوثيين على المطارات السعودية لها عدة نتائج بعيدة المدى:

أولاً: تلفت هذه الهجمات انتباه الولايات المتحدة ومواردها العسكرية. ويجب على واشنطن أن تدرس بعناية ما إذا كانت ستنضم إلى هذه الحرب أو تمتنع عن فتح جبهة جديدة.

ثانياً: لقد وفرت هجمات الحوثيين لإيران ورقة ضغط أخرى وبطاقة رابحة أخرى يمكنها استخدامها في أي وقت لتكون لها اليد العليا في المفاوضات. وكلما زادت تهديدات أميركا بالعمل العسكري، كلما أصبح من الصعب الحصول على تنازلات من إيران فيما يتعلق بالقضايا النووية والعقوبات.

ثالثًا: يعتقد بعض المحللين أن هجمات المطار تسببت في سقوط ضحايا بين المواطنين الأمريكيين، وهو ما قد يولد المزيد من الدعم السياسي داخل الولايات المتحدة لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إيران. ومن ناحية أخرى، في إيران، غالباً ما تصبح الضغوط الخارجية أداة لتعزيز التماسك الداخلي.

ورغم كل هذه الظروف والتوترات الصعبة، إلا أن المأمول هو أن القنوات الدبلوماسية لم تغلق بعد. تبادل السيد عباس عراقجي وفيصل بن فرحان، وزيرا خارجية إيران والمملكة العربية السعودية، وجهات النظر حول التصعيد الأخير للصراعات الإقليمية والجهود المبذولة لتخفيف التوتر في مكالمة هاتفية مساء الأحد. واستأنفت السعودية وإيران العلاقات الدبلوماسية عام 2023 بوساطة الصين. إن قدرتهم على التواصل المباشر بشأن قضية اليمن تظهر أن قنوات الدبلوماسية والحوار بين دول المنطقة لا تزال فعالة.

لقد أظهرت التجارب والحقائق الموضوعية أن الأساليب العسكرية لا تؤدي إلى سلام حقيقي فحسب، بل إن أي تصعيد عسكري سيخلق المزيد من الكراهية والانقسامات العميقة وكارثة إنسانية سيكون التعويض عنها أصعب بكثير.

ويتحرك نحو 12% من التجارة العالمية عبر مضيق باب المندب، وهو رقم مهم للغاية. إن أي ضعف أمني على هذا الطريق السريع، وأي زيادة في أسعار النفط، وإلغاء الرحلات الجوية وما يترتب على ذلك من مشاكل للناس، كلها تشير إلى حقيقة واضحة: لا يمكن لأي طرف أن ينجو من عواقب هذه الحرب. ولن يتسنى لجميع الأطراف فرصة أفضل للعودة إلى طاولة المفاوضات إلا من خلال إبعاد نيران الحرب عن المنشآت المدنية. ولن يساعد ذلك في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في اليمن فحسب، بل سيحافظ أيضًا على أمن طرق الطاقة العالمية والاستقرار الاقتصادي.