الأحلام في عالم بلا صور: كيف يحلم المكفوفون؟

المكفوفون يحلمون أيضاً؛ لكن كيف تتشكل أحلام من لم يبصروا قط، وما الفرق بينها وبين أحلام المبصرين؟

زوميت: المكفوفون أيضًا يحلمون؛ ولكن كيف تتشكل أحلام أولئك الذين لم يسبق لهم البصر، وكيف تختلف عن أحلام المبصرين؟

تخيل أنك لم يسبق لك أن رأيت لون السماء أو وجوه الناس أو منظر البحر. ما الذي يدور في ذهنك عندما تغفو؟ هل يمكنك أن تحلم بالمشي على الشاطئ؟ هل لديك صورة للبحر في حلمك أم أنك تشعر بصوت الأمواج وملمس رمال الشاطئ والرياح؟

بالنسبة لمعظم الأشخاص المبصرين، الحلم هو تجربة بصرية في الغالب. عندما ننام، نرى أماكن ووجوهًا تبدو أحيانًا حقيقية تمامًا. قد نسير عبر مدن لم نزرها من قبل أو نلتقي بأشخاص توفوا منذ سنوات.

لكن الحلم لا يتكون فقط من الصور. يمكن أيضًا أن تكون الأصوات والحركة واللمس والروائح والعواطف مثل الفرح والخوف جزءًا من تجربة النوم. وهذا يساعد على فهم أحلام المكفوفين.

يحلم المكفوفون أيضًا مثل المبصرين، لكن طريقة تجربة هذه الأحلام يمكن أن تكون مختلفة. عند فقدان البصر، تؤثر الذكريات البصرية والتجارب الحسية للإنسان على محتوى أحلامه. قد يظل الشخص الذي أصبح أعمى كشخص بالغ يرى صورًا حية في الأحلام؛ في حين أن أحلام الشخص المكفوف خلقيا تعتمد عادة بشكل أكبر على الصوت واللمس والحواس الأخرى.

ولكن لا يزال هناك سؤال مهم: هل يستطيع دماغ شخص لم يسبق له رؤية العالم بعينيه تكوين صورة بصرية أثناء النوم؟

ماذا يرى المكفوفون خلقيًا في أحلامهم؟

لفهم أحلام الأشخاص المكفوفين خلقيًا، يجب علينا أولًا أن نغير مفهومنا الشائع عن الأحلام. الحلم لا يعني بالضرورة مشاهدة سلسلة من الصور؛ يمكن للدماغ أن يخلق قصة كاملة للأشخاص والأماكن والأحداث بدون صور مرئية.

لنفترض أن شخصًا أعمى منذ ولادته يحلم أنه يمشي بجانب البحر. قد يتشكل حلمه من خلال صوت الأمواج، والشعور بالرمال تحت قدميه، ورائحة هواء البحر، وصوت صديق يمشي بجانبه. يمكنه أن يعرف أين يقف ومن معه وما يحدث دون أن يختبر بالضرورة الصورة المرئية للشاطئ.

تظهر الأدلة العلمية أن الأشخاص المكفوفين خلقيًا يواجهون المزيد من العناصر السمعية واللمسية والشم والذوق في أحلامهم مقارنة بالأشخاص المبصرين. في الواقع، فإن المعلومات التي يعتمدون عليها لفهم العالم عندما يكونون مستيقظين لها حضور أقوى في أحلامهم أيضًا. فمثلاً قد يرى الشخص المبصر وجه أحد أصدقائه في المنام، أما الشخص الكفيف خلقياً فيمكن أن يتعرف على نفس الصديق من خلال صوته أو إدراك وجوده في قصة الحلم.

هذا الاختلاف لا يعني أن تجربة النوم لدى المكفوفين محدودة أو غير مكتملة. يمكن أن تشمل أحلامهم أيضًا الأماكن المألوفة وغير المألوفة والمحادثات والحركة والإثارة والأحداث المعقدة. يكمن الاختلاف الرئيسي في المعلومات الحسية التي يستخدمها الدماغ لبناء هذه التجارب.

وجهة النظر التقليدية هي أن الأشخاص المكفوفين خلقيًا، لأنهم ليس لديهم خبرة في الرؤية الطبيعية، لا يمكن أن يكون لديهم نفس الأحلام البصرية مثل الأشخاص المبصرين. ووفقاً لهذا الرأي، يحتاج الدماغ إلى تجارب بصرية سابقة لإعادة بناء الصور أثناء النوم.

لكن بعض النتائج العلمية تحدت هذا الافتراض. بعض المكفوفين خلقيًا، بعد الاستيقاظ، يصفون أحلامهم بكلمات مرتبطة بالصور والرؤية. في بعض الدراسات، أظهر نشاط الدماغ أثناء النوم أنماطًا مشابهة لتلك المتعلقة بالصور العقلية لدى الأشخاص المبصرين.

ومع ذلك، فإن تفسير هذه النتائج ليس واضحا. قد يستخدم الشخص المكفوف خلقيًا كلمات مثل "رؤية" أو "صورة" لوصف إدراك شكل الأشياء وموضعها دون أن تكون التجربة مشابهة للرؤية بالعينين. كما أن تنشيط أجزاء الدماغ التي ترتبط عادةً بمعالجة المعلومات المرئية لا يثبت وحده أن الشخص يختبر صورًا مرئية.

ونتيجة لذلك، لا يزال من غير الممكن أن نقول على وجه اليقين أن الأشخاص المكفوفين خلقيًا لا يرون أبدًا صورًا مرئية في أحلامهم، أو على العكس من ذلك، لديهم تجربة شبيهة بالرؤية. وما هو أوضح هو الدور البارز للسمع واللمس والحواس الأخرى في أحلامهم.

قد تختلف تجربة أحلام الأشخاص الذين قضوا جزءًا من حياتهم مبصرين بشكل كبير عن أحلام الأشخاص المكفوفين خلقيًا.

يمتلك الشخص الذي فقد بصره في مرحلة البلوغ العديد من الذكريات البصرية؛ من وجوه الأقارب ولون الملابس إلى الشوارع والمباني والمناظر الطبيعية. وقد تظهر هذه الذكريات في أحلامه بعد سنوات من إصابته بالعمى. على سبيل المثال، قد يظل الشخص الذي أصيب بالعمى في سن الثلاثين يحلم بوجه والدته أو منزل طفولته في سن الخمسين.

ومع ذلك، فإن المحتوى المرئي للأحلام لا يبقى دائمًا ثابتًا. عند بعض الأشخاص، كلما طال أمد العمى، زادت ضبابية صور الأحلام، وقد ينخفض ​​وضوحها أو لونها أو وجودها. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تصبح الأصوات والأحاسيس اللمسية والتجارب الحسية الأخرى أكثر وضوحًا.

عمر فقدان البصر مهم أيضًا. الأشخاص الذين أصيبوا بالعمى بعد حوالي خمس إلى سبع سنوات من العمر هم أكثر عرضة لرؤية أحلام بصرية؛ لأنه في سنوات النمو، أتيحت لهم فرصة أكبر لتكوين ذكريات وتمثيلات بصرية. في المقابل، فإن أولئك الذين فقدوا بصرهم في مرحلة الطفولة المبكرة جدًا قد يواجهون صورًا بصرية أقل أو لا يرونها على الإطلاق في أحلامهم.

وبطبيعة الحال، فإن عمر خمس إلى سبع سنوات ليس حدًا محددًا بين وجود أحلام بصرية وعدم وجودها. كما تلعب كمية الرؤية قبل العمى وعملية نمو الدماغ والذكريات الشخصية والفروق الفردية دورًا في تجربة الحلم.

ومن المثير للاهتمام أن الأحلام البصرية للمكفوفين في السنوات اللاحقة لا تقتصر بالضرورة على ما رأوه قبل أن يفقدوا بصرهم. قد يحلم بعض هؤلاء الأشخاص بتمثيلات مرئية لأشخاص أو أشياء دخلت حياتهم بعد أن أصيبوا بالعمى. وهذا يدل على أن الدماغ لا يقوم ببساطة بتشغيل الصور المخزنة في الذاكرة أثناء الحلم، ولكن يمكنه إنشاء تجارب جديدة باستخدام ذكريات ومعلومات جديدة.

كيف يكوّن الدماغ صورة ذهنية عن البيئة دون رؤية؟

القدرة على التعرف على الفضاء لا تعتمد فقط على العيون. يستخدم الدماغ أيضًا المعلومات التي يتلقاها من خلال السمع واللمس وحركة الجسم لفهم البيئة.

لنفترض أنك في غرفة مظلمة. حتى بدون رؤية الأشياء، قد تتمكن من التعرف جزئيًا على موقعك والأشياء المحيطة بك عن طريق لمس الحائط أو سماع صوت شخص يمشي في الغرفة.

يمكن للأشخاص المكفوفين أيضًا استخدام المعلومات الحسية للتعرف على شكل الأشياء وحجمها وبعدها وموضعها. يتم تخزين هذه المعلومات في الذاكرة ويمكن أن تشكل جزءًا من تجربة الحلم. ترتبط هذه القدرة بخاصية مهمة للدماغ تسمى المرونة العصبية أو المرونة العصبية.

تسمح المرونة العصبية للدماغ بتغيير الطريقة التي تعمل بها شبكاته العصبية وتتواصل استجابةً للتجارب والظروف المختلفة. في الأشخاص المكفوفين خلقيًا، يمكن لأجزاء الدماغ التي تُستخدم عادةً لمعالجة المعلومات البصرية لدى الأشخاص المبصرين أن تشارك أيضًا في معالجة المعلومات المتعلقة بالحواس الأخرى.

ولهذا السبب، فإن غياب الرؤية لا يعني أن الدماغ غير قادر على بناء تمثيلات معقدة للعالم. يستطيع الأعمى أن يفهم مواقع الأشياء والمسافات والعلاقة المكانية بينها في ذهنه دون أن تكون لديه صورة بصرية.

وبطبيعة الحال، لا بد من التمييز بين هذه التمثيلات المكانية والتجربة الفعلية للرؤية. حقيقة أن الدماغ يمكن أن يمثل بنية بيئة بدون رؤية لا تعني بالضرورة أنه يخلق نفس التجربة البصرية مثل الأشخاص المبصرين.

هل يعاني المكفوفون من كوابيس أكثر؟

يعاني المكفوفون من الكوابيس تمامًا مثل الأشخاص المبصرين، لكن بعض الدراسات تشير إلى أن الكوابيس قد تكون أكثر شيوعًا بين الأشخاص المكفوفين خلقيًا.

في إحدى الدراسات التي فحصت أحلام المكفوفين والمبصرين على مدى أربعة أسابيع، أبلغ المكفوفون خلقيًا عن كوابيس أكثر من المجموعتين الأخريين. وكانت أحلامهم أيضًا أكثر عرضة للتعرض لمواقف عدوانية.

يرتبط أحد التفسيرات المحتملة لهذا الاختلاف بالتجارب اليومية. قد يواجه المكفوفون عقبات أو مواقف غير متوقعة أو مشاكل في إمكانية الوصول عند التنقل في بيئات غير مألوفة. إن تجربة مثل هذه الظروف يمكن أن تخلق شعوراً بالقلق أو عدم الأمان، ومن المحتمل أن ينعكس جزء منه في محتوى الأحلام. على سبيل المثال، يمكن أن يكون فقدان طريقك أو مواجهة عقبة مفاجئة أو عدم القدرة على الوصول إلى وجهتك بمثابة كوابيس.

هناك فرضية أخرى تربط الاختلاف في طريقة تشكيل ومعالجة التمثيلات العقلية بتجربة الكوابيس. ومع ذلك، فإن الأدلة المتاحة ليست كافية لتأكيد هذه التفسيرات بشكل قاطع. كما أن عدد المشاركين المكفوفين في الدراسات ذات الصلة كان محدودًا نسبيًا. لذلك، لا يمكن استنتاج أن جميع المكفوفين يعانون من كوابيس أكثر أو أن العمى في حد ذاته يزيد من الكوابيس.

على الرغم من الاختلاف في التجارب الحسية، إلا أن المحتوى العاطفي والسرد لأحلام المكفوفين والمبصرين يتشابه كثيرًا. ويتحدث المكفوفون أيضًا مع الآخرين أثناء نومهم، ويسافرون، ويواجهون مواقف غير متوقعة، ويختبرون مشاعر مثل السعادة، والحزن، والخوف، والإثارة.

وفي الدراسات المقارنة، وعلى الرغم من اختلاف المحتوى الحسي، إلا أنه لا يوجد فرق شامل وكبير بين المواضيع والمشاعر العامة لأحلام المكفوفين والمبصرين. ولذلك، لا ينبغي لنا أن نتصور أحلام المكفوفين أقل تفصيلا أو محدودة عاطفيا. ويمكن أن يكون لديهم أيضًا تجارب معقدة وحيوية وعاطفية، حتى لو لم تكن هذه التجارب تعتمد على الصورة.

إن فحص أحلام المكفوفين يساعد على فهم أحد الأسئلة المهمة في علم الأعصاب: كيف يخلق الدماغ تجربة عقلية من الذكريات والمعلومات الحسية؟

في حياتنا اليومية، نتلقى جزءًا كبيرًا من معلومات البيئة من خلال أعيننا. ربما لهذا السبب نعتقد أن تجارب مثل الحلم يجب أن تعتمد أيضًا على الصور. لكن أحلام المكفوفين تظهر أن الدماغ لا يحتاج بالضرورة إلى الرؤية لبناء العالم العقلي. يمكن للأصوات واللمس والحركة والذكريات والعواطف أيضًا أن تشكل تجربة كاملة وذات معنى معًا.

ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الصور في أحلام بعض الأشخاص الذين أصيبوا بالعمى فيما بعد يدل على أن التجارب البصرية السابقة يمكن أن تظل في الذاكرة لفترة طويلة بعد فقدان البصر.

لا توجد حتى الآن إجابات محددة لجميع الأسئلة. وعلى وجه الخصوص، فإن طبيعة التجارب البصرية المحتملة في أحلام الأشخاص المكفوفين خلقيًا لا تزال موضع نقاش علمي. كما أن دراسة مثل هذه التجارب أمر صعب؛ لأن الباحثين لا يستطيعون ملاحظة المحتوى العقلي للأحلام بشكل مباشر ويعتمدون بشكل كبير على وصف الأشخاص بعد الاستيقاظ.

ومع ذلك، هناك شيء واحد واضح: لست بحاجة إلى أن ترى بعينيك لكي تحلم. حلم المشي على الشاطئ يمكن أن يتكون من صوت الأمواج، والشعور بالرمال تحت قدميك ووجود صديق. تجربة قد تكون مختلفة بصريًا عن حلم الشخص المبصر، لكنها لا تزال تحمل نفس القصة والشعور والمعنى.