المعمّى المتعلق بعلي لاريجاني: حين يحتاج الإحساسُ السياسي إلى عقل الفيلسوف

في خضمّ أمواج السياسة المتلاطمة، يحول غبارُ الخصومات وصراعاتُ التيارات العابرة عادةً دون أن نرى الظواهر والأشخاص في إطارها الحقيقي ووظيفتهم الفعلية.

علمتني سنوات التواجد في مجال الإعلام والتحليل أن الأحكام الآنية والمسيسة هي أكبر آفة المعرفة في عواصم الحكم. ولكن بعيداً عن الاصطفافات التقليدية لليسار واليمين وصخب الأسماء، يتعين عليك في بعض الأحيان أن تتوقف وتنظر إلى أنماط إدارة البلاد من زاوية أعلى.

هذه الأيام، في التحليلات الاتصالية والإعلامية، تتم مناقشة موقف وشخصية شخصيات مثل علي لاريجاني؛ شخصية ربما قبل ألقابه التنفيذية والسياسية، وربما أكثر، ينبغي أن تُقرأ على أنها "عقل فلسفي في مجال التخطيط العام".

إن أزمات العالم المعاصر، وخاصة في الوضع الجيوسياسي والاقتصادي الحساس الذي تعيشه إيران اليوم، لم تعد تحل بحلول خطية ومتسرعة وسطحية وعاطفية. يحتاج هيكل الإدارة إلى مديرين يتمتعون "بالنزاهة الفكرية" أكثر من أي وقت مضى؛ أولئك الذين يستطيعون فك تشابكات الأزمة قبل أن تصبح أكثر تعقيدا. ولكن من أين تأتي هذه الشمولية؟

جذر القصة في أبجدية الفلسفة. الفلسفة ليست مجرد عدد قليل من النظريات المجردة الموجودة على رفوف المكتبات؛ الفلسفة هي طريقة في التفكير، والدقة في صياغة المفاهيم، وفهم التناقضات، وتجنب تبسيط القضايا المعقدة. وهذا هو الفرق بين الناشط ذو الفكر الفلسفي والمديرين ذوي البعد الواحد. العقل الفلسفي يفهم "المشكلة" نفسها بدقة ودون تحيز قبل تقديم الحل؛ إنه يفصل العواطف عن عملية صنع القرار ويتنبأ بعواقب كل قرار بعدة خطوات للأمام.

عندما يتم دمج قاعدة المعرفة هذه مع سنوات من الخبرة التشغيلية، ومعرفة الطبقات المخفية للعلاقات الدولية وأساليب التفاوض، يتم تشكيل شخصية يشار إليها باسم "حل المشكلات" في أدبيات الإدارة الإستراتيجية. شخص يعرف فن تهدئة الميدان وتوجيه السفينة في المياه الهائجة بدلاً من خلق الأزمات أو الغرق في روتين الإدارة اليومي. والدليل على هذه الخاصية يمكن رؤيته حتى في تقييم السياسيين الدوليين ذوي الخبرة؛ حيث في العقد الصعبة للدبلوماسية، توجد على اللسان أسماء الأشخاص الذين لديهم القدرة على فتح مآزق تبدو غير قابلة للاختراق.

وحاجة إيران اليوم لمثل هذا الرأي لا علاقة لها بمصالح هذا الفصيل أو إضعافه؛ إنها ضرورة وطنية للصمود والتنمية. إن حصر المفكرين في استقطابات سياسية عابرة ونسيان أسلوب إدارتهم يحرم المجتمع من نموذج رصين وعقلاني في اتخاذ القرار.

الإدارة الحديثة تتطلب التوازن. التوازن بين المُثُل والواقع، بين الدبلوماسية والهوية، وبين التحدث والاستماع. إن إعادة قراءة التجربة الحياتية لأولئك الذين خرجوا من سرير المعرفة والتفكير النظري إلى ميدان العمل تحمل هذا الدرس العظيم للجيل الجديد من صناع القرار وهو أن "السياسة بدون دعم فلسفي تؤدي إلى الشعبوية أو السلبية".

وعليه، فإن الحفاظ على رأس المال الفكري وإعادة إنتاج النهج العقلاني في إدارة الأمور ليس خياراً احتفالياً؛ إنها ضرورة حيوية لتجاوز الأيام الصعبة بحكمة. لبناء المستقبل، علينا أن نتعلم كيفية تسخير العقول القادرة على حل المشكلات وإعادة الفلسفة إلى طاولة صنع القرار...