كواليس تأجيل الانتخابات الفلسطينية

لقد مر ما يقرب من عقدين من الزمن على الانتخابات الأخيرة للمجلس التشريعي الفلسطيني؛ حدث حاسم عام 2006، حققت فيه حماس فوزاً ساحقاً وحصدت أغلبية الأصوات، متفوقة على حركة فتح التي ألقت بظلالها على المجال السياسي الفلسطيني لسنوات. ومنذ ذلك الحين، وصلت عملية الانتخابات الديمقراطية في الأراضي الفلسطينية إلى طريق مسدود، وقد مرت خمس سنوات على إلغاء الانتخابات التي كان من المفترض إجراؤها عام 2021.

السفير عرجان المجموعة الدولية: في خطوة مفاجئة تماما لم تتوقعها أي من التيارات الفلسطينية، أصدر محمود عباس مرسوما بتاريخ 9 يوليو 2026 (18 يوليو 1405)، يعلن فيه موعد الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر (آذار 7) من العام الجاري. وأثار هذا القرار موجة من الاستغراب والتساؤل في المجتمع الفلسطيني؛ وخاصة بالنسبة لأهل غزة الذين يعيشون أزمات حيوية ويوفرون الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمأوى، بدت العملية الانتخابية وكأنها ترف في هذه الظروف. في المقابل، اعتبرت الفصائل الفلسطينية أيضا أن البرنامج الحالي غير مناسب، رغم شكواها من عدم دورها في اختيار الجدول الزمني. وبحسبهم، ونظرا لاستمرار القتل والدمار في غزة، وتوسيع الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، وتهويد القدس والاعتداء على الأماكن المقدسة، فإن الأولوية هي الوقف الفوري للعدوان، وتحقيق المصالحة الوطنية، ومواجهة الاحتلال بشكل متكامل. إلا أن أغلب هذه التيارات أعلنت بشكل مباشر أو مشروط استعدادها للمشاركة في الانتخابات.

لا شك أن انتخابات المجلس التشريعي هي أكثر من مجرد منافسة انتخابية بسيطة لتحديد 132 مقعدا نيابيا؛ ويعد هذا الحدث جزءا لا يتجزأ من حركة أوسع حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني. وتضع هذه الحملة مصير منظمة التحرير، ومستقبل منظمات الإدارة الذاتية، وكيفية استعادة الشرعية المفقودة للمؤسسات الوطنية الفلسطينية والوكالة الفلسطينية في تقرير مصيرها. ورغم الأهمية الحيوية لهذه الحملة بالنسبة لمستقبل فلسطين، فإن صدور مرسوم إجراء الانتخابات لم يكن نتيجة حوار وطني أو توافق واسع بين التيارات السياسية.

ولهذا السبب، توقع معظم الفلسطينيين، استناداً إلى تجارب سابقة، منذ البداية أن الانتخابات إما أن تلغى أو تؤجل هذه المرة. وكان واضحاً تماماً للرأي العام أن الوضع الحالي في الأراضي الفلسطينية لا يفضي إلى إجراء انتخابات وطنية. ومن هنا، يبدو أن عباس أصدر هذا المرسوم في الأساس استجابة للضغوط الدولية لتنفيذ الإصلاحات الموعودة واستعادة شرعية منظمة الحكم الذاتي، وليس استجابة لمطالب ومطالب داخلية.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تغير فيها المنظمة ذاتية الحكم قواعد اللعبة من جانب واحد. وسبق أن قام عباس بتعديل قانون الانتخابات دون التوصل إلى حوار وطني والاعتماد فقط على مراسيمه الرئاسية؛ وهو النهج الذي أثار احتجاجات واسعة النطاق من مختلف الفصائل في الوقت نفسه. لكن هذه المرة بدت الأمور أكثر جدية؛ وكانت لجنة الانتخابات المركزية قد بدأت رسمياً عملية التنفيذ؛ وقد بدأت عملية تقديم المرشحين وكان من المفترض أن تبدأ الحملات الإعلانية قريباً. لكن في خضم هذه التحركات، فجأة، في 10 أكتوبر (18 مهر) صدر خبر التأجيل. لم يكن قرار محمود عباس إلغاء انتخابات 28 تشرين الثاني/نوفمبر وتأجيلها إلى 11 أيلول/سبتمبر 2027 مفاجئاً للمجتمع الفلسطيني؛ لأنه في أجواء فلسطين السياسية، لم يكن خبر هذا الإلغاء المفاجئ غير متوقع، ولا المبررات والأسباب التي أثيرت لتبرير هذا الانسحاب.

وبناء على المراسيم الصادرة والمراسلات الرسمية للمنظمة الإدارة الذاتية - وعلى وجه الخصوص رسالة حسين الشيخ نائب رئيس المنظمة إلى الحكومة الفرنسية - فقد تلخصت الأسباب الرسمية لتأجيل الانتخابات في أربعة محاور:

* المعيقات اللوجستية في غزة: استمرار الاحتلال، عدم انسحاب القوات الإسرائيلية، منع دخول المواد الانتخابية وقيود مشددة على دخول المراقبين الدوليين.

* التحديات الأمنية والحكمية في القدس والضفة الغربية: قيود مشددة على الحركة، وتطوير المستوطنات، والإصرار على ضرورة مشاركة سكان القدس الشرقية رغم اعتراضات إسرائيل.

* الأزمة المالية لمنظمات الحكم الذاتي: الأزمة الاقتصادية الحادة الناجمة عن استيلاء إسرائيل على عائدات الضرائب، مما جعل من المستحيل توفير ميزانية ضخمة لإجراء الانتخابات.

* ضرورة التنسيق والحوار الوطني: المطالبة بضرورة إتاحة المزيد من الفرص للتوصل إلى اتفاق شامل بين الفصائل الفلسطينية لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة.

لكن الحقيقة الواضحة هي أن أياً من العوامل المذكورة لم يكن أزمات جديدة حدثت بين صدور المرسوم وإعلان تأجيله. الوضع في القدس على هذا النحو منذ سنوات، وقبل خمس سنوات (في 2021) تم استخدامه على وجه التحديد كذريعة لتأجيل الانتخابات. لقد كانت غزة هدفاً للإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتدمير المنهجي لمدة ثلاث سنوات متتالية، وكانت الضفة الغربية مجزأة منذ فترة طويلة بين شبكة من نقاط التفتيش العسكرية والمستوطنات الصهيونية. إذن ما هو السبب الحقيقي للتأجيل؟ ما هو المتغير الجديد الذي حدث في هذه الفترة القصيرة والذي لم يكن موجودا عند صدور المرسوم الأصلي؟

وفي السيناريو الأكثر تفاؤلاً، وتحت ضغوط دولية شديدة ــ وخاصة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ــ لتنفيذ الإصلاحات البنيوية، أرادت إدارة الحكم الذاتي إرسال إشارة إيجابية إلى المجتمع الدولي من خلال تحديد موعد الانتخابات وإظهار التزامها بمبادئ الديمقراطية. ومن خلال هذه المناورة الدبلوماسية، كان عباس يأمل في إقناع الغرب بالضغط على تل أبيب للحصول على الإذن بإجراء انتخابات في القدس الشرقية. لكن عندما تقرر رسمياً أن إسرائيل لن تقدم أي تنازلات في قضية القدس الشرقية واستمرت الأزمات المالية واللوجستية، استخدمت إدارة الحكم الذاتي هذه العقبات المزمنة كذريعة قانونية لتأجيل الانتخابات.

لكن إذا نظرنا إلى الوضع بواقعية، فإن العامل الأساسي يجب البحث عنه في تحول حسابات رام الله الميدانية والخوف من الفشل في صناديق الاقتراع؛ التغيرات الجوهرية في التركيبة السياسية للقوى الفلسطينية التي طرأت بعد صدور المرسوم الأولي، والتي لم يتخيلها التنظيم الذاتي قط. إن القلق العميق لدى المؤسسة لم ينشأ فقط من قوة المنافسين التقليديين؛ بل إن الكابوس الرئيسي نشأ من داخل حركة فتح نفسها. وكان تشكيل تيارات انتقادية وقوائم موازية وأصوات معارضة من شخصيات مؤثرة وقيادات تاريخية في فتح، قد دق ناقوس الخطر. وكان هذا التفكك غير المسبوق في هيئة الحزب يعني بالفعل هزيمة القائمة الرسمية لفتح أمام المنافسين الموحدين.

بالإضافة إلى ذلك، ظل شبح انتخابات عام 2006 والنصر الحاسم الذي حققته حماس يلقي بثقله على عباس. في البداية، اعتقدت منظمة الحكم الذاتي أن حماس ضعفت بسبب الحرب والاغتيالات التي تتعرض لها إسرائيل، وأن المجال جاهز لاستعادة قوة فتح. بل كان من المعتقد أن حماس وفصائل المقاومة ستقاطع الانتخابات. لكن حماس سارعت إلى الترحيب بالانتخابات وأعلنت استعدادها للانضمام إلى أوسع ائتلاف ممكن. ومع الدخول الجدي للجماعات إلى الميدان وبدء تشكيل تقاربات جديدة، زاد القلق من الفشل.

في هذه الأثناء تشير التكهنات إلى أنه في حال نجاح الجهود سيتم تشكيل ائتلاف شامل يضم حماس ومحمد دحلان (المسؤول السابق والمنتقد لفتح) ومروان البرغوثي. ويجمع بين الشخصية المعروفة والشعبية التي تدعى "نيلسون مانديلا فلسطين". إن تقديم قائمة انتخابية مشتركة من قبل هذا المثلث القوي من شأنه أن يشكل تحدياً هائلاً لمحمود عباس ومنظمة الحكم الذاتي. لقد غيرت هذه التحالفات التكتيكية وغير المتوقعة ميزان القوى بالكامل لصالح عباس. ائتلاف يهدف إلى جمع الشخصيات القوية والمستقلة تحت مظلة واحدة.

في الوقت نفسه، أظهرت استطلاعات داخلية أن التأييد لفتح وعباس وصل إلى أدنى مستوياته بسبب الخلافات الداخلية والفساد والأزمة الاقتصادية وتزايد الغضب الشعبي، كما أن إجراء الانتخابات يعني عملياً تسليم مجلس الشورى للمنافسين. وبحسب النخبة الفلسطينية فإن السلطة الحاكمة لن تذهب إلى صناديق الاقتراع إلا بعد أن تتأكد من فوزها الحاسم. وبطبيعة الحال، لا ينبغي الاستهانة بعامل إسرائيل؛ لأن تل أبيب بالتأكيد لا تسمح بإجراء انتخابات تعرض مصالحها للخطر.

وأخيراً، أحدث تسريب أنباء عن احتمال التحالف بين حماس ودحلان الشهر الماضي هزة قوية في هيكل السلطة في رام الله، وأدى إلى عقد عدة اجتماعات في القاهرة بين فتح وحماس وفصيل دحلان وفصائل أخرى؛ المفاوضات التي دارت حول ضرورة التوصل إلى اتفاق وطني قبل صناديق الاقتراع مهدت عمليا للمنصة السياسية اللازمة للتأجيل. وبهذه الطريقة، قامت قيادة السلطة الفلسطينية، التي أصدرت أمر الانتخابات مع علمها التام بالأوضاع في غزة والضفة الغربية، عندما يؤدي استلام صناديق الاقتراع بدلاً من ترسيخ السلطة إلى نقلها، متذرعة بنفس العقبات السابقة، والاعتماد هذه المرة على التفاهمات مع الفصائل الفلسطينية، إلى تأجيل الانتخابات. وفي أعقاب هذه التطورات، أصبحت القاهرة منصة لجولة جديدة من الحوار بين الفصائل الفلسطينية الرئيسية منذ يوم الأربعاء 14/22 تشرين الأول/أكتوبر. وتحاول هذه الاجتماعات التحضيرية، التي افتتحت بحضور ممثلين عن فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، توفير المنصة اللازمة لخطاب وطني شامل وتحقيق مصالحة دائمة. وتتمثل الأجندة الرئيسية لهذه المفاوضات الجديدة في إعادة بناء البنية السياسية ودراسة الخيارات المتاحة لاستعادة الوحدة الوطنية وتحديد نهج مشترك لمواجهة التحديات الحالية. جهد هدفه النهائي هو خلق الظروف السياسية والأمنية اللازمة لإجراء الانتخابات المتزامنة لرئيس المنظمة والمجلس التشريعي في موعد جديد (سبتمبر 2027).

وهكذا، ورغم أن تأجيل الانتخابات كان سببه الخوف من انتقال السلطة، إلا أنه تحول المشهد السياسي الفلسطيني الآن إلى ماراثون دبلوماسي في القاهرة؛ ماراثون سيظهر ما إذا كان تأجيل الانتخابات سيؤدي إلى مصالحة وطنية أم أن هذا التأجيل مجرد شراء الوقت للإبقاء على الوضع الراهن؟