هل دخلت إيران مرحلة الهشاشة البنيوية؟ / رغم كل الانغلاق يمكن النهوض من جديد

يمكن القول في خلاصة الكلمتين إن يوسفي وصادقي تناولا أزمة البلاد من زاويتين مختلفتين. فقد ركّز يوسفي على تآكل القدرات الاجتماعية والمؤسسية، وتراكم الضغوط، وضرورة تعزيز رأس المال الاجتماعي وإصلاح الحوكمة. أما صادقي فبيّن أن فهم الأزمة لا يكتمل دون النظر في حدود الخيال السياسي وصعوبة تصوّر بدائل مستقبلية.

مجموعة أنديشة: انعقد اجتماع "إعادة تنظيم المجتمع في الأزمات" في 15 تشرين الأول/أكتوبر، برئاسة زهرة دغيانوس وبكلمة الدكتور علي يوسفي، أستاذ جامعة الفردوسي مشهد والدكتورة فاطمة صادقي في معهد الرحمن. وقد نشر تقرير هذا الاجتماع على الموقع الإلكتروني لمعهد الرحمن. في هذا اللقاء، تحدث يوسفي عن موضوع "تأملات في هشاشة الوضع الاجتماعي في إيران" وصادقي عن موضوع "هل من الممكن البدء من جديد في المجتمع الإيراني المنكوب بالأزمة؟" لقد بحثوا في الوضع الاجتماعي في إيران وإمكانية بداية جديدة في مجتمع الأزمة. وفي تحليل الوضع المتردي في إيران، شرح علي يوسفي وفاطمة صادقي أزمات البلاد من زاويتين متكاملتين. ومع مفهوم "الهشاشة الاجتماعية"، حذر علي يوسفي من أنه قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل، سيكون المجتمع متورطا في التآكل التراكمي للأعراف، وإضعاف رأس المال الاجتماعي، وأزمة الشرعية؛ وضع تتدهور فيه بشدة القدرة على استيعاب الصدمات الهيكلية والاقتصادية والسياسية. على الجانب الآخر، استخدمت فاطمة صادقي مصطلح «القفص الحديدي من الاحتمالات» من خلال ربط الأزمات الداخلية بالتحديات العالمية -مثل عدم المساواة، والعواقب المدمرة للشبكات الاجتماعية ومخاطر الذكاء الاصطناعي- لتصوير الشعور العميق باليأس والعجز لدى الإنسان المعاصر. ومع ذلك، وبالاعتماد على مفهوم "الإنجاب" في فكر حنة أرندت، أكد صادقي على ضرورة فتح "الخيال السياسي" واستعادة التفكير الطوباوي، وقال إنه من أجل الخروج من المأزق الحالي وتصور مستقبل أكثر عدلا، يجب أن نكون قادرين على تخيل العلاقات الجماعية خارج القدرية أو العودة إلى الماضي المثالي، بطريقة جديدة وجذرية.

مصيبة؛ بوادر التآكل وتساؤلات حول إمكانية التغيير

خصص لقاء معهد الرحمن بعنوان "إعادة تنظيم المجتمع في الأزمات" لبحث سؤالين مرتبطين: كيف يصل المجتمع إلى الحالة الهشة، وما إمكانية التغيير والبداية الجديدة عندما تستنزف الأزمات القدرات الاجتماعية؟

وفي الجزء الأول من اللقاء، ركز علي اليوسفي على مفهوم الهشاشة الاجتماعية، وتطرق إلى السياقات والآليات التي تقلل من قدرة المجتمع على إدارة التوترات ومواجهة الصدمات. واعتبر الهشاشة حالة ما قبل الأزمة حيث يتم تآكل القدرات الاجتماعية والمؤسسية تدريجياً ويصبح المجتمع أكثر عرضة للضغوط الجديدة.

وفي الجزء الثاني من هذا اللقاء، وسّعت فاطمة صادقي النقاش من الوضع الإيراني إلى الربط بين الأزمات الداخلية والعالمية، وأثارت مسألة ما إذا كان من الممكن التفكير في مستقبل مختلف في الوضع الحالي. وبالاعتماد على مفهوم "الإنجاب" في فكر حنة أرندت، أكد على أهمية الخيال السياسي؛ القدرة التي تسمح للبشر برؤية العلاقات القائمة على أنها قابلة للتغيير وتخيل أشكال أخرى من الحياة الجماعية.

تناول هذان المتحدثان قضية مشتركة من طريقين مختلفين: فهم القيود والتآكلات القائمة، دون اعتبار الوضع الحالي قدرًا لا يتغير.

علي يوسفي: كيف تتكون الهشاشة الاجتماعية؟

بدأ علي يوسفي حديثه بالتمييز بين الهشاشة الاجتماعية ومفاهيم مثل الانهيار والفوضى والفقر والضعف. ووفقا له، تشير الهشاشة الاجتماعية إلى الوضع الذي لا يمر فيه المجتمع بالضرورة بأزمة عميقة، ولكن قدرته على تنظيم التوترات وإدارة الصراعات واستيعاب الصدمات قد تقلصت إلى حد كبير.

ولذلك، لا يمكن تفسير الهشاشة بمجرد ملاحظة حادث أو أزمة مفاجئة. عادة ما يكون هذا الوضع نتيجة لعملية تراكمية ومتعددة الأبعاد تتطور مع مرور الوقت. وعندما تصاحب الضغوط الهيكلية تآكل الروابط الاجتماعية، وإضعاف القواعد المشتركة، وأزمة الشرعية، فإن قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات الجديدة تقل.

لشرح هذه العملية، قام يوسفي بفصل ثلاث فئات من العوامل عن بعضها البعض: العوامل أو المدخلات الأساسية، والظروف المشددة والعواقب. ويساعد هذا التمييز على فهم كيفية انتقال المجتمع من التوتر المزمن إلى الحالة الهشة.

من الضغوط الهيكلية إلى التآكل الاجتماعي

وفي شرح العوامل الأساسية، أشار يوسفي إلى عدم المساواة، والفقر المزمن والمنتشر، وتركيز الفقر في مناطق محددة، والحراك الاجتماعي المحدود. ويمكن أن تترافق هذه الضغوط الهيكلية مع صدمات اقتصادية وسياسية وأمنية وبيئية، وتوفر السياق اللازم لدخول المجتمع في حالة هشة.

لكن، بحسب رأيه، وجود الضغوط والصدمات وحده لا يكفي لتفسير الهشاشة. والمهم هو كيفية تفاعل هذه العوامل مع الظروف التي تقلل من قدرة المجتمع على تحمل الضغوط.

وأوضح ثلاثة محاور مهمة لهذه الظروف: التآكل المعياري، وأزمة الشرعية، والتآكل الاجتماعي.

ويحدث التآكل المعياري عندما تضعف القواعد التي تحكم العلاقات الاجتماعية والاتفاقات المشتركة بين الأفراد والجماعات والمجتمع والحكومة. ولتوضيح جزء من هذه الحالة، أشار يوسفي إلى مفهوم "الشذوذ" أو الشذوذ؛ موقف تفقد فيه القواعد المشتركة قوتها التنظيمية ويزداد الارتباك وعدم اليقين.

المحور الثاني، أزمة الشرعية وشكوك حول صلاحية الحكومة في إدارة شؤونها. ولا يقتصر هذا الموضوع على عدم الرضا عن أداء الحكومة فحسب، بل يتعلق بالسؤال الجوهري المتمثل في ما إذا كانت مؤسسات الحكم تمتلك القدرة والكفاءة اللازمة لإدارة قضايا المجتمع والاستجابة للأزمات أم لا. كما ميز اليوسفي بين الشرعية والثقة: فالشرعية مرتبطة بقبول قواعد السلطة وقواعد اللعبة، بينما الثقة مرتبطة أكثر بتقييم سلوك وأداء الفاعلين والمؤسسات.

المحور الثالث هو التآكل الاجتماعي وتقليص رأس المال الاجتماعي؛ أي إضعاف الروابط والاتصالات والتعاون والالتزامات التي توفر إمكانية العمل الجماعي. وكلما ضعفت هذه الروابط، أصبح من الصعب الاتفاق على القضايا المشتركة، وتضاءلت قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات بشكل جماعي.

لماذا من المهم كيفية مواجهة الأزمة؟

ومن النقاط المهمة في خطاب اليوسفي الاهتمام بالفرق بين المخاطر الأولية والمخاطر الثانوية. تشير المخاطر الأولية إلى الضغوط والصدمات التي تدخل المجتمع؛ ومن ناحية أخرى، تنشأ المخاطر الثانوية من الطريقة التي يتم بها مواجهة هذه الضغوط وعواقبها.

وبهذا لا تتفاقم الأزمة فقط بسبب وقوع حادث ما؛ ومن الممكن أن تؤدي الإدارة غير السليمة أيضًا إلى زيادة الهشاشة الحالية. وفي الحالة التي يضعف فيها رأس المال الاجتماعي، وتكون الشرعية في أزمة، وتتقلص قوة الحكم، فإن الصدمة الثقيلة قد تدفع المجتمع إلى حافة الأزمة بسرعة أكبر.

وشدد اليوسفي على أن الهشاشة الاجتماعية لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار الحكومة أو سقوطها. وقد تظهر عواقبه على شكل انتشار العصيان الاجتماعي، أو إضعاف تنفيذ القواعد، أو زيادة انعدام الأمن والصراع، أو تقليل قدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذ قراراتها. ومع ذلك، فإن العودة من مثل هذا الوضع يمكن أن يكون صعبا.

تقييم وضع إيران وسبل الحد من الهشاشة

وقال هذا الأستاذ بجامعة فردوسي في مشهد، في إشارة إلى دراسة اتجاهات إيران منذ عام 2016 فصاعدا، إن البيانات والمؤشرات التي يستخدمها تشير إلى تفاقم الهشاشة الاجتماعية تدريجيا. وبحسب تقديره فإن الوضع في إيران مقلق والمجتمع أقرب إلى عتبة الهشاشة مقارنة بما كان عليه قبل ستة أشهر.

وفي الوقت نفسه، لم يقدم صورة أحادية الجانب لظروف الحرب. وفي رأيه أن التهديد بوجود البلاد وتشكيل اتفاق حول الدفاع عن الأرض يمكن أن يؤدي إلى تعزيز رأس المال الاجتماعي وحتى زيادة شرعية الحكومة في جزء من المجتمع على المدى القصير. ومن ناحية أخرى، يمكن للصدمات العسكرية الثقيلة أن تدمر البنية التحتية والقدرات المؤسسية وتخلق ضغوطا جديدة على المجتمع. ولذلك فإن تقييم الوضع ينبغي أن يأخذ في الاعتبار جانبي هذه العملية.

وشدد هذا الأستاذ الجامعي في الجزء الأخير من كلمته على تعزيز رأس المال الاجتماعي، وإعادة بناء الروابط بين الأفراد والجماعات، والاتفاق على القواعد والقيم المشتركة. واعتبر الدفاع عن الأرض والوطن إحدى القدرات المحتملة لتكوين اتفاق مشترك. وفي الوقت نفسه، يرى أن الحد من الهشاشة لا يقتصر على الإصلاحات السطحية؛ ومن الضروري أيضًا إجراء مراجعة أساسية لنظام الإدارة والسياسات وأساليب المساءلة.

وكان استنتاج هذا القسم هو أن الهشاشة الاجتماعية ليست ظاهرة مفاجئة وذات سبب واحد. ويتشكل هذا الوضع نتيجة تراكم الضغوط والتآكل المعياري والاجتماعي والسياسي المتزامن؛ ولذلك، فإن الوقاية منه تتطلب أيضًا الاهتمام بهذه الأبعاد في وقت واحد.

فاطمة صادقي: هل البداية الجديدة ممكنة؟/ الأزمة العالمية وموقف إيران

بدأت فاطمة صادقي مناقشتها بالسؤال عن إمكانية بداية جديدة في عالم اليوم وإيران. واعتبر الأزمة حالة طارئة وحاسمة، لكنه أكد أنه لا ينبغي النظر إلى الأزمة على أنها نهاية كل الاحتمالات أو استحالة التغيير. في هذه الحالة، قد تصبح الحكومات نفسها جزءًا من المشكلة ولا تكون قادرة على تقديم الاستجابة المناسبة للأزمات.

وبالنظر إلى مكانة إيران في النظام العالمي، اختلف صادقي مع فكرة اعتبار إيران حالة استثنائية تماما ومنفصلة عن التطورات العالمية. وفي رأيه أن الخصائص المميزة للمجتمع الإيراني مهمة، لكن هذه الخصائص لا تمنعنا من دراسة وضع البلاد فيما يتعلق بالأزمات العالمية. ومن ناحية أخرى، يواجه النظام العالمي نفسه والحكومات القوية أيضاً أزمة، والتمييز البسيط بين القوى "النظامية" والقوى "المناهضة للنظام" ليس كافياً لفهم تطورات اليوم.

وناقش عدة أزمات عالمية لتفسير هذا الوضع. أولا، كانت هناك أزمة عدم المساواة؛ وهي أزمة تشهدها إيران أيضاً، على حد قوله، بقوة ملحوظة. ثانيا، كانت هناك شبكات اجتماعية، والتي برغم أنها تسمح بسماع أصوات أقل سماعا، يمكنها أن تساعد في نشر المعلومات المضللة، وتشكيل غرف صدى، وتفاقم الاستقطاب الاجتماعي. وذكر صادقي موجات العداء ضد الأفغان في إيران كمثال على العواقب الاجتماعية لهذه البيئة.

كما حذر من الذكاء الاصطناعي. ووفقا له، تتمتع هذه التكنولوجيا بقدرات مهمة في مجالات مثل الطب، لكن استخدامها على نطاق واسع يمكن أن يؤثر أيضًا على قدرة التحليل والإبداع والإدراك البشري. وفي إشارة إلى تجربته في البيئة الأكاديمية، قال صادقي إن التحسن الواضح في جودة الكتابة لا يعني بالضرورة زيادة في عمق التعلم؛ لأن الناس قد يجدون فرصة أقل لتطوير قدراتهم الفكرية في عملية استخدام الموارد والتعامل المباشر مع النصوص.

"القفص الحديدي للمرافق" والشعور بالعجز

استخدم صادقي مصطلح "القفص الحديدي للاحتمالات" لشرح تناقض العالم المعاصر. ووفقا له، فإن زيادة الإمكانيات والقدرات التكنولوجية لا تعني بالضرورة الحرية أو المزيد من القوة لتغيير الوضع أو المزيد من السعادة. قد يكون لدى البشر إمكانيات أكثر، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون أن لديهم سيطرة أقل على مسار حياتهم ومستقبلهم.

ومثل الطائرة من دون طيار وركابها لا يعرفون إلى أين يتجهون كان مثالاً على هذا الوضع: هناك قلق ووعي بالخطر، لكن إمكانية التدخل وإعادة التوجيه محدودة. درس صادقي هذا الشعور باليأس فيما يتعلق بالأزمات العالمية والظروف الخاصة لإيران. لقد ألقت الظروف التي خلفتها الحرب والعقوبات والفقر والخسائر في الأرواح البشرية وعدم القدرة على التنبؤ السياسي والاجتماعي بظلالها.

كان التركيز الرئيسي لخطاب صادقي هو إمكانية بداية جديدة. وبالإشارة إلى مفهوم "الولادة" في فكر حنة أرندت، أوضح أن الإنسان لديه القدرة على بدء شيء جديد حتى في الظروف المقيدة. ومن هذا المنظور، يمكن للعمل السياسي أن يوفر الأساس لخلق علاقات مختلفة.

ومع ذلك، يعتقد صادقي أنه من أجل فهم إمكانية بداية جديدة، ينبغي للمرء أيضًا الاهتمام بمسألة الخيال. قبل أن نتمكن من إنشاء علاقات جديدة في الممارسة العملية، علينا أن نكون قادرين على تخيلها. إذا كانت السيناريوهات الكارثية فقط هي التي يمكن تصورها بالنسبة لنا ولا يمكننا التفكير في بديل للوضع الحالي، فإن إمكانية التغيير محدودة أيضًا.

ووصف هذا الوضع بأنه "إخضاع الخيال السياسي". ووفقا له، فإن إحدى علامات هذا التراجع هي أنه أصبح من الأسهل على الكثيرين تخيل نهاية العالم بدلا من تخيل عالم مختلف وأكثر عدلا. وبالإشارة إلى فكرة مارك فيشر الشهيرة حول صعوبة تصور نهاية الرأسمالية مقارنة بنهاية العالم، بين صادقي أن محدودية الخيال لا تتعلق بإيران فقط، بل هي جزء من الوضع السياسي المعاصر على المستوى العالمي.

الإدراك السياسي المتأخر واستعادة إمكانية المستقبل

ووفقاً لصادقي، يمكن ملاحظة تراجع الخيال السياسي أيضاً في هيمنة السيناريوهات الاسترجاعية. وبدلاً من تقديم صورة لمجتمع مختلف، تعتمد العديد من التيارات السياسية على إعادة بناء الماضي المثالي. واعتبر الملكية في إيران وشعار عودة أمريكا إلى العصر الذهبي في حركة "MAGA" من الأمثلة على هذا الاتجاه.

ومضى صادقي في مناقشة حدود فكرة أن مجرد الحصول على السلطة أو التنظيم السياسي يكفي لتغيير المجتمع. وبالإشارة إلى ثورة 1357 و2 خرداد، أكد على أهمية الخيال السياسي في التطورات الاجتماعية؛ ويعني تغييرا في تصور الناس لأنفسهم والمجتمع وإمكانيات الحياة الجماعية. ووفقا له، تظهر التجربة التاريخية أن التغيير الاجتماعي لا يمكن اختزاله فقط في الاستيلاء على السلطة وتنفيذ البرامج.