ملاصالحي: الإنسان المعاصر معرّض لنسيان حقيقته الوجودية

قال الأستاذ الرائد في علم الآثار بجامعة طهران في ندوة «أنطولوجيا الذكرى والنسيان»: إن الإنسان المعاصر بات معرّضاً لنسيان حقيقته الوجودية.

وبحسب مراسل السفير أرجان، وبمبادرة من ملتقى الفلاسفة الإيرانيين وبمشاركة مدينة الفلسفة الإيرانية، عُقد مساء اليوم 21 تشرين الأول/أكتوبر، لقاء "أنطولوجيا الذاكرة والنسيان"، بحضور إن شاء الله رحمتي، رئيس مؤسسة بوالي سينا ​​العلمية والثقافية، وحكمت الله ملصالحي، الأستاذ الأول في علم الآثار بجامعة طهران.

وفي معرض تأكيده على العلاقة بين التذكر والوجود الإنساني، قال ملا صالحي، أستاذ الآثار المخضرم في جامعة طهران: إن إحدى المشاكل الأساسية للإنسان المعاصر هي الابتعاد عن مصدر وجوده والوقوع في الذكريات والارتباطات والانشغالات غير المستقرة في الحياة اليومية. وهو وضع يمكن اعتباره أحد جذور الأزمات الوجودية الإنسانية اليوم.

وأشار في بداية حديثه إلى العلاقة بين التذكر والشعر والتصوف، وأشار إلى أبيات الرومي وقال: في التقليد الصوفي، لا يعني التذكر مجرد تذكر حدث ما أو إعادة العقل إلى الماضي، بل يشير إلى الاعتراف بحقيقة أساسية في الوجود الإنساني. الحقيقة المنسية في مجرى الحياة اليومية وبين الارتباطات العابرة.

وأضاف مشيراً إلى موضوع أشعار الرومي حول الوحدة والتعددية: من وجهة نظر الرومي، قبل الوقوع في أشكال العالم وتعدديته، كان للإنسان علاقة بحقيقة واحدة ومصدر مشترك. القضية الأساسية هي كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز المظاهر والعلاقات العابرة ويستعيد علاقته بتلك الحقيقة الأساسية.

سأل هذا الأستاذ الجامعي السؤال: ماذا يعني التذكير؟ وقال: لفهم المعنى العميق لليد، يجب على المرء أن ينأى بنفسه عن التصور المعتاد واليومي. والتذكر في هذا المستوى ليس مجرد إعادة معلومات سابقة إلى العقل، بل هو نوع من الصحوة الوجودية والعودة إلى الحقيقة التي أهملها الإنسان.

وفي إشارة إلى مفهوم تاريخنة الإنسان، أشار مصلح: عندما يقع الإنسان في فخ الزمان والمكان التاريخيين، فإنه قد يفقد علاقته بالحقيقة التي تتجاوز وضعه التاريخي وارتباطاته اليومية. وفي مثل هذا الوضع تكون مسألة الوجود وعلاقة الإنسان به في ظل انشغالات الحياة وصراعاتها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار النسيان مجرد مسألة نفسية أو تتعلق بالذاكرة؛ النسيان يمكن أن يعني إهمال الإنسان لوجوده.

تلاوة مواضيع الرومي الصوفية حول الوعي والتذكر، وأوضح: عندما ينأى الإنسان بنفسه عن الذكريات والعلاقات غير المستقرة، فإنه قادر على إقامة علاقة حية ومباشرة وصادقة مع حقيقة وجوده. وهذا البعد لا يعني إنكار الحياة والعالم، بل يعني التخلص من التبعيات التي تسلب الإنسان إمكانية الحضور والوعي الأعمق.

وتابع عضو مجلس أمناء مؤسسة علم إيران: جزء من أزمة الإنسان المعاصرة يمكن العثور عليه في هذه الفجوة؛ رجل اليوم، على الرغم من امتلاكه مرافق مادية وتعليمية واسعة النطاق، لا يشعر بالضرورة بمزيد من الاسترخاء والرضا. إن زيادة الإمكانيات في حد ذاتها لا تعني الحصول على حياة ذات معنى. قد يفقد الإنسان علاقته بالحقيقة التي تعطي معنى لحياته وسط عدد كبير من الاحتمالات والتجارب اليومية.

إن لحظات الألفة التي يشعر بها الإنسان دفعة واحدة يمكن أن تكون بمثابة اعتراف بنظام الوجود

وفي إشارة إلى الارتباط بين التذكر والتجارب الإنسانية العميقة، قال: في بعض اللحظات، يشعر الإنسان أنه واجه حقيقة مألوفة؛ حقيقة كانت له علاقة بها من قبل، لكنه نسيها خلال حياته. ولا يمكن اختزال مثل هذه التجربة ببساطة في مجرد تذكر ذكرى شخصية، لأن موضوعها قد يكون الاعتراف بنظام وجودي من غير المرجح أن ينشأ في الحياة العادية.

ناقش أستاذ علم الآثار بجامعة طهران الذنب والضمير الأخلاقي وقال: يمكن أيضًا فحص تجربة الذنب والذنب من منظور أعمق. الذنب ليس مجرد الوعي بارتكاب فعل خاطئ؛ أحيانًا ينشأ هذا الشعور من حقيقة أن الشخص يقارن نفسه بمستوى من النقاء أو الكمال أو الكرامة الأخلاقية التي يدركها في أعماق كيانه.

وأضاف مصلح: ومن هذا المنطلق، كلما زاد وعي الإنسان بهذا المستوى الأخلاقي والوجودي، فإنه قد يصبح أكثر حساسية لأخطائه. في التقاليد الدينية والصوفية، أحيانًا يشعر أولئك المعروفون بالطهارة والروحانية بالذنب ويحتاجون إلى العودة أكثر من غيرهم. لذلك، يجب أن يُفهم الشعور بالذنب أيضًا فيما يتعلق بالفكرة التي يمتلكها الإنسان عن حقيقة وجوده وكرامته.

كما أكد هذا الباحث والكاتب من بلادنا على أهمية الارتباط بين المعرفة والذاكرة من خلال الرجوع إلى الأساطير والفكر اليوناني القديم وقال: لفهم بعض مفاهيم الفلسفة اليونانية، ينبغي للمرء أن ينتبه إلى خلفيتها الأسطورية والروحية. المعرفة في هذا التقليد لا تعني دائمًا جمع المعلومات أو اكتساب معرفة جديدة بمعناها الحديث؛ المعرفة أحيانًا تعني التذكر والتعرف على الحقيقة التي كانت لنا علاقة بها من قبل.

وفي إشارة إلى مفهوم "الأفكار" وارتباطها بالذاكرة في الأساطير اليونانية، أوضح ملصالحي: في الأساطير اليونانية، للذاكرة والتذكر مكانة أساسية وترتبطان بالشعر والموسيقى والإبداع الثقافي. ويبين هذا الارتباط أن التذكر ليس مجرد وظيفة عقلية وفردية، بل يمكن أن يرتبط بتجربة الجمال والإبداع الفني وكشف الحقيقة.

وأضاف: في مثل هذا الأفق، لا يكون الشعر والموسيقى مجرد ترفيه أو شكل من أشكال الإنتاج الفني؛ يمكنهم أخذ الشخص إلى ما هو أبعد من مستوى العادات اليومية والسماح له بإعادة الاتصال بالطبقات الأعمق من الوجود. ولهذا السبب، في التقاليد الروحية، كان للموسيقى والشعر والطقوس التذكارية مكانة خاصة.

الروح والحقيقة وراء الحياة المادية

وبالإشارة إلى مفهوم النفس وعلاقتها بحقيقة ما وراء الحياة المادية، قال هذا الأستاذ الجامعي: هناك حديث في التقاليد الفلسفية والروحية عن حقيقة تربط الإنسان بمصدر يتجاوز وضعه المادي والتاريخي. ومن وجهة النظر هذه، فإن الإنسان ليس مجرد مخلوق يعيش في حدود الاحتياجات الجسدية والحسابات العقلية؛ وفي وجوده هناك أيضًا إمكانية تجربة المعنى والجمال والعظمة والحقيقة.

وأشار عضو مجلس أمناء مؤسسة العلوم الإيرانية إلى مضمون بعض أشعار الرومي حول غذاء الروح والاستفادة من حقيقة تتجاوز الاحتياجات المادية، فقال: كما يحتاج الجسد إلى الغذاء، فإن النفس البشرية تحتاج أيضًا إلى نوع من التغذية الروحية. إذا كانت حياة الإنسان مقتصرة فقط على الاحتياجات المادية والملذات العابرة، فمن الممكن أن يتجاهل احتياجاته الأعمق. فالمسألة الأساسية ليست في نفي الاحتياجات المادية، بل الاهتمام بحقيقة أن جميع أبعاد الوجود الإنساني لا يمكن تفسيرها بالاحتياجات المادية.

وشدد على أهمية الصمت والصلاة والطقوس الروحية، وتابع: من الممكن أن تظهر بعض التجارب الإنسانية عندما يهدأ ضجيج العقل واللغة اليومية. في هذه الحالة، يمكن للشخص أن يحقق طبقة من الخبرة التي من غير المرجح أن تحدث في الكلام العادي وبين العديد من الأفكار.

وفي إشارة إلى مكانة "الصمت" في التقاليد الروحية، قال المصلي: الصمت بهذا المعنى لا يعني ببساطة عدم التحدث، بل يمكن أن يكون سياقًا للاستماع والفهم؛ فرصة للإنسان أن ينأى بنفسه عن تراكم الأفكار المستمر وينتبه إلى ما هو موجود في أعماق كيانه. وفي مثل هذه التجربة، يمكن للكلام أيضًا أن يكتسب جودة مختلفة ويتجاوز مستوى الكلام العادي.

وأشار إلى الشعائر الدينية ودورها في التذكر، وأضاف: يمكن فهم الكثير من الشعائر الدينية من هذا المنطلق. إنها تذكر الإنسان بحقيقة قد يتجاهلها في حياته اليومية. فالصوم والصلاة والذكر، من هذا المنظور، ليس مجرد مجموعة من الأفعال الخارجية، بل يمكن أن يكون فرصة لمراجعة العلاقة بين الإنسان ونفسه، والعالم والحقيقة.

في المدرسة الفلسفية اليونانية، الوصول إلى الحقيقة يصاحبه نوع من النسيان

وبالإشارة إلى مفهوم الحقيقة في اللغة اليونانية وتفسيرها الفلسفي، قال هذا الأستاذ الجامعي: في بعض القراءات الفلسفية يرتبط مفهوم الحقيقة بمسألة النسيان والكشف. وأهمية هذا التصور تكمن في أن الحقيقة لا تعتبر فقط بمعنى مطابقة القضية للواقع، بل يمكن فهمها بارتباطها بالخروج من الغفلة وكشف شيء كان مخفيا في السابق.

وأضاف مصلح: ومن هذا المنطلق فإن الوصول إلى الحقيقة يرتبط بنوع من التحرر من النسيان؛ وكأن على الإنسان أن يتذكر ما خفي من عادات وعلاقات وأشكال الحياة اليومية. في اللغة الفارسية، توفر الكلمات والتعابير المتعلقة بالذاكرة والتعلم أساسًا للتفكير في الارتباط بين التعلم والتذكر؛ ولكن ينبغي دراسة هذا الارتباط وفق الاختلافات اللغوية والتاريخية.

وبالإشارة إلى دور الذاكرة في الثقافة والإبداع الفني، أوضح: يمكن أن يكون الشعر والموسيقى والفن بمثابة الوصي على التجارب التي لا يمكن التعبير عنها بسهولة باللغة المفاهيمية والتفكير اليومي. في بعض الأحيان، قبل أن يتمكن الشخص من تعريف الجمال أو العظمة، يختبره الشخص. تظهر هذه التجربة أنه ليس كل التصورات البشرية تمر عبر التعريف المفاهيمي والتفكير.

وتابع المصلحي: قبل صياغة المفهوم نظريًا، قد يكتشف الإنسان علاقته به من خلال التجربة المباشرة. على سبيل المثال، تجربة الجمال أو الرحمة أو العظمة لا تبدأ بالضرورة بتعريفها. في مثل هذه الحالات، يمكن تشكيل الصياغة المفاهيمية بعد الخبرة؛ ولذلك لا ينبغي للمرء أن يقتصر على القدرة الكاملة للمعرفة الإنسانية على ما يمكنه التعبير عنه في شكل قضايا وحجج.

وتأكيداً على أهمية نسيان الذات في بعض التقاليد الروحية، قال هذا الأستاذ الجامعي: بالإضافة إلى النسيان الذي يبعد الإنسان عن حقيقة وجوده، يمكننا أيضاً أن نتحدث عن نوع من التحرر من الذات المحدودة واليومية. ولكي يصل الإنسان إلى حضور أعمق، عليه أحياناً أن ينأى بنفسه عن الانشغال الدائم بالرغبات والحسابات والصورة التي رسمها عن نفسه.

النسيان الفلسفي يؤدي إلى زوال الأنانية

وأضاف: هذا النسيان للذات لا يعني تدمير الهوية أو تجاهل المسؤوليات الفردية، لكنه يعني التغلب على الأنانية وفتح أفق أوسع للخبرة. أفق لا يقتصر فيه الإنسان على رغباته واعتباراته الفردية، ويمكن فيه اكتشاف علاقته بحقيقة تتجاوز ذاته.

وفي إشارة إلى العلاقة بين التجارب الطبيعية والمكتسبة في حياة الإنسان، قال مصلح: إن كل ما يعرفه الإنسان أو يفعله ليس نتيجة التعليم المباشر والوعي الاستدلالي. يعتمد جزء مهم من حياة الإنسان على القدرات والآليات التي تعمل دون قرارات واعية وأوامر العقل المباشرة. وبالإضافة إلى هذه القدرات، يمتلك الإنسان قدرات على التجربة والتلقي، وهي قدرات تتعلق بالجمال والعظمة والإحساس بالمعنى.

وأكد: من المهم عدم تحويل الإنسان إلى مخلوق يحاسب ويفكر. وفي التقاليد الروحية والفلسفية، تم أيضًا النظر في أبعاد أخرى للوجود الإنساني؛ الأبعاد المتعلقة بالذكر والحضور والحدس والتذكر.

وفي إشارة إلى مكانة "الذكر" في فكر الرومي، قال هذا الأستاذ الجامعي: لا ينبغي اعتبار "الذكر" مجرد تكرار لفظي للعبارة. يمكن للتذكر أن يخرج الشخص من التشتت الذهني والانشغال المستمر بالأفكار اليومية ويوفر سياقًا لحضور واهتمام أعمق. وبهذا المعنى، فإن الذكر ليس مجرد نشاط عقلي، بل هو وسيلة للوجود وإقامة علاقة مع الحقيقة.

وبمقارنة هذا الرأي بصورة الإنسان في العصر الجديد، قال مصلحي: غالبًا ما يتم تعريف الإنسان في العالم الجديد على أساس العقلانية والفكر والقدرة على الحساب؛ لكن في العديد من التقاليد الفلسفية والروحية، لا تقتصر الحقيقة الإنسانية على هذه الأبعاد. في هذه التقاليد، هناك حديث عن نظام يتجاوز الفكر المفاهيمي ويتجلى في تجربة الحضور والصمت والتذكر.

وأشار إلى قصة الرسم الصيني واليوناني في المثنوي، وأشار إلى الفرق بين التمثيل وتلقي الحقيقة وقال: في بعض الروايات، المهم ليس مجرد تراكم الصور والأدوار، بل نوعية الانعكاس والقدرة على التأمل. كلما كانت مرآة الوجود الإنساني أوضح من الظلمات والعوائق، كلما زادت إمكانية تلقي الحقيقة وانعكاسها فيها. يمكن أن يكون هذا الموضوع مرتبطًا بتأكيد التصوف على نقاء القلب ودور الذكر في تنوير الإنسان الباطن.

وفي النهاية، وبالعودة إلى موضوعات الرومي حول العلاقة بين الفكر والتذكر، أكد الملا صالحي على ضرورة إعادة الاهتمام بالتذكر في الحياة المعاصرة. ومن وجهة نظره، يحتاج إنسان اليوم، لكي يتخلص من التشظي والضغوط الوجودية، إلى إعطاء مكان للصمت والتذكر وتجربة الجمال والاعتراف بحقيقة وجوده إضافة إلى التفكير والحساب؛ لأن حياة الإنسان لا تنتظم فقط من خلال زيادة المعلومات وتوسيع الإمكانيات، بل تتطلب أيضًا إقامة علاقة ذات معنى مع الحقيقة.