كيف يعلّم القرآن مواجهة وساوس شياطين الجن والإنس؟

يعلّم القرآن الكريم في سوره الأخيرة الإنسانَ اللجوءَ إلى الله في مواجهة الشرور الظاهرة والخفية، من الحسد والأذى الخارجي إلى الوساوس التي تتسلل بصمت إلى الفكر والإرادة. وتضع سورتا الفلق والناس إلى جانب سورة الإخلاص أمام الإنسان مجموعةً من التعاليم التوحيدية والتربوية، تؤكد معرفة الله واللجوء إليه واليقظة إزاء المخاطر الخارجية والداخلية.

وبحسب قاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، فإن القرآن الكريم ينتهي بثلاث سور قصيرة ولكنها مليئة بالمفاهيم العميقة؛ السور التي توضح من ناحية حقيقة وحدانية الله وانعدام الحاجة إليه ومن ناحية أخرى تبين الطريق لمواجهة الشر والأذى الذي قد يهدد حياة الإنسان وسلامه.

وبحسب رواية فارس في تفسير العلامة الطباطبائي، فإن سورة الإخلاص تعبر عن التوحيد الخالص والمعرفة الصحيحة للذات الإلهية؛ بينما سورتا الفلق والناس، من خلال تعليمهما اللجوء إلى الله، تجعلان الإنسان يدرك المخاطر التي تنشأ أحيانًا من البيئة المحيطة به، وأحيانًا من داخل أفكاره وإرادته. إن تجاور هذه السور الثلاث يقدم صورة للعلاقة بين معرفة الله وثقته ورعايته لنفسه.

سورة الإخلاص؛ إله ليس له نظير ولا حاجة

تبدأ سورة الإخلاص بالآية "قل هو الله أحد"؛ أمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن حقيقة أن الله واحد. وهذه الوحدة لا تعني الوحدة في العدد فحسب، بل تدل أيضًا على عدم تماثل الله في جوهره وصفاته. ولا يوجد مخلوق شريك له في حقيقة الوجود الإلهي وكمالاته، ولا يمكن أن يوضع أي مخلوق في نفس مستوى الرب.

الآية التالية تؤكد على الغني عن الله المطلق بعبارة "الله الصمد". وكلمة "الصمد" هي أحد المفاهيم الأساسية في هذه السورة وهي تشير إلى الله الذي تعتمد عليه جميع المخلوقات في وجودها وتوفير احتياجاتها، لكنه لا يحتاج إلى أي مخلوق في الوجود والبقاء. إن وجود العالم وبقائه ليس مستقلاً عن إرادة الله ونعمته.

وفيما يلي يرفض القرآن أي فكرة عن الله مبنية على صفات الكائنات المحدودة بعبارة "لم ألد ولم ألد". لم يكن لله ولد، ولم يولد من غيره. فالولادة والإنجاب من خصائص الكائنات التي تدخل في إطار الحاجات والقيود المادية، في حين أن وجود الله لا ينشأ من آخر وهو مصدر الوجود.

وتنتهي سورة الإخلاص بآية "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَفْوَةُ أَحَدٍ"؛ لا أحد ولا شيء يساوي الله. تقدم الآيات الأربع من هذه السورة صورة متماسكة عن الله: الإله الوحيد، الذي لا يحتاج إليه، الأبدي الذي لا مثيل له. الرسالة المركزية لهذه السورة هي أن معرفة الله يجب أن تكون بعيدة عن أي مقارنة بين الطبيعة الإلهية والمخلوقات ونسب القيود البشرية إليه.

سورة الفلق ; -الاستعاذة بالله من الشر الخفي والظاهر

بعد بيان وحدانية الله وعدم تماثله في سورة الإخلاص، تعلمنا سورة الفلق كيفية الاستعاذة به من الأخطار والأذى. تبدأ هذه السورة بعبارة "أعوذ برب الفلق"؛ أي قل أعوذ برب الفلق.

"الفلك" يعني الانقسام، وفي هذه الآية يشير إلى الفجر؛ عندما يرحل ظلام الليل ويظهر النور. يمكن أن يكون هذا التفسير بمثابة تذكير بقدرة الله في خلق النور من قلب الظلام. وهو الرب نفسه الذي يلجأ إليه الإنسان في وجه الهموم والمخاطر.

وفي الآية التالية يقول القرآن: "من شر خلقنا". من شر ما خلق . هذه العبارة لا تعني أن كل المخلوقات شريرة، لكنها تلفت انتباه الإنسان إلى وجود أضرار ومخاطر قد تكون موجودة في العالم من حوله وتتطلب اليقظة والرعاية.

ثم تشير سورة الفلق إلى ظلمة الليل: "ومن شر الغسق". ويتحدث فيما يلي أيضًا عن شر "الإيحاء في العقد"؛ وهو تعبير في التأويلات الشائعة يشير إلى من ينفخ العقد والأفعال المتعلقة بالفجر.

الآية الأخيرة من هذه السورة تقدم الغيرة كمصدر آخر للأذى: من شر حاسد إذا حسد. فهذه الآية تؤكد على الجانب الضار من الغيرة؛ شعور بأنه إذا تحول إلى سلوكيات ضارة فإنه يمكن أن يعطل السلام الفردي والعلاقات الاجتماعية.

وعلى هذا فإن سورة الفلق تذكرنا بسلسلة من الأخطار والعوامل الخارجية التي تهدد سلام الإنسان وتعلمه أن يلجأ إلى الله في مواجهة هذه الأضرار. إن رسالة هذه السورة ليست الاستسلام للخوف، بل الاعتماد على الله واليقظة ضد الأخطار.

سورة الناس؛ عندما يتغلغل الخطر في فكر الإنسان وإرادته

سورة الناس، آخر سورة في القرآن الكريم، توجه انتباه الإنسان من الأضرار الخارجية إلى الأخطار التي قد تنشأ داخله. تبدأ هذه السورة بثلاث صفات إلهية: "رب الناس"، و"ملك الناس"، و"إله الناس"؛ رب الشعب، حاكم الشعب وإله الشعب.

إن تكرار كلمة "ناس" في هذه الآيات يؤكد العلاقة المباشرة بين الإنسان والله في المناصب الثلاثة: الربوبية، والرئاسة، واستحقاق العبادة. ولا ينبغي للإنسان أن يعتبر نفسه أعزلاً أمام الإغراءات والانحرافات؛ لأن الله هو المربي والحاكم الحقيقي للوجود ويعتبر الإله الوحيد الذي يستحق العبادة.

وبعد هذه المقدمة ينكشف الموضوع الرئيسي للسورة: "من شر الوسواس الخناس"؛ التعوذ بالله من شر الفتن التي تخفى وتدبر.

فالإغراءات، على عكس كثير من الأخطار الخارجية، قد تتغلغل في فكر الإنسان وتتغلغل تدريجياً دون أن تلفت الانتباه. في بعض الأحيان، قبل أن يدرك الشخص تأثير فكرة ما أو دافعه، يتعرض الشخص للشك أو القرار الخاطئ أو الميل إلى السلوك الضار. وكلمة "خناص" تشير أيضًا إلى المجرب الذي يختبئ ويتراجع.

ويواصل القرآن قوله: الذي يغري صدور الناس. ثم يعرض أصل هؤلاء المغررين على النحو التالي: "من الجنة والناس"؛ من الجن والإنس.

وهذا الجزء من سورة الناس فيه نقطة مهمة: في منطق الآيات، لا يقتصر الإغراء والانحراف على عوامل غير مرئية، بل يمكن للإنسان أيضًا أن يوفر أساسًا للانحراف عن طريق الخداع أو الإعلانات المضللة أو تحريض الآخرين. ومن هذا المنطلق فإن الاهتمام بالأفكار الفردية والإرادة والقرارات يصبح مهما مع الاهتمام بالمخاطر الخارجية.

شياطين الجن والإنس؛ مصدران للإغراء والانحراف

إن الإشارة الأخيرة في سورة الناس إلى الجن والإنس توسع نطاق مفهوم الإغراء. وفقاً لتعليم هذه السورة، يجب على الإنسان أن يكون متيقظاً ضد الإغراءات الخفية وضد التأثيرات المضللة للآخرين.

في الحياة اليومية، تكون بعض الإصابات واضحة ويمكن التعرف عليها بسرعة؛ لكن البعض الآخر يتشكل من خلال كلمات خادعة، أو إثارة أفكار خاطئة أو التأثير تدريجياً على المعتقدات. فمثل هذه الإصابات قد تضعف تمييز الإنسان، وتدفعه إلى اتخاذ قرارات لا تتوافق مع حقيقته ومصلحته.

يمكن اعتبار رسالة سورة الناس بمثابة دعوة إلى اللجوء إلى الله وفي نفس الوقت لتعزيز الوعي والعناية بالنفس. وتذكرنا هذه العقيدة بأنه لا ينبغي للإنسان أن يبحث عن كل الأخطار في البيئة الخارجية؛ في بعض الأحيان، تكون معرفة الدوافع وفحص الأفكار وتجنب القبول غير المعقول لاقتراحات الآخرين جزءًا من طريق الحماية الذاتية.

من معرفة الله إلى الاهتمام بالحياة والفكر

إن وضع سورة الإخلاص والفلق والناس في نهاية القرآن يمثل طريقًا مفيدًا للجمهور. توفر سورة الإخلاص فهمًا واضحًا لوحدانية الله وعدم احتياجه؛ وتعلمه سورة الفلق الاستعاذة من الشر والأذى الخارجي؛ وتؤكد سورة الناس ضرورة حماية الفكر والإرادة من الفتن.

وفي هذا الإطار، لا يقتصر الإيمان على معرفة صفات الله فحسب، بل يجب أن يتجلى أيضًا في الطريقة التي يواجه بها الإنسان الهموم والمخاطر والقرارات الصعبة. فالإنسان الذي يعرف الله وحده ولا يحتاج إليه، يستطيع أن يعتمد عليه في الشدائد ويعتني بنفسه من العوامل الضارة مع الحفاظ على وعيه.

تحتوي هذه السور الثلاث القصيرة على مجموعة من التعاليم الدينية والتربوية؛ التعاليم التي تبدأ بمعرفة الله الصحيحة وتصل إلى الاستعاذة من شر العالم والاهتمام بزلات النفس.

وعلى هذا فإن الرسالة المشتركة لهذه السور تكمن في الارتباط بين التوحيد والتوكل واليقظة؛ رابط يُذكِّر الناس أنهم في مواجهة ظلمات العالم والإغراءات الداخلية، يحتاجون إلى معرفة الله بشكل صحيح والاعتناء بأفكارهم وسلوكهم.

وانظر واسمع تلاوة آيات هذه السور الثلاث الموجودة في الصفحة 604 من القرآن الكريم.