شيراز، المدينة التي تتنفس بخطواتنا؛ قصة تراث دائم
وكتب الناشط الثقافي والإعلامي عزام موسوي في مذكرة: قبل أن تُبنى المدن بالطوب والإسمنت، تنهض بالقصص والأمثال والذاكرة الجماعية لشعبها. لا يقتصر تراثنا الثقافي على الآثار المسجلة؛ شيراز روح تائهة تتنفس رائحة التوابل في السوق، وفي زخارف بلاط ناصر الملك، وفي صخب أروقة مسجد الجامع القديم.
مشكلتنا الرئيسية اليوم ليست قلة المباني، بل قلة القصص لجيل المستقبل. وكأن شيراز تتحول إلى متحف بارد لسكانها الذين لا يستطيعون مشاهدتها إلا من بعيد. وعندما يصبح الجيل الجديد غريباً عن هذه اللغة، ستفقد المدينة هويتها. منذ سنوات، وخوفًا من هذا الانقطاع السردي، أمسكت بيد ابنتي لأخذها إلى قلب هذه الذاكرة الحية؛ وحتى لا تفقد ابنتي جذورها في هذه المدينة، قمت بإعادتها إلى المدينة لنختبر روح شيراز في أروقة مسجد الجامع القديم، بين تلك الأعمدة القوية التي تبدو وكأنها تتنفس.
أردته أن يلمس شيراز ليس بكتاب، بل بجلده ولحمه. أتذكر كيف كان يقيم في باحة مسجد ناصر الملك، محدقاً في البلاط الوردي والزخارف الفريدة، وكان يسبح حول البركة أمام الشرفة. كانت تستلقي على السجاد القديم لتشعر برقص الأضواء الملونة المنبعثة من النوافذ الجانبية.
وحيث تلاعب الضوء بالألوان، بدا وكأن تاريخ شيراز قد وُضِع في إطار عينيه. لقد كان صغيرًا جدًا لدرجة أنني أخذته إلى نارنجستان، حيث وجه الكاميرا بيده نحو الأسرة القديمة وسجل اللحظات بنفس الجدية التي كان يفعلها المصورون القدامى. وفي الحافظية لم يكن مجرد طفل؛ كان روح المدينة، يصعد الدرج ويتلوى بين شمعدانات وسيرونات الحافظية، دون أن يعلم أن هذا المكان هو قبر ذاكرتنا.
روينا وسمعنا قصصا في أروقة بازار الوكيل، مسمومين برائحة البهارات الحارة، محدقين في لون الأقمشة المتدلية من السقف، مذهولين من أناقة الزخارف القديمة. من ترتيب بائعي السجاد الذين كانت كل عقدة منهم قصة حياة، إلى التجول في سوق الفيلة والدكاكين المحيطة بالسوق؛ الأماكن التي لم تكن بالنسبة لنا مجرد سوق، بل كانت متحفًا حيًا للذكريات المنسية لهذه المدينة. بفضوله الطفولي كان يبحث عن شيء ضائع بين الأشياء القديمة، وأنا في ابتسامته كنت قلقة على مستقبل هذه الهوية.
لكن الآن عندما أنظر إلى الوراء، أرى مدى صغر هذا الجهد الأمومي، مهما كان رومانسيًا، في مواجهة صفعة النسيان الكبيرة. في شيراز، نحن نتعامل مع التراث الذي يتحول ببطء إلى لغة غبية. عندما نتحدث عن حافظ وسعدي يهز الجميع رؤوسهم، لكن يكفي أن نسأل عن قبر عبد الله خفيف، أو عن شاه داعي الله الذي يقبع في قلب أحد أحياء المدينة النبيلة، لكن غبار الجهل غسل اسمه من ذاكرة المدينة.
إن عدم اعتراف جيل اليوم بهذه الأجزاء من هوية مدينتهم ليس خطأهم ولا فشل مؤسسة معينة؛ بل ربما يكون دليلاً على فشل التربية الثقافية. عندما تتم إزالة أسماء الأماكن والمفردات والأمثال الشيرازية الأصلية من محادثاتنا، فإننا نقلص النظرة العالمية لهذه المدينة.
نشاهد شيراز في إطارات صور إنستغرام، لكننا نفشل في التعرف على شهادة ميلادها الجسدية واللفظية. واليوم، ليس الوقت المناسب لتوجيه أصابع الاتهام إلى بعضنا البعض. ولإحياء هذه الهوية، لا بد من التوصل إلى تآزر وطني ومحلي. يجب تكليف الطلاب بالتحدث مع كبار العائلة أو سكان الحي. يجب أن تكون المدرسة حلقة وصل الطفل مع بيته، وليس مكاناً يصبح فيه التاريخ درساً مملاً.
ينبغي أن يتحول التراث الثقافي من حارس الطوب إلى راعي ليالي رواية القصص لتحويل المساحات من أجساد بلا روح إلى مساحات للعيش. يبدأ إحياء الثقافة من المطابخ وغرف الطعام. كل عائلة تنقل إلى طفلها لغة أو عادة محلية أو ذكرى من حيها القديم، فهي تحفظ جزءًا من ذاكرة المدينة؛ تمامًا مثل التجربة التي حاولت خلقها لابنتي. يجب أن تنتقل وسائل الإعلام من الأخبار الموجهة نحو الحدث إلى الأخبار الموجهة نحو المعنى.
بدلاً من الإبلاغ عن أوجه القصور، دعونا نكتب عن أولئك الذين يحافظون على التقاليد أو مهارة نسج السجاد أو متجر قديم. شيرازنا ليست تراثًا محبوسًا في المتاحف؛ شيراز جرح يجلس على نسيج ذاكرتنا الجماعية. دعونا نروي القصص معًا مرة أخرى قبل أن يغطي غبار النسيان أسماء مدينتنا وشعاراتها. تحتاج شيراز، أكثر من أي شيء آخر، إلى أن تُسمع قصصها؛ القصص التي تنتمي إلينا جميعا.