من آية قرآنية إلى إثبات حياة الإمام الزمان (ع) ؛ ما هي حجة سورة القدر؟
وتخبر الآية الرابعة من سورة القدر عن نزول الملائكة والأرواح في هذه الليلة؛ حدث يتكرر كل عام على سنن أهل البيت (ع). الاستمرارية نفسها تثير سؤالاً أساسياً: على من تنزل الأقدار السنوية، وما علاقة هذه المسألة بضرورة وجود سلطة إلهية حية؟
وبحسب قاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، فإن استمرار نزول الملائكة ليلة القدر وارتباط هذا الحدث بمصائر الأمور، من بين الحجج القرآنية والسردية في الفكر الشيعي، هو إثبات ضرورة وجود الدليل الإلهي الحي في كل العصور؛ حجة مبنية على آيات سورة القدر وأحاديث أهل البيت (ع) توضح مكانة إمام العصر (ع) في المذهب الشيعي.
في المذهب الشيعي يعتبر الإيمان بحياة الإمام الزمان (ع) أحد الركائز الأساسية للمهدية. ومن المواضيع التي ركز عليها العلماء والباحثون الدينيون في شرح هذه العقيدة هو الارتباط بين استمرارية ليلة القدر ونزول الملائكة وضرورة الدليل الإلهي في كل عصر.
وبحسب الرواية الميدانية، ومن أجل دراسة أبعاد هذه الحجة القرآنية والسردية، فيما يلي حوار مع حجة الإسلام والمسلمين سيد رضا مؤدب، أحد الباحثين في مجال الدراسات القرآنية والحديثية، وصفا لهذا الرأي وتوثيقه السردي.
لماذا وردت سورة القدر لإثبات وجود الإمام الزمان (ع)؟
سورة مباركة القدر هي من السور التي وردت في روايات وتفاسير الشيعة لبيان ضرورة وجود إمام وحجة إلهية في كل عصر. ونقرأ في الآية الرابعة من هذه السورة:
"نزول الملائكة وما فيهم من الروح بإذن ربهم على العالم أجمعين"
وبموجب هذه الآية تنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بإذن الرب للقيام بمهام إلهية تتعلق بأمور القدر.
وفي روايات أهل البيت (ع) تتعلق هذه الآية بموضوع استمرار ليلة القدر وعرض القدر على الله. وعلى هذه الروايات فإن الملائكة في ليلة القدر تعرض أمور السنة المقبلة على إمام كل مساء؛ أمور تشمل مختلف جوانب حياة الإنسان والمخلوقات الأخرى.
ومن هذا المنطلق فإن نزول الملائكة ليس حدثا مرتبطا بزمن الرسول الكريم (ص) فحسب، بل يتكرر كل عام. ويعد استمرار هذا الحدث أحد المحاور الأساسية في الجدل السردي حول ضرورة وجود أدلة إلهية حية في كل العصور.
استمرار شعب القدر في ضوء تقاليد أهل البيت (ع)
وفي المصادر الروائية الشيعية هناك أحاديث تؤكد على استمرارية ليلة القدر وضرورة وجود سلطان الله في الأرض. ومن هذه الأحاديث حديث روي في كتاب الكافي المجلد الأول ص 251.
وفي هذه الرواية يؤكد الإمام الباقر (ع) على أن الله قد كتب أن في كل سنة ليلة ينزل فيها تفسير الأمور وبيانها إلى ليلة القدر من العام المقبل. وفي استمرار الرواية أثير ضرورة وجود الحجة لأهل الأرض من أول الخليقة إلى نهاية العالم.
ويبين مضمون الرواية أن ليلة القدر في نظر أهل البيت (ع) ليست مجرد تذكير بحدث تاريخي، بل هي حدث مستمر في منظومة التخطيط الإلهي. وعلى هذا القول، فكما يستمر نزول الملائكة وتبليغ الأمور الإلهية، فلا بد من وجود دليل على عرض هذه الأمور عليه.
وفي جزء آخر من هذه الرواية يذكر دور الأنبياء وأوليائهم، ويذكر أن الأنبياء السابقين أيضًا أرسلوا بعثات تتعلق بليلة القدر وعينوا وليًا من بعدهم. يوضح هذا الموضوع، في إطار معتقدات الشيعة، الارتباط بين استمرارية الهداية الإلهية ووجود الحجة في كل عصر.
هل ليلة القدر خاصة بزمن الأنبياء فقط؟
ويأتي في تكملة هذا الحديث حديث أبي ذر، سئل فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن استمرار ليلة القدر؟ والسؤال هل ليلة القدر كانت موجودة فقط في حياة الأنبياء والوحي إليهم أم ستستمر بعد وفاة الأنبياء إلى يوم القيامة؟
وفي الحديث المذكور يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم استمرار ليلة القدر إلى يوم القيامة. وهذه الرواية، إلى جانب الأحاديث المتعلقة بنزول الملائكة ووجود الحجة الإلهية، أساس آخر لحجة الشيعة حول استمرار وجود الحجة على الأرض.
ومن استمرار نزول الملائكة إلى ضرورة وجود إمام حي
وحصيلة هذه الآيات والروايات في تفسير الشيعة أن ليلة القدر ليست حدثاً يقتصر على أول الإسلام، بل يستمر إلى نهاية العالم. أما في أحاديث أهل البيت (ع) فإن نزول الملائكة في هذه الليلة مرتبط بوجود السلطة الإلهية وعرض القدر عليه.
وعلى هذا فإذا تكررت ليلة القدر كل عام وكانت حجة الله لا تزال موجودة في الأرض، فلا يمكن اعتبار أي عصر خاليا من حجة الله الحية. وبحسب الإمامية الشيعية فإن هذا الدليل هو حضرة المهدي (ع) في العصر الحالي.
وبالطبع تجدر الإشارة إلى أن آيات سورة القدر وحدها لا تذكر اسم الإمام الزمان (ع) ولا كل تفاصيل هذه الحجة؛ بل النتيجة المذكورة مستمدة من الربط بين آيات القرآن وأحاديث أهل البيت (ع) وأصول عقيدة الشيعة في استمرارية الإمامة.
ومن هذا المنطلق، فإن سورة القدر، بالإضافة إلى التعبير عن عظمة ومكانة ليلة القدر، في التفسير السردي الشيعي، توفر أيضًا منبرًا لمناقشة أحد موضوعات المهدية المهمة: أن الهداية الإلهية ووجود الحجة الإلهية لا يقتصران على فترة محددة، وفي كل عصر هناك برهان حي للأرض.