ثمانية آلاف حجر من برج الحرية؛ كيف أنقذت التكنولوجيا المهندس الشاب؟

لا يقتصر برج الحرية على فن العمارة ومهارة النحاتين وحدها؛ فخلف أقواس هذا المعلم الرمزي وانحناءاته حسابات معقدة أُنجزت بمساعدة الحواسيب في ستينيات القرن الرابع عشر الهجري (الأربعينيات الشمسية). لكن كيف ساعدت حواسيب ذلك العصر في تركيب آلاف قطع الحجر معاً في إحدى أبقى المنشآت في طهران؟

وبحسب ما نقلته فيرارو عن السفير أرجان؛ من بعيد، يبدو برج آزادي وكأنه بوابة حجرية تربط بين فترتين من التاريخ المعماري الإيراني؛ لكن سر بناء هذا المبنى لا يكمن فقط في أقواسه الطويلة وأحجاره البيضاء. خلف المنظر، الذي أصبح اليوم أحد أكثر صور طهران شهرة، هناك حسابات هندسية معقدة تم تنفيذها بمساعدة أجهزة الكمبيوتر في أواخر أربعينيات القرن الرابع عشر؛ عندما لم يكن الكمبيوتر قد أصبح بعد أداة يومية للمهندسين المعماريين الإيرانيين.

بدأت قصة برج آزادي عام 1345؛ عندما تم طرح تصميم مبنى تذكاري للمنافسة في طهران. كان من المفترض أن يكون هذا المبنى رمزًا لتاريخ إيران وحضارتها وأن يقدم صورة دائمة للبلاد عشية الاحتفال بالذكرى الـ 2500 للملكية. وكان الفائز في المسابقة هو حسين أمانات، وهو مهندس معماري شاب كان يبلغ من العمر 24 عامًا فقط في ذلك الوقت، وتخرج من كلية الفنون الجميلة بجامعة طهران. ولم يكن تصميمه على شكل عمود طويل وتقليدي، بل على شكل بوابة ضخمة تجمع الماضي والحاضر معًا في هيكل واحد.

بدأ تشييد المبنى عام 1348 وانتهى عام 1350. وافتتح البرج الذي سمي في البداية "شهد" في 24 هجر 1350، الموافق 16 أكتوبر 1971. إلا أن ما ميز هذا البناء عن النصب التذكاري العادي لم يكن شكله المعماري فحسب؛ بل كانت طريقة تستخدم لتحويل الخطوط المعقدة للتصميم إلى قطع حجرية فعلية.

السر الرئيسي يكمن في هذه المسافة بين التصميم والتنفيذ: كيفية عمل منظر بمنحنيات متعددة وأقواس متشابكة وأسطح لها زاوية وشكل مختلف في كل قسم، وبدقة عالية؛ وذلك باستخدام آلاف القطع الحجرية التي يجب وضع كل منها في مكان محدد؟

ثمانية آلاف حجر. لغز لا يمكن حله بالمسطرة

في مقدمة برج الحرية تكرر الرقم ثمانية آلاف. ويشير هذا الرقم إلى قطع الرخام الأبيض التي كانت تستخدم لتغطية واجهة البرج. تم شراء الحجارة من منطقة أصفهان، وقد لعب قنبر رحيمي، وهو أحد عمال بناء وتوريد الحجارة المعروفين، دورًا في اختيارها وإعدادها. كان رحيمي يُعرف باسم "السلطان الحجري لإيران" نظرًا لمعرفته الواسعة بالمناجم والموارد الحجرية في البلاد.

لكن ثمانية آلاف قطعة من الحجر لا تعني ثمانية آلاف قطعة متطابقة. تتكون واجهة البرج من أسطح تتغير اتجاهاتها تدريجياً وتلتقي على طول أقواس وقواعد الهيكل. إذا تم قطع الحجارة دون حساب دقيق وببساطة بالقياسات المعتادة للورشة، فقد يظهر أصغر خطأ في المكان الذي تلتصق فيه القطع ببعضها البعض؛ وهو خطأ قد لا يكون ملحوظا على سطح بسيط، ولكن على المنحنيات المستمرة والهندسة المعقدة للبرج، فإنه يعطل النظام العام.

في مثل هذا المشروع، لم تكن القضية فقط حجم كل حجر؛ كما كان من المهم أيضًا تحديد الموضع وزاوية القطع والتوافق مع القطعة المجاورة وتنسيقها مع الهندسة العامة للمبنى. يجب أن تكون كل قطعة جزءًا من صورة أكبر؛ الصورة التي بدأت من الخريطة المعمارية، وصلت إلى الحسابات الهندسية، وأخيراً تبلورت في ورشة البناء.

وهنا يأتي دور الكمبيوتر. وبناءً على المعلومات المنشورة حول المشروع، تم استخدام أجهزة الكمبيوتر لحساب شكل الأجزاء وتحديد الأسطح المعقدة والمتشابكة للبرج. أتاحت هذه التقنية للمصممين والمهندسين تحويل الهندسة الصعبة للمبنى بدقة أكبر إلى تعليمات تنفيذية؛ وهي مهمة كانت أكثر صعوبة وتستغرق وقتًا طويلاً للقيام بها ببساطة عن طريق رسم خرائط ثنائية الأبعاد والقياس يدويًا.

بالطبع، يجب توضيح شيء واحد: استخدام أجهزة الكمبيوتر في هذا المشروع لا يعني وجود برامج ثلاثية الأبعاد اليوم أو النمذجة التفاعلية أو الطباعة التلقائية للأجزاء. كان لتكنولوجيا الحوسبة في ذلك الوقت العديد من القيود ويجب فهم دورها في إطار المرافق الهندسية في أربعينيات القرن الرابع عشر. لم يكن من المفترض أن يتخذ الكمبيوتر القرارات نيابة عن المهندس المعماري؛ وكان من المفترض أن تجعل بعض الحسابات الهندسية الأكثر صعوبة أكثر دقة وانتظامًا.

عندما جاء الكمبيوتر لمساعدة يد البناء

التكنولوجيا وحدها لم تبني برج الحرية. وكان لا بد من ترجمة الحسابات إلى أجزاء فعلية يمكن قصها وصقلها وتركيبها على الهيكل. في هذه المرحلة، كانت مهارة عمال البناء ذات أهمية حاسمة.

كان غفار دفربانيه فيرنوسبادراني، أحد عمال البناء البارزين، مسؤولاً عن الأعمال الحجرية للمشروع. كما كانت شركة "ماب" هي المقاول الرئيسي لبناء المبنى، وتمت العمليات التنفيذية بالتعاون مع المهندسين المعماريين والمهندسين وعمال الورشة. وكانت نتيجة هذا التعاون بمثابة رابط نادر بين الحسابات الحاسوبية والمهارة اليدوية: فقد ساعد الكمبيوتر في تحديد الشكل الهندسي، وكان على الحرفي الماهر أن ينفذ هذه الهندسة بعناية في الحجر.

في الواقع، كان كل حجر جزءًا من مجموعة أكبر؛ Jurchini، على عكس الأمثلة المعتادة، لم تكن أجزائه مربعة ومستطيلة، ولكنها صنعت وفقًا لمنحنيات وفشل الهندسة المعمارية. إذا لم يتم قطع الجزء بشكل صحيح أو وضعه بشكل صحيح، فسوف تتأثر اللمسة النهائية للسطح. ولذلك فإن قيمة الحوسبة الحاسوبية لم تكن فقط في سرعة العمليات؛ ساعدت هذه الحسابات في تنسيق التصميم والبناء والتركيب.

نقطة أخرى مثيرة للاهتمام هي أن أحجار الواجهة لم تكن مجرد غطاء زخرفي يتم لصقه عليه بعد الانتهاء من الهيكل. وفي طريقة بناء البرج، كانت القطع الحجرية متصلة بالهيكل الخرساني للمبنى، كما أنها لعبت في بعض الأجزاء دور القالب الخرساني الدائم. وهذه الميزة تزيد من أهمية الدقة في القطع والتركيب؛ لأنه كان لا بد من تنسيق الحجارة مع الهندسة الخارجية للبرج والقيام بمهمتها في عملية بناء الهيكل.

وبهذه الطريقة، فإن ما يبدو من مسافة واحدة كشكل موحد وسلس هو نتيجة التنسيق بين الحسابات والهندسة الإنشائية واختيار المواد والمهارات البشرية. وراء المظهر البسيط للبرج، هناك شبكة من القرارات والقياسات التي ينبغي أن تصبح في نهاية المطاف بناء متماسك.

من القوس الساساني إلى حسابات الكمبيوتر

وتتجلى أهمية هذه التقنية عندما ننظر إلى هندسة البرج نفسه. حاول حسين أمانات جمع العناصر المعمارية لفترات مختلفة من تاريخ إيران معًا في تكوين جديد. يذكرنا القوس الأوسط الكبير بالأقواس المعمارية الساسانية، ويشير القوس العلوي المكسور إلى التقاليد المعمارية للفترة الإسلامية. شبكة الخطوط والأساسات التي تربط بين هذين الجزأين تعطي المبنى هوية مستقلة. هوية ليست إعادة بناء لعمل تاريخي ولا مجرد تقليد للهندسة المعمارية الغربية.

كان لهذا المزيج التاريخي أيضًا تحدي تقني خاص به. يجب رؤية منحنيات وخطوط المبنى بجانب بعضها البعض بطريقة طبيعية ومتناغمة. يتطلب تصميم مثل هذا الهيكل حسابات هندسية وهندسية، وهذا التعقيد جعل استخدام أجهزة الكمبيوتر أداة مهمة في عملية البناء.

في مثل هذه المشاريع، يتم الكشف عن الفرق بين التصميم الجميل والمبنى الذي يمكن بناؤه بالفعل في التفاصيل. يمكن للمهندس المعماري أن يرسم الشكل العام على الورق، لكن تنفيذه على نطاق حقيقي يتطلب حسابات دقيقة، وفحوصات هيكلية، وتنسيقًا بين المكونات المختلفة. وكان برج آزادي مثالاً على الارتباط بين هذين العالمين: الخيال المعماري من جهة والحسابات الفنية من جهة أخرى.

بالطبع، هناك معلومات عامة منشورة محدودة حول تفاصيل البرنامج ونموذج الكمبيوتر والطريقة الدقيقة لنقل الحسابات إلى ورشة العمل. ولذلك، لا يمكن الادعاء بشكل مؤكد بأن جميع خطوات التصنيع تمت بنظام حاسوبي محدد أو أن كل جزء تم استخراجه مباشرة من نموذج رقمي حديث. وما تؤكده المصادر المتوفرة هو استخدام أجهزة الكمبيوتر لحساب شكل الكتل الحجرية والمساعدة في تحديد الأسطح المعقدة للبرج.

كما يوضح بناء برج الحرية أن إدخال التكنولوجيا الجديدة لا يعني بالضرورة التخلي عن المهارات التقليدية. في هذا المشروع، لم يتم وضع الحسابات الحاسوبية والبناء اليدوي في مواجهة بعضهما البعض؛ بل كانت متكاملة. ساعدت الآلة في جعل الحساب أكثر دقة، كما جعلت القوة البشرية النتيجة حقيقة واقعة في مادة صلبة ومتينة.

تم افتتاح برج آزادي في 26 هجر 1350، لكن تاريخه لم ينته بنفس الحفل. تم تغيير اسم شهياد إلى آزادي بعد الثورة، وأصبح المبنى، الذي تم تصميمه لإحياء ذكرى فترة سياسية، رمزًا ذو معاني جديدة لأجيال مختلفة من الإيرانيين.

اليوم، عندما تُرى صورة البرج في الصور ومقاطع الفيديو والتقارير الإخبارية، قليل من الناس عادة ما يفكرون في آلاف القطع التي تتلاءم معًا لتكوين هذا الشكل الموحد. ومع ذلك، ربما يكون السر الأكثر جاذبية لبرج الحرية هو أن الرمز، المصنوع من الحجر والخرسانة في المظهر، هو في الواقع نتيجة اصطدام عدة عوالم مختلفة؛ الهندسة المعمارية مستوحاة من التاريخ والهندسة الحديثة وحسابات الكمبيوتر ومهارة الحرفيين الذين كان عليهم أن يصنعوا كل خط ومنحنى بطريقة حقيقية.

أجهزة الكمبيوتر في أربعينيات القرن الرابع عشر لم تصمم برج الحرية؛ كان هذا عمل المهندس المعماري. لكنهم ساعدوا في حل مشكلة كان من الممكن أن يكون تنفيذها أكثر صعوبة دون حسابات دقيقة. خلف هذه البوابة البيضاء تكمن قصة من وقت كانت فيه تكنولوجيا الحوسبة لا تزال في مهدها، ولكن منذ ذلك الوقت أصبحت قادرة على خلق شكل رمز دائم جنبا إلى جنب مع الأيدي البشرية الماهرة.