هل سيأتينا رزقنا بنفسه يوماً أم علينا أن نركض وراءه؟

إذا كان الإنسان مقدَّراً له رزقه من الله، فما مكانة السعي والجهد في الحياة؟ وهل يجوز ترك العمل بأمل الرزق الإلهي وانتظار الفرج؟ يجيب القرآن الكريم والروايات الإسلامية، مؤكدين الصلة بين التوكل والسعي، على هذا السؤال؛ إجابةٌ توضح لماذا لا يكون الإيمان بالله رازقاً مبرراً للكسل، ولا يعني تجاهل دور إرادة الإنسان في بناء حياته.

وبحسب قاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، هل يوم الإنسان محدد سلفا أم أن جهوده واختياراته يمكن أن تؤثر على استمتاعه بالحياة؟ إن تعاليم القرآن الكريم والتقاليد الإسلامية، بالإضافة إلى التأكيد على الرزق الإلهي، تدعو الإنسان إلى العمل والسعي وتحمل المسؤولية. وبحسب هذه التعاليم فإن الإيمان بالقدر الإلهي لا يعني ترك الجهود؛ بل يجب أن نفحص العلاقة بين إرادة الله وتقدير الإنسان والعوامل المؤثرة على المعيشة جنبًا إلى جنب.

يومًا ما، هل يجب أن تنتظره أم تذهب إليه؟

إن مسألة الحياة اليومية وكيفية تحقيقها هي من المواضيع التي أثارت دائما تساؤلات حول العلاقة بين القدر الإلهي وإرادة الإنسان. إذا قدر الله العباد فما هو حال محاولة كسب المال؟ هل يمكن أن يصبح الإيمان بمصير يوم ما ذريعة للتخلي عن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية؟

للإجابة على هذه الأسئلة، لا بد من التمييز بين الإيمان بالله كمعيل وبين الفهم الخاطئ للقدر. وفي التعاليم الإسلامية، من ناحية، يُنسب الرزق إلى مشيئة الله وعنايته، ومن ناحية أخرى يتم التأكيد على الجهد والحركة واستخدام القدرات البشرية.

يقول القرآن الكريم في الآية 32 من سورة الزخرف:

""فقسمنا بينهم حياتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات""

يعني: «قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا وفضلنا بعضهم على بعض في الدرجات».

تشير هذه الآية إلى اختلاف أحوال الحياة البشرية وإمكانياتها؛ ولكن لفهم معناها، فإن عبارة واحدة وحدها لا تكفي. إن فهم هذه القضية يتطلب الاهتمام بتعاليم دينية أخرى حول الجهد والإرادة الحرة والمسؤولية الفردية وكيفية مواجهة الإنسان لظروف الحياة.

الامام علي (ع): ينبغي السعي في بعض الأيام

يقول الامام علي (عليه السلام) في الرسالة 31 من نهج البلاغة:

"الرزق رزق: الرزق يحتاج إليه، والرزق يحتاج إليك، فإذا لم تعتدوا"

يعني: "اليوم نوعان: يوم تطلبه، ويوم يليك، حتى إن لم تذهب إليه أتاك".

تؤكد هذه الرواية أن جميع الفرص والبركات في الحياة ليست بالضرورة نتيجة لجهود الإنسان المباشرة؛ إلا أن بعض إنجازات الحياة لا تتحقق إلا بالجهد والمتابعة.

لكي يحقق الإنسان الكثير من أهدافه، عليه أن يستغل مواهبه، ويتعلم مهارات، ويخطط ويتعرف على الفرص المتاحة. من ناحية أخرى، في بعض الأحيان يحدث موقف يتجاوز تخطيطه أو تنبؤه المباشر ويمكن أن يخلق فرصة في حياته.

لذلك، يمكن النظر إلى هذه الرواية على أنها تأكيد على الجمع بين الجهد والثقة؛ ليس سببًا للتخلي عن المحاولة والانتظار السلبي لليوم الذي سيأتي.

في التقاليد الإسلامية، تم أيضًا انتقاد الصلاة دون مراعاة المسؤوليات والواجبات الفردية. وفي رواية منسوبة إلى الإمام الصادق (عليه السلام) جاء:

"أربعة لا يستجاب لهم الدعاء: الرجل جالس في بيته يقول: يا رب يا معطي المال! فقال له: لم أعرف أمريكا بالسؤال.

ومضمون الرواية كما يلي: من الذين لا يستجاب لهم الدعاء، من يجلس في بيته ويسأل الله الرزق؛ فيقال له: ألم تؤمر أن تجتهد في كسب الرزق؟

الرسالة الرئيسية لهذه الرواية هي ضرورة الجهد مع الصلاة والثقة. ومن هذا المنظور فإن طلب الرزق من الله لا ينبغي أن يكون بديلاً عن أداء الواجبات واستغلال الفرص المتاحة.

وبطبيعة الحال، فإن التأكيد على الجهد لا يعني أن كل شخص، بغض النظر عن ظروفه المادية والاقتصادية والاجتماعية، لديه نفس الإمكانية للعمل أو كسب الدخل. والمقصود أن الإنسان، بحسب قدراته وأحواله، لا ينبغي أن يهمل المسؤولية والعمل العملي.

ما هي العلاقة بين القدر الإلهي والجهد البشري؟

ومن المفاهيم الخاطئة حول مفهوم القدر أنه بما أن حياة الإنسان تعتمد على إرادة الله، فإن الجهد البشري ليس له أي تأثير على مصيره الاقتصادي. ولا يتوافق هذا التصور مع التقاليد التي تؤكد على طلب الرزق والجهد.

إن الجهد والمهارة والمعرفة والتخطيط وكيفية استغلال الفرص يمكن أن تؤثر على الظروف المعيشية للناس؛ إلا أن النتيجة النهائية لحياة الإنسان الاقتصادية لا تعتمد فقط على مقدار جهده. ويمكن للظروف الاجتماعية والاقتصادية، والوصول إلى التعليم والمرافق، وظروف سوق العمل، وفرص العمل، والصحة والأحداث غير المتوقعة أن تلعب أيضًا دورًا في الدخل ونوعية الحياة.

ولذلك، لا يمكن اعتبار النجاح الاقتصادي للناس علامة على جهدهم الأكبر أو الوضع المعيشي غير المناسب بالضرورة نتيجة الكسل وقلة العمل. فكما أن ترك الجهد لا يتوافق مع التعاليم الدينية، فإن تجاهل الظروف الخارجية وإرجاع كل نتائج الحياة إلى الأداء الفردي لا يقدم صورة كاملة عن الواقع.

وفي هذا الإطار يمكن أن يرتبط الإيمان بالقدر الإلهي بالمسؤولية والتخطيط؛ لأن الإنسان مجبر على التصرف في حدود سلطته وقدرته، دون أن يظن أن كل العوامل المؤثرة في الحياة هي تحت سيطرته.

لماذا البشر ليسوا نفس الشيء؟

يختلف البشر عن بعضهم البعض من حيث المواهب الجسدية والعقلية والمهارات والقدرات الإدارية والقدرات الفردية. ويمكن أن تؤثر هذه الاختلافات على نوع نشاطهم وفرص العمل والنتائج الاقتصادية؛ لكن الاختلاف في الفوائد المادية لا يمكن تفسيره إلا بالاختلاف في المواهب.

هناك عوامل أخرى مثل الظروف الأسرية والمرافق التعليمية والوصول إلى الموارد والوضع الاقتصادي للمجتمع والفرص المتاحة فعالة أيضًا في تشكيل وضع الناس. ولهذا السبب فإن عدم المساواة في دخول الناس أو في المرافق ليس في حد ذاته دليلاً على العدل، ولا دليلاً على الظلم في حد ذاته.

تتحدث الآية 32 من سورة الزخرف عن اختلاف درجات البشر وأرزاقهم، ولكن لاستخلاص استنتاجات حول العدالة الاجتماعية والاقتصادية، يجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار مجموعة التعاليم الدينية. كما لا ينبغي أن يفهم من مفهوم التقدير أن أي نوع من أنواع الفقر أو الحرمان أو عدم المساواة القائمة هو بالضرورة أمر مرغوب فيه أو مقبول.

والإيمان بالحكمة الإلهية لا يزيل مسؤولية البشر تجاه بعضهم البعض. ولا تزال جهود الحد من الحرمان واحترام حقوق الآخرين ومواجهة الظلم وتوفير الفرص العادلة من القضايا المهمة في تقييم السلوك الفردي والاجتماعي.

التقدير اليومي؛ دعوة للثقة أم عذر للكسل؟

إن دراسة الآيات والأحاديث تبين أن موضوع الوردي لا يمكن دراسته من زاوية واحدة فقط. وفي التعاليم الإسلامية يتم التأكيد على الرزق من الله، ومن ناحية أخرى فإن الإنسان مدعو إلى الجهاد وطلب الرزق واستخدام قدراته.

وعليه، لا ينبغي اعتبار القدر الإلهي عدم فعالية اختيارات الإنسان وأفعاله. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تعزى جميع الاختلافات الاقتصادية إلى مستوى جهد الأفراد فقط؛ لأن ظروف الحياة والفرص ليست واحدة للجميع.

يقدم الجمع بين هذه التعاليم صورة أكثر واقعية للعلاقة بين القدر والعناية الإلهية: يجب على الشخص أن يسعى لتحسين حياته، وأن يكون مسؤولاً عن مسؤولياته، وفي الوقت نفسه، أن يقبل حدود سلطته ودور العوامل الخارجة عن إرادته.

وأخيراً يمكن تلخيص رسالة هذه التعاليم في صحبة الجهد والثقة؛ لا ينبغي للمرء أن يتوقف عن الحركة على أمل يوم معين، ولا ينبغي للمرء أن يعتمد كثيرًا على القدرة الفردية بحيث يتم تجاهل دور الظروف الخارجية والنعم غير المتوقعة. مثل هذا التصور لليوم يعزز المسؤولية ويمنع القدر الإلهي من أن يصبح ذريعة للكسل أو تجاهل القضايا الاجتماعية.

1. القرآن الكريم، سورة الزخرف، الآية 32.

2. الشريف الرازي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، تصحيح صبحي صالح، قم: الهجرة، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ، ص. 404، الرسالة 31.

3. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق علي أكبر الغفاري ومحمد أخوندي، طهران: دار الكتاب الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ سنة قمرية، المجلد ٢. 2، ص. 511، باب لا أجيب الدعوة.

4. مكارم الشيرازي، ناصر، رسالة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، بالتعاون مع جماعة من العلماء، طهران: دار الكتاب الإسلامية، الطبعة الأولى، 2006، المجلد الأول. 4، ص. 175.