كيف خلّد النبي (ص) الدين المحمدي بسلوك صادق؟
لم يقتصر صدق النبي الأكرم (ص) على ما قبل البعثة وشهرته بلقب «محمد الأمين»، بل كان يبيّن الحقيقة بلا مواربة حتى في ذروة قوته ومحبته.
وبحسب قاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، فإن صدق الرسول الكريم (ص) لم يقتصر على عصر ما قبل البعثة، ولم تقتصر شهرته على "محمد أمين"؛ وحتى في ذروة قوته وشعبيته، لم يخجل من قول الحقيقة. قدم حجة الإسلام علي رضا قبادي، عالم الاجتماع والخبير الديني، في محاضرته بعنوان "الحياة الصادقة"، في إشارة إلى قصة فقدان ناقة النبي في غزوة تبوك، الصدق باعتباره أحد الخصائص الأساسية للحياة النبوية وأحد العوامل الديناميكية والدائمة للدين المحمدي.
وفي رواية إقناء، فإن من أبرز سمات حياة النبي صلى الله عليه وسلم، استمرار الصدق في الفكر والسلوك. وكانت هذه الصفة موجودة في جميع مراحل حياة الرسول الكريم ولم يتركها قط. إن شهرة النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق والأمانة، حتى قبل بعثته، جعلت الناس يعرفونه بلقب "محمد أمين".
لكن أهم مظهر من مظاهر صدق النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي البحث عنه في ذروة قوته وهيبته وشعبيته؛ عندما قد يتجاهل الكثيرون الحقيقة أو يلجأون إلى النفعية للحفاظ على موقفهم. وبينما يتصرف بعض الناس بأمانة ما لم يكن لديهم الكثير من السلطة والنفوذ، ولكن عندما يصلون إلى مناصب عليا ينأون بأنفسهم عن هذا المبدأ، فقد التزم النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق في جميع مراحل حياته.
وهذه السمة، التي يشار إليها في هذا الخطاب بـ "الحياة الشريفة"، متجذرة في تعاليم القرآن الكريم. وفي الآية الثامنة من سورة الأحزاب يسأل الله الصادقين عن صدقهم؛ آية روعيت في بيان مكانة الصدق في طريق الرسالة والمسؤولية.
لفهم معنى السيرة الصادقة للنبي (ص) بشكل أفضل، يمكننا الرجوع إلى قصة من الفترة التي تلت فتح مكة وأثناء غزوة تبوك. بعد فتح مكة، وصل النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) إلى مكانة لا مثيل لها من القوة والهيبة. وفي ما يلي، انتقل إلى تبوك للتعامل مع تهديد جيش الروم؛ رحلة عسكرية تعتبر من أطول رحلات قداسته.
وفي إحدى وجهات هذه الرحلة ضاعت ناقة النبي (ص) فبحث عنها الصحابة. وفي نفس الوقت قال أحد المنافقين ساخراً: محمد يدعي أنه نبي ويعلم بالخبر من السماء لكنه لا يعرف أين ناقته!
وصلت هذه الكلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما أعلم إلا ما علمني الله، الآن أخبرني الله بمكان الناقة، ثم عرف مكان الجمل، وبين أن زمامه كان ملتصقا بشجرة في أحد الأودية، وبعد أن أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الثغرة التي بين الجبلين، ذهب جماعة ليجدوا الجمل، فوجدوا الحيوان على حاله التي وصفها.
وكان تأكيد النبي (ص) على أن علمه لا يتجاوز ما علمه الله مثالاً للصدق في التعبير عن الحق؛ الصدق الذي لم يتغير حتى في مواجهة استهزاء المعارضين واحتمال إساءة معاملة المنتقدين. وحفاظاً على سمعته، لم يدع ذلك الإمام أي ادعاءات تتجاوز ما كان يعلمه، وبين حدود علمه بوضوح.
وتتجلى أهمية هذا السلوك أكثر عندما نقارنه بسلوك بعض الأشخاص في السلطة؛ الأشخاص الذين يخفون الحقيقة أحيانًا أو يلجأون إلى النفعية بعيدًا عن الصدق من أجل الحفاظ على مكانتهم ونفوذهم. أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال الحقيقة التي تقتضيها خدمة الله ومسؤولية الرسالة، واعتبر علم الغيب متوقفاً على التعليم الإلهي.
وعلى هذا فإن السيرة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد صفة أخلاقية فردية، بل كانت تعتبر المبدأ الأساسي في أسلوب حياته. المبدأ الذي استمر في ظروف مختلفة، من عصر ما قبل الرسول حتى زمن التمتع بالسلطة والشعبية. ولعل أحد العوامل الحيوية والدائمة للدين المحمدي يمكن العثور عليها في هذه الصدق؛ الصدق الذي ربط بين أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وكان مثالاً واضحاً على التمسك بالحق.