لا يُعرف حافظ بالفال؛ روايةٌ للأساتذة عن سر خلود الغزليات
دعا أساتذة حافظشناس في حفل تكريم حافظ الشيرازي، مؤكدين على ارتباط شعره بالقرآن والفلسفة والمعرفة، إلى الابتعاد عن التفسيرات الشخصية والذوقية، وعدم حصر ديوان حافظ بالفال.
وبحسب السفير أرجان، فقد أقيمت مراسم تأبين حافظ الشيرازي، الشاعر والمتصوف الإيراني البارز، يوم الاثنين 20 أكتوبر 1405، تحت رعاية جمعية التحف والعلماء الثقافيين، بحضور وكلمة نخبة من مشاهير حافظ الشيرازي.
وقال محمود شلاوي، رئيس جمعية الآثار والتحف الثقافية، في بداية هذا الحفل: لقد وجد حافظ مكاناً له في لغتنا وثقافتنا بارتباط الحب الإيراني والمعرفة والأفكار العميقة الجذور، التي لا تزال حاضرة في عقول وأرواح الإيرانيين، وديوانه، الذي يتجاوز مجموعة السوناتات، هو انعكاس لمعتقدات وأفكار الإيرانيين عبر التاريخ.
وشعر حافظ هو "كل أبيات العلم".
وذكر: "اليوم، باسم وذكرى لغة الغائب، خواجة شمس الدين محمد الشيرازي، اجتمعنا لنستفيد من كلام علماء حافظ بارزين، منهم حسن أنوري، وسعيد حميديان، وبهاء الدين خرمشاهي". شخصيات تعتبر أبحاثها وخدماتها العلمية ذات قيمة كبيرة في مجال اللغة والأدب الفارسي ومعرفة حافظ.
وفي إشارة إلى حديث حسن أنوري عن الصفات الثلاث الضرورية للباحثين والمفكرين، وهي الإرادة والمثابرة والحب، أضاف رئيس جمعية التحف والتكريمات الثقافية: حافظ أيضاً كان يتمتع بهذه الصفات الثلاث في نفسه، لكن الحب كان له مكانة خاصة عنده. لأن هذا الحب أصبح أساس كتابة الشعر والتعبير عن الأفكار التي بقيت على شكل السوناتات الخاصة به.
وإشارة إلى رواية مرشد شريف الجرجاني. قال الأستاذ حافظ عن موهبته الشعرية: فالرواية أنه عندما سأل الطلاب الآخرون عن تحريم كتابة الشعر وتشجيع حافظ على أن يصبح شاعرا، أجاب الجرجاني أن شعر حافظ هو "كل غزال العلم". وتبين هذه الرواية أن موهبة حافظ وقدرته في الشعر كانت محط اهتمام العلماء منذ ذلك الوقت.
وأشار شلاوي إلى مكانة اللغة الفارسية في تاريخ إيران، وأوضح: لعب رجال عظماء مثل الفردوسي وسنائي والعطار ومولانا وسعدي وحافظ دورًا مهمًا في الحفاظ على اللغة والأدب الفارسي وتوسيعهما. وصل حافظ بلطف كلماته وعمق فكره إلى مكانة جعلت ديوانه يجد حضورا دائما في بيوت الإيرانيين إلى جانب القرآن الكريم، وأصبح الإخلاص لقصائده جزءا من الثقافة العامة.
وذكر أنه من الصعب معرفة "حافظ" دون التعرف على الخلفية الفكرية والثقافية للإيرانيين، وأضاف: اعتبر الراحل سعيد نفيسي "حافظ" شاعرًا عكس مجموعة من الأفكار والخواطر الإيرانية في أشعاره. ولذلك فإن فهم شعر حافظ لا يمكن أن ينقل كل دقائق خطابه دون معرفة سياقاته الثقافية والتاريخية والدلالية.
وفي إشارة إلى استقبال حافظ خارج إيران، قال رئيس جمعية الآثار والتحف الثقافية: خلال رحلتي إلى يوغوسلافيا السابقة، لاحظت اهتمام الناس باسم حافظ وشعره. وفي هذا السياق، وبالتعاون مع البروفيسور محمود فرشجيان والأستاذ الدكتور جليل رسولي، تم إعداد كتاب باستخدام أعمال الرسم والخط للتعريف بحافظ، وتقديمه للجمهور في جامعة بلغراد.
وأكد في النهاية: أن ديمومة «حافظ» لا تقتصر على جمال كلماته فقط؛ ويستمر شعره في التواصل مع الجمهور بطبقات مختلفة من المعنى، من الحب والمعرفة إلى الأفكار الثقافية والإنسانية، وهذا هو السبب وراء بقاء اسمه وكلماته حية في حياة وثقافة الإيرانيين بعد قرون.
ارتباط "الحافظ" العميق بالقرآن الكريم ومفاهيمه
وتناول حسن أنوري، العضو الدائم في مجمع اللغة والآداب الفارسية، هذه القضية قائلاً: كان القرن الرابع عشر، من عام 1301 إلى عام 1400، ذروة دراسات حافظ؛ وفي هذه الفترة نُشرت العديد من الشروحات والتصحيحات والأبحاث حول ديوان حافظ، وهو أمر لم يسبق له مثيل في القرون السابقة.
وأشار إلى عملية بحث حافظ في القرن الماضي فقال: في هذه الفترة كتبت ستة شروح متعددة الأجزاء لحافظ، ساهم كل منها في فهم شعره وفكره. ومن هذه الأعمال كتاب "في كيمياي هاستي" للدكتور محمد رضا شافعي كودكاني، والذي صدر في ثلاثة مجلدات ويعرض آراء جديدة حول شعر حافظ في بعض المجالات.
وأضاف أنوري، مشيراً إلى وصف سعيد حميديان المكون من خمسة مجلدات: تم تجميع هذا العمل في حوالي أربعة آلاف صفحة، ومن ميزاته المهمة الوصف المنهجي للسوناتات. بمعنى أن القصائد قد تم فحصها بمنهج متماسك وعلى أساس نظام معين.
ووفقا له، فإن وصف حافظنامه بهاء الدين خرمشاهي وأعمال رحيم ذو النور وحسين علي هروي من الأبحاث المهمة في هذا المجال، حيث تناول كل منها جوانب من شعر حافظ وفكره.
وقال العضو الدائم في مجمع اللغة والآداب الفارسية، مشيراً إلى مجموعات حافظ المتواترة: إن هذه المجموعات أتاحت البحث عن كلمات الديوان والتحقق من استخدامها في الطبعات والمطبوعات المختلفة، ولهذا السبب، فهي مهمة في علم الحافظ.
واعتبر التصحيح النقدي لديوان حافظ من الإنجازات المهمة الأخرى في القرن الماضي، وقال: كان تصحيح العلامة قزويني من أولى الجهود المهمة في هذا المجال، وبعد ذلك نُشرت تصحيحات أخرى، بما في ذلك أعمال ناتال خانليري وغيرها. كما تم النظر في تصحيح "الظل" باستخدام آراء الباحثين، ومن بينهم الشافعي كودكاني.
وبالإشارة إلى اختلاف النسخ في بعض أبيات حافظ، أكد أنوري أن اختيار اللفظ المناسب يلعب دورًا حاسمًا في الفهم الدقيق لمعنى القصيدة.
واعتبر أن امتلاك العقل الفلسفي من ضروريات معرفة حافظ، وأضاف: إن اهتمام الشعراء والمفكرين مثل غوته ونيتشه بـ "حافظ" يدل على أن شعره يتمتع بقدرات فكرية وفلسفية واسعة. ولفهم هذه الأبعاد، لا بد من التعرف على الأفكار والأسئلة الفلسفية المطروحة في التقاليد الفكرية في الشرق والغرب.
واعتبر "أنوري" الإتقان في تفاسير القرآن الكريم أمرًا ضروريًا للفهم الدقيق لشعر حافظ، وقال: كان لحافظ ارتباط عميق بالقرآن ومفاهيمه، ويمكن رؤية انعكاس هذه الألفة في سوناته. ولكن ليس من السهل فهم بعض هذه التلميحات دون معرفة السياقات والتفسيرات القرآنية.
وأشار إلى آية للحافظ "الحمد لله أن بيني وبينه السلام"، وأوضح: لفهم هذه الآية ينبغي الاهتمام بالروايات الموضحة عن خلق الإنسان. لأن بعض معاني شعر حافظ ترتبط بسياقات دينية وصوفية ولا يمكن تفسيرها إلا في سياق العلاقات الرومانسية التقليدية.
وفي النهاية أكد العضو الدائم في مجمع اللغة والآداب الفارسية: أن معرفة حافظ تتطلب الدراسة المتزامنة للشعر والفلسفة والنصوص الدينية وتفسيرات القرآن؛ فقط من خلال هذه المعرفة يمكن للمرء أن يقترب من الطبقات الخفية والدقة الفكرية في السوناتات الخاصة به.
تحية شعرية لحافظ الشيرازي
وفي وقت لاحق، تم بث رسالة فيديو من بهاء الدين خرمشاهي، العضو الدائم في مجمع اللغة الفارسية والآداب، للحاضرين. وهنأ في هذه الرسالة يوم حافظ، وأعرب عن امتنانه لجمعية الآثار الثقافية، وقال: إن لقاء تكريم عظماء الأدب والثقافة ومن بينهم حافظ الشيرازي، هو حفل جيد وقيم. لأنه في مثل هذه البرامج تمتزج السعادة والتعاطف بالعلم والشعر والأدب والتصوف، ويتوفر مجال للحوار وفهم أعمق للتراث الثقافي.
واعتبر إقامة طقوس مماثلة للسعدي والخيام والفردوسي ومولانا والعطار من المظاهر القيمة لهذا التقليد الثقافي.
وقال خرمشاهي: قدم على مر السنين العديد من الأعمال والأبحاث عن حافظ، وآمل أن تكون هذه الأعمال مفيدة لجيل الشباب والباحثين في المستقبل.
وأشار إلى سنوات نشاطه العلمي والبحثي الطويلة، وأضاف: ما قام به في هذه السنوات هو ثمرة توفيق الله، ويأمل أن تستمر أعماله في القراءة والمراجعة وإتاحتها للأجيال الشابة.
ثم تلا خرمشاهي أمام الجمهور غزلاً كتبه في مدح حافظ قبل أكثر من أربعة عقود. وبحسب قوله فإن هذه القصيدة التي كتبت عام 1363 كانت بمثابة تحية شعرية للخواجة شمس الدين محمد حافظ الشيرازي، وقد وصف في بعض الأبيات شعر حافظ بأنه مظهر من مظاهر الحدس والحكمة والحب والمعرفة.
وفي النهاية، أشار إلى مذكرات العلامة الطباطبائي وأبحاثه عن حافظ، وأكد على أهمية جمع هذه المذكرات ونشرها، وقال: إن هذه المؤلفات، بالإضافة إلى قيمتها العلمية، لها أهمية وصلاحية تاريخية خاصة.
نقد بعض التيارات الشائعة في دراسة حافظ
وقال سعيد حميديان، أستاذ اللغة الفارسية وآدابها بجامعة العلامة الطباطبائي (رضي الله عنه)، في هذا الحفل: لقد ارتبطت أبحاث حافظ بإنجازات قيمة في عصرنا هذا، ولكن مع هذه الأبحاث، انتشرت أيضًا تصورات خاطئة وتفسيرات متسرعة حول شعر حافظ وفكره، والتي ينبغي تناولها من منظور علمي ونقدي.
وأشار إلى كتاب "شرح شوق" المكون من خمسة مجلدات، فقال: إن جزءا من هذا الكتاب خصص لنقد بعض التيارات الشائعة في دراسات حافظ؛ القضايا التي واجهتني خلال عدة عقود من البحث عن حافظ وحاولت التعبير عن وجهة نظري بشأنها من خلال ذكر الأمثلة والاستشهاد بالأعمال.
وأضاف حميديان منتقدًا شيوع الفاعل إلى بلاط حافظ: إن حافظ، قبل كل شيء، من أعظم الشعراء والشاعرين في اللغة الفارسية، وهذا المنصب يكفي لتكريمه. ولا ينبغي لنا أن نتوقع أن يخبرنا شعره عن مصيرنا وأحلامنا وقراراتنا المستقبلية.
وبحسبه فإن تحويل ديوان حافظ إلى أداة للتنبؤ بالمستقبل لا يتوافق مع الفهم الأدبي والعلمي لشعره.
وشدد هذا الأستاذ الجامعي على ضرورة تجنب المبالغة في وصف وتفسير شعر حافظ: إن التعقيدات الفكرية والفنية لحافظ كبيرة لدرجة أنه لا يمكن لأي وصف أن يدعي أنه فهم جميع جوانب شعره بشكل كامل. ولذلك فإن اختيار عنوان "شرح شوق" لعمله يعكس أيضاً هذا التواضع؛ لأن هذا الكتاب، بدلًا من أن يدعي أنه وصف كامل لحافظ، هو نتيجة تصورات المؤلف وتأملاته حول شعره.
وبالإشارة إلى مكانة السعدي في تاريخ الغزال الفارسي، أوضح: يجب اعتبار السعدي وحافظ قمتي الكتابة الغزالية الفارسية. وفي الماضي، كان للسعدي مكانة بارزة في الغزال، أما في عصرنا هذا فقد أصبح "حافظ" في مركز الاهتمام أكثر من أي وقت مضى. هذا التغيير في مقدار الاهتمام لا ينبغي أن يتسبب في التقليل من مكانة السعدي الأدبية والفكرية.
كما انتقد حميديان بعض التفسيرات غير الموثقة لأشعار حافظ، وقال: في بعض الأحيان تكون هناك آراء في شعره لا تتوافق مع معنى الأبيات والمعرفة التاريخية والعلمية. على سبيل المثال، ارتبطت بعض أبيات "حافظ" بالاكتشافات العلمية للعصر الجديد، في حين تمت مثل هذه التفسيرات دون النظر إلى اللغة والعالم الفكري في زمن الشاعر.
واعتبر أن نسب بعض القصائد إلى "حافظ" أمر يحتاج إلى بحث دقيق، وأضاف: في البحث عن ديوان حافظ ينبغي التفريق بين النص الأصيل والتأويلات الشخصية، والابتعاد عن التأويلات التي تشوه القصيدة أو تفرض عليها آراء خارجية.
وفي النهاية أكد حميديان على ضرورة اتباع منهج علمي في بحث حافظ، وأشار إلى أن حافظ أصبح في بعض الأحيان موضوعًا للتطرف في عصرنا؛ فمن ناحية، يعطي البعض انطباعات مبالغ فيها عن شعره دون فحص دقيق، ومن ناحية أخرى، يتم تجاهل الأبعاد الفكرية والفنية لأعماله. إن الفهم التفصيلي لحافظ يحتاج إلى دراسة نقدية، وتجنب الأحكام المسبقة، والاهتمام بالسياقات التاريخية والأدبية لشعره.
وفي جزء آخر من هذا الحفل، ملئت الأجواء أصداء أغاني "فرقة وصل يار" مع أداء مقطوعات ممتعة من سوناتات حافظ، كما أعطى عرض اتصال الخط واللون والمعنى في شكل لوحات فنية وخط، تأثيرا مضاعفا لهذا التجمع الثقافي والأدبي.