صنعاء تضع قواعد جديدة للتعامل مع السعودية

وتطرح صنعاء معادلة "التطويق مقابل التطويق" كأداة للضغط على السعودية، وربطت استمرار القيود المفروضة على اليمن بتكلفة تؤثر على المصالح السعودية.

رداً على التصعيد المستمر للتوترات السعودية في اليمن، صنعاء تفرض شروطاً جديدة بهدف رفع الحصار وإنهاء العدوان.

وبحسب السفير عرجان، كتبت "الميادين" في تقرير لها: من استهداف قلب الأراضي السعودية والمنشآت النفطية والمطارات إلى مقر العمليات العسكرية السعودية في عدن، فإن ردود أفعال صنعاء على تصاعد التوترات في السعودية تتجاوز الانتقام العسكري التقليدي وتفرض معادلات ميدانية جديدة تحت عنوان "الرياض مقابل صنعاء" و"المطار مقابل المطار" و"النفط مقابل النفط".

وتطرح هذه التطورات على الرياض تساؤلات حول تكلفة التصعيد وحدود قدرتها على احتوائه.

تجاوز البعد العسكري ليصبح رسالة سياسية

وشهدت مدينة عدن، الخميس، هجوما استهدف محيط القصر الاقتصادي، مقر العمليات العسكرية السعودية.

وقال العميد عبد السلام سفيان، الخبير العسكري والاستراتيجي للقوات المسلحة اليمنية، في حديث للميادين نت، إن أهمية هذه العملية تكمن في وقتها الحرج للغاية بالنسبة للسعودية، حيث نفذت في نفس الوقت الذي أطلقت فيه عملية "فجر اليمن" رئيس المجلس القيادي للحكومة اليمنية المستقيلة رشاد العليمي، "والتي كانت لها نتيجة عكسية بالنسبة للنظام السعودي".

وأشار سفيان إلى أن هذه العملية "ستسبب إرباكا كبيرا للسعوديين". وتدرك القوات الخاضعة لسيطرة الرياض داخل اليمن حجم الأضرار التي لحقت بالنظام السعودي، بمن فيهم ضباط وجنود والعديد من قادة الجماعات المسلحة.

وأكد الخبير أن هذه العملية "لن تكون العملية الأولى والأخيرة، وهذا مصدر قلق كبير لهذه القوات العميلة التي اعتقدت أنها محصنة ضد الصراع وأن غرفة عملياتها في عدن بعيدة عن متناول الاستهداف".

وأضاف سفيان أن صنعاء أثبتت قدرتها على تنفيذ هذه العملية من خلال جمع المعلومات التفصيلية والبيانات الميدانية الدقيقة، وهي العملية التي ستكون نقطة تحول بين الماضي والمستقبل.

وجر المواجهة إلى أعماق السعودية، فإن عبارة "الرياض ضد صنعاء" ليست مجرد شعار سياسي، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الهجوم والانتقام، بحيث، بحسب وجهة النظر التي طرحتها قيادة صنعاء، لم يعد الهدف الوحيد هو داخل اليمن.

وهنا تختلط الرسالة العسكرية بالرسالة السياسية: صنعاء تريد أن تظهر أن استمرار الحرب لن يمر دون عواقب داخل السعودية.

وحول هذه المعادلة، قال العميد سفيان للميادين نت، إنها "أجبرت السعودية على التفكير ملياً جداً".

وأشار إلى "هجماتها"، مشيراً إلى أن القوات المسلحة اليمنية حرصت على أن تكون ردود صنعاء أكبر من الهجمات السعودية.

وأكد سفيان أن هذه المعادلة وصلت إلى هدفها وأصبحت نتائجها واضحة للجميع في الميدان اليوم.

ومن السيطرة على المجال الجوي إلى استهداف البنية التحتية الجوية ردا على العدوان الذي استهدف مطار صنعاء والحصار المستمر، أعلنت صنعاء معادلة "المطار مقابل المطار" التي كان لها آثار على حركة الركاب والأعمال.

ويعود هذا التوجه إلى المعادلة التي أعلنها السيد عبدالملك الحوثي، زعيم حركة أنصار الله، في يوليو/تموز 2016، وهي ربط مطار صنعاء بمطار الرياض.

في 5 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن ثلاث عمليات استهدفت مواقع داخل المملكة العربية السعودية، بما في ذلك مطار الملك خالد في الرياض، ومصفاة أرامكو في رابغ، ومنشآت عسكرية.

ثم أعلنت القوات المسلحة اليمنية، في 11 أكتوبر/تشرين الأول، عن عمليات إضافية استهدفت مطار الملك خالد بالرياض ومطار الملك فهد بالدمام، بالإضافة إلى منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، ومنشآت نفطية، بما في ذلك منشأة غاز الشقيق.

ومن الناحية العسكرية، فإن استهداف المطارات له آثار تتجاوز الأضرار المادية المحتملة. المطار هو منشأة مدنية واقتصادية وحكومية، وأي تهديد أمني حوله يمكن أن يستلزم اتخاذ تدابير احترازية ويؤثر على الحركة الجوية وشركات النقل والتأمين وثقة الركاب.

لكن التأثير الفعلي يعتمد على طبيعة الهجوم، ونجاح الدفاعات الجوية في اعتراضه، وحجم الأضرار، وطول المدة اللازمة لاستئناف عمليات المنشأة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يفرض التهديد المستمر للمطارات تكاليف بسبب عمليات الإغلاق المؤقتة وعمليات التحويل وزيادة مستويات التأهب، حتى عندما لا تسبب الهجمات أضرارًا كبيرة.

وفي هذا السياق، أوضح سفيان أن السعودية لا تستطيع التسامح مع إغلاق المطارات، مشيراً إلى أن هذه المعادلة خطيرة جداً على المملكة العربية السعودية، لدرجة أنها معزولة عن الحركة الجوية الدولية.

ضغط على الشريان الحيوي للاقتصاد إذا كانت المطارات هي بوابة الحركة الجوية، فإن المنشآت النفطية هي أحد أبرز مفاتيح الضغط الاقتصادي في هذه المواجهة. وتنبع حساسية استهداف المنشآت النفطية من طبيعة قطاع الطاقة في المملكة العربية السعودية، الذي تقتصر أهميته ليس فقط على عائدات النفط، بل أيضا على الصادرات والاستثمارات وسلاسل التوريد والتكامل مع الأسواق العالمية. وأي انقطاع واسع النطاق أو مستدام في مرافق الإنتاج أو المعالجة أو التصدير يمكن أن يثير مخاوف بشأن العرض ويؤثر على توقعات السوق وأسعار النفط، خاصة إذا كان مصحوبًا بتوترات في الممرات البحرية الحيوية.

وشدد العميد سفيان على أن الهجوم على المنشآت الحيوية مثل أرامكو سيكون له عواقب تتجاوز المملكة العربية السعودية وأسواق النفط العالمية. وأشار إلى أن أرامكو تمثل الشريان الحيوي والعمود الفقري للاقتصاد السعودي، واستهدافها بالإضافة إلى التأثير على الأسواق العالمية، سيؤثر أيضا على قدرة المملكة العربية السعودية على تصدير وإنتاج النفط.

ودعا سفيان من يدعمون السعودية إلى إعادة النظر في موقفهم والضغط على الرياض لإنهاء الحرب ورفع الحصار، محذرا من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى "عواقب كارثية" على السعودية، فضلا عن تأثيرات واسعة النطاق على أسواق النفط العالمية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تصعيد الصراع في قطاع الطاقة يزيد من مستوى المخاطر لكلا الجانبين. ومن الممكن أن تواجه السعودية المزيد من الأعباء الأمنية والاقتصادية، فيما قد يؤدي توسيع العملية إلى زيادة الهجمات على البنية التحتية في اليمن وتفاقم الوضع الإنساني.

وتطرح صنعاء معادلة "التطويق مقابل التطويق" كأداة للضغط على السعودية، وربطت استمرار القيود المفروضة على اليمن بتكلفة تؤثر على المصالح السعودية.

وانطلاقاً من هذا المنطق، تسعى صنعاء إلى نشر تداعيات الحصار من داخل اليمن إلى الساحة الإقليمية والدولية الأوسع، وبالنتيجة تضع الرياض تحت ضغوط متزايدة.

وفي يوليو/تموز الماضي، أعلنت القوات المسلحة اليمنية حظراً بحرياً على السفن المبحرة من وإلى السعودية، مع التأكيد على سلامة الملاحة البحرية الدولية.

وترى حكومة صنعاء أن خلق هذه المعادلة يمكن أن يؤدي إلى فك الحصار وفرض اتفاق يحقق مطالبها.

وحول السيناريوهات المستقبلية، أكد سفيان أن المرحلة المقبلة ستشهد خلق معادلات مواجهة متواصلة، وأهمها معادلة "تطويق مقابل تطويق" بهدف إجبار السعودية على القبول بشروط صنعاء وإنهاء الحرب.

وأوضح سفيان أن صنعاء تحاول تثبيت هذه المعادلات تدريجيا لأنها ترى أن استمرار هذه المواجهة سيحد من خيارات الرياض ويدفعها إلى إيجاد مخرج من الأزمة التي دخلتها.

وقال إن السعودية ليس لديها مصلحة في مواصلة الحرب لأنها أصبحت متورطة إما عن طريق الانجرار إلى الصراع أو من خلال تنفيذ برامج خارجية.

وكشف سفيان أن السعودية تتجه نحو وسطاء دوليين بهدف التواصل مع صنعاء والتوصل إلى حلول تسمح لها بالخروج من المأزق الحالي.

وحذر سفيان من أن أي تدخل دولي آخر، سواء من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أطراف إقليمية، من شأنه أن يزيد من تكلفة الصراع.

وأكد سفيان أن صنعاء مستعدة لمواجهة تحديات أكبر على كافة المستويات، مشيراً إلى أن الخيارات أمامها تتراوح بين التوصل إلى اتفاق يلبي مطالب اليمنيين، وبين توسيع نطاق الصراع وزيادة تكاليفه على الأطراف المعنية.

وهنا يبقى السؤال: في ظل التوتر المستمر في المنطقة نتيجة العدوان على إيران، ما هي التبعات الأخرى لأي تصعيد محتمل للعدوان على اليمن على المنطقة والعالم؟