ضرورة تسليط الضوء على المتاهة الخفية للهيكل الإداري والتنفيذي للبلاد
لقد خلق الخوف من الشفافية متاهة غير مرئية في الهيكل الإداري والتنفيذي للبلاد. عندما لا يضيء أي ضوء داخل المنظمة ولا يتم تقديم وصف تفصيلي وموثق للوظائف، تصبح هذه المتاهة بطبيعة الحال أرضًا خصبة للفساد.
"إن مشاكل المجتمع وإنجازاته لا توجد من تلقاء نفسها، بل يصنعها ويرويها السياسيون". ولعل هذه الجملة الذهبية التي كتبتها ديبورا ستون في كتابها الشهير "مفارقة السياسة: فن اتخاذ القرار السياسي" هي القطعة المفقودة من الحكم في إيران اليوم. نحن نعيش في عصر الاتصالات. عصر لا يكفي فيه القيام بعمل جيد، لكن السرد الدقيق والمقنع لتلك الوظيفة هو الذي يمنح المؤسسات الشرعية ورأس المال الاجتماعي. لكن لماذا تتلعثم المؤسسات المهمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على الرغم من حجم نشاطها، في تقديم مثل هذه الرواية ولا تستطيع إقناع الرأي العام؟
والجواب ينبغي البحث عنه في الحلقة المفقودة من هذه الرواية، وهي الشفافية. وفي معرفة الحكم، فإن الشفافية ليست مجرد لفتة أخلاقية، بل هي أساس متين لأي خطاب ناجح. ومن المؤسف أن الثقافة التنظيمية للعديد من مؤسساتنا تتسم بالخوف المؤسسي والتاريخي من الشفافية. يشعر مدراءنا بالقلق من أنهم إذا وضعوا المستندات والعقود وتفاصيل الميزانية وعمليات صنع القرار الخاصة بمؤسستهم في غرفة زجاجية، فسيتم مهاجمتهم أو إساءة فهمهم أو إساءة استخدامهم.
ولكن هل كانت نتيجة هذا القلق والخوف سوى اللجوء إلى الظلمة؟ وقد خلق هذا الخوف من الشفافية متاهة غير مرئية في الهيكل الإداري والتنفيذي للبلاد. عندما لا يضيء أي ضوء داخل المنظمة ولا يتم تقديم وصف تفصيلي وموثق للوظائف، تصبح هذه المتاهة بطبيعة الحال أرضًا خصبة للفساد.
وحتى لو افترضنا بشكل متفائل أن الفساد لا يحدث في هذه المتاهة الخفية، فإنها على الأقل تضيع فيها أوجه القصور وهدر الموارد وقرارات الخبراء الخاطئة ولا تتاح لها فرصة التصحيح. وفي غياب رواية رسمية وشفافة وصادقة، يقبل الرأي العام بسهولة الروايات المتنافسة والشائعات والتشكيك.
وتوجه هذه المفارقة المدمرة المزيد من الضربات القاتلة إلى جسد رأس المال الاجتماعي في المؤسسات التي تتعامل بشكل مباشر مع ثقة الناس وإيمانهم. وتأتي المنظمات الخيرية ومؤسسات الوقف في طليعة هذه الأمراض.
وهذه المؤسسات هي الوصية على جزء كبير من رؤوس الأموال المادية والمعنوية للأشخاص الذين تبرعوا أو تبرعوا بممتلكاتهم بحسن نية وتقرب إلى الله. عندما لا تستطيع مؤسسة وقفية أو مؤسسة خيرية أن تظهر للجمهور بالضبط أين وكيف ومدى فعالية إنفاق هذه الموارد من خلال النشر الطوعي للوثائق المالية والميزانيات العمومية وتقارير الأداء التفصيلية، فإن صمتها يفسر من قبل الرأي العام على أنه إخفاء. وفي غياب الشفافية، تضيع حتى أكبر الخدمات الثقافية وخطط المجتمع والحرمان الضخمة وسط كتلة من الغموض والشكوك الإعلامية، والمجتمع غير مقتنع.
إن الدرس الكبير المستفاد من كتاب "مفارقة السياسة" لمديرينا وصناع السياسات لدينا هو أن: السرد والدعاية والتلاعب بالألفاظ ليست جميلة؛ إن السرد الفعال هو سرد يعتمد على إحصائيات مفتوحة، ووثائق يمكن التحقق منها، وشفافية وحشية.
ولا يمكن تحقيق زيادة رأس المال الاجتماعي من خلال إصدار التعاميم وتثبيت اللافتات الإعلانية. وإذا كانت المؤسسات الحاكمة والعامة ترغب في استعادة الثقة المفقودة، فيتعين عليها أن تتحلى بالشجاعة اللازمة للخروج من هذه المتاهة غير المرئية. وعليهم أن يعلموا أن فتح أبواب المنظمة أمام الرأي العام وتقديم سرد واضح للإنجازات وحتى الإخفاقات ليس مجرد ضعف، بل هو الحل العلمي الوحيد في الحوكمة الحديثة لبناء رابطة غير قابلة للكسر مع المجتمع.