من الشارع إلى شاشة الهاتف؛ حدود المظهر والتغطية في عصر الشبكات الاجتماعية

أدى نقل التفاعلات البشرية إلى الشاشة الساطعة للهواتف الذكية إلى تحويل بنية الوهج البصري وخصوصية الجسم؛ تطور يكشف ضرورة إعادة القراءة الفقهية العميقة لأحكام النظر والستر أكثر من أي وقت مضى.

الإرسالية - الخدمة التعليمية: يشهد العالم المعاصر نوعاً من الانفجار البصري. إذا كانت اللقاءات البشرية في الشوارع أو الأسواق أو أماكن العمل أو البيئات التعليمية حتى عقود قليلة مضت تقتصر على المساحات المادية، فقد تغيرت اليوم هذه الحدود تمامًا مع وجود الشبكات الاجتماعية. في أي لحظة، وبلمسة بسيطة على شاشة الهاتف الذكي، يدخل رجل اليوم إلى مساحة مليئة بالصور المفتوحة، والزوايا الشخصية لحياة الناس، والملابس، والأجساد، والوضعيات غير الرسمية. وقد واجه هذا التحول الأساسي تحديات نظرية وسلوكية جديدة لمفاهيم مثل العزلة، والمواجهة، والتغطية، والنظر؛ التحدي الذي يظن فيه الكثير من المستخدمين أنه بسبب عدم وجود جدار مادي وأنهم يواجهون صورة رقمية، فإن الأحكام الأخلاقية والمتطلبات الفقهية للنظر والستر هي الأخرى مفقودة أو معلقة.

ومن وجهة نظر علم اجتماع الاتصال وتحليل وسائل الإعلام، فإن للفضاء الافتراضي طبيعة يسميها الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، غلبة الادعاء على الواقع. وفي هذا الفضاء تحل الصورة محل الإنسان الحي وينشأ نوع من الخدر الأخلاقي أو ظاهرة البعد النفسي. يوضح إريك فونتانا والباحثون المعاصرون في مجال الأخلاقيات الرقمية أنه عندما تتم المشاهدة الوسيطة من خلف شاشة بلورية، فإن المستخدم يشعر بمسؤولية أخلاقية أقل مقارنة بالمشاهدة المباشرة في الفضاء الحقيقي. وهذا يخلق سياقًا للعجب اللامحدود أو لظاهرة البهجة البصرية للمراقب المجهول. يشعر الجمهور بأنه لا يمكن رؤيتهم، لذلك يُسمح لهم بمشاهدة أي صورة، ومن ناحية أخرى، يدفع منتج المحتوى حدود الخصوصية والملابس إلى الوراء يومًا بعد يوم من أجل جذب الانتباه والإعجابات في اقتصاد الاهتمام.

لكن في مجال الفكر الديني ونظام الفقه الإمامي، فإن هذا القطيعة المفاهيمية بين العالم المادي والعالم البصري غير مقبولة؛ لأن موضوعية أحكام النظر والستر تنتظم حول أساسين مركزيين، هما الكرامة الأصيلة في الإنسان، والسيطرة على الشهوة. ينشئ الفقه الإسلامي معادلة ذات اتجاهين مع الواضع المزدوج وغاز بصر؛ فهو من ناحية يحدد مسؤولية الحماية والستر لصاحب الجسد، ومن ناحية أخرى يحدد مهمة غض البصر وحبس البصر للناظر. وفي آيات سورة مباركة نور، يبدأ القرآن الكريم هذه الهندسة المزدوجة بالضبط من خلال الترويج لضبط البصر، للرجال والنساء على السواء، ثم يأتي إلى مسألة المحافظة على التنانير وأغطية الزينة. وتبين هذه الأولوية أنه قبل أن يغطي الشخص الآخر نفسه، يجب على المشاهد أن يتحلى بالأخلاق والانضباط والعفة.

وقد استخلص الفقهاء المعاصرون، ردا على المسائل المستجدة المتعلقة بالصور والأفلام، هذا المبدأ الأساسي المتمثل في أن معيار حرمة النظر ليس مجرد الاتصال الجسدي أو التواجد تحت سقف واحد، بل إن الاختلاط الجنسي والربا، أي الخوف من الوقوع في الإثم، يعتبران العمود الفقري للفقه. ورغم أنه في النظرة الفقهية التقليدية فإن رؤية صور الأشخاص المجهولين أو المعتبرين من الأشخاص الذين لا ينتبهون إذا كانت محرمة، تواجه بصرامة أقل إذا لم يكن هناك نية للمتعة ودون خوف من الفتنة، لكن بمجرد ظهور عنصر المتعة أو انهيار الأمن النفسي للأسرة، لا فرق بين الشخص الحقيقي في الشارع وصورته المتحركة على صفحة الإنستغرام. وأشار ز والإمام الخميني في تحرير الوسيلة إلى أن النظر بلذة جنسية إلى أجنبي عن المحرم بأي صورة وصيغة هو باطل وسلبي، لأن الإثارة الجنسية شيء يعمل عن بعد ويؤثر بشكل مباشر على قلب الإنسان وعقله.

ومن ناحية أخرى، تظهر السلوكية الحديثة في مجال العفة الرقمية أن نشر الصور الخاصة بملابس محلية الصنع أو غير تقليدية يجلب نوعا من التطبيع لكسر الحدود. إن الإنسان الذي يقدم صورة غير لائقة عن نفسه، حتى لو لم تكن لديه نية أخرى في نيته الأصلية، فقد هز على الأقل الخصوصية الاجتماعية للكرامة. المجتمع الديني هو هيئة متصلة؛ كلما تكاثرت الصور غير التقليدية في مجال رؤية الناس، ضعفت القدرة العقلية للمجتمع على العيش العفة. إن النظرات المستمرة والمهملة إلى هذه الشاشة تؤدي إلى تآكل القدرة على التمتع الصحي داخل الأسرة؛ لأن العقل البشري عالق في المقارنة المستمرة بين الصور المثالية والمفلترة والمخادعة للفضاء الافتراضي مع الوجه الحقيقي لشريك الحياة في العالم الحقيقي.

ولذلك فإن رأي الفقه في مسألة الستر والستر ليس مجرد توجيه ظاهري لضبط سنتيمترات القماش؛ الغطاء هو أداة للحفاظ على الهوية الإنسانية للرجال والنساء حتى يتمكن الناس من التواجد في العلاقات الاجتماعية بأفكارهم وفنونهم وخبراتهم وفضائلهم، وليس كأصول بصرية. النظرة الشرعية تعتبر العين باب القلب؛ وعندما تُترك هذه النافذة مفتوحة دون مرشح، فإن طوفان الصور يبتلع التركيز الذهني وراحة البال والسلام الداخلي ويحوله إلى اضطراب دائم من الشهوة والمقارنة. إن إعادة قراءة هذه الوصايا تظهر أن الناس اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاجون إلى التقوى الرقمية وحرص البصر عند أقدام هذه الشاشات حتى لا يفقدوا إنسانيتهم ​​وسط كل هذه الصور الساحرة.

إن التحليلات الواردة في هذا التقرير حول ضرورة كبح البصر وتنظيم الحجاب وربط النظر الحرام بالإهمال الروحي وما يتبعه من ذنوب، مأخوذة من آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة في نصوص الإمامية القديمة:

1. الحكم القرآني في البصر وحفظ البلعوم:

في آيات سورة النور، أمر الله تعالى المؤمنين أولاً أن يغضوا من أبصارهم، ويلبسوا تنورة العفة، وأمر النساء المؤمنات على الفور أن يغضضن من أبصارهن، ويحفظن جيباتهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها.

سورة مباركة نور، الآية 30 و 31.

تفسير هذه الآيات وحدودها في الكتب الفقهية والرواية: تفسير التبيان، الشيخ الطوسي، المجلد الأول. 7، ص. 428.

2. النظرة الملوثة هي مثل سهم الشيطان المسموم:

وقد قال الامام الصادق (عليه السلام) في خطبة التحذير: النظرة غير الشرعية سهم مسموم من سهام الشيطان، وربما النظرة تورث الندم على المدى الطويل. رواية تحدد المعيار النفسي لتغلغل الخطيئة في أعماق الإنسان: رؤية نصيبي حصة الشيطان المسموم والنقص مني، رؤية ميراث الندم الطويل.

الوصل الشيعي، الشيخ الحر العاملي، المجلد الأول. 20، كتاب النكاح، أبواب الزواج، باب 28، ص. 191، الحديث 25399.

3. القاعدة الفقهية لإكرام الرأي بالربا والمتعة:

وقد بيّن فقهاء الإمامية أن النظر إلى غير المحرم بقصد المتعة والربا حرام مطلقاً، حتى في الحالات التي يجوز فيها الوجه واليدين بدون هذا القصد، وكذلك الحكم في الصور والفيديوهات.

تحرير الوسيلة، الامام الخميني، ج٤. 2، كتاب النكاح، باب أحكام النزار، ص 15. 243، العدد 20.

وأيضاً: الطلقات علي العراوة الوغاكي، آية الله محمد فاضل لنكراني، المجلد الأول. 2، ص. 778.