روايةُ خيّرَين من قم عن بناء المدارس؛ استثمار من أجل مستقبل إيران الإسلامية

قم- يروي خيّران من قم، باني مدارس، نظرةً ترى أن الخير لا يُلتمس في تكديس الثروة، بل في ترك أثر خالد في حياة الناس

سفير أرجان - مجموعة المحافظات - محمد بارسا يافاري: التعليم أساس تطور وتقدم كل مجتمع ومدرسة، هو المعقل الأول لبناء مستقبل مشرق لأجيال الغد، حيث تتشكل الأفكار، وتحظى المواهب بفرصة الازدهار، وتُزرع بذور المعرفة في حياة الأطفال الذين سيشكلون مستقبل الأرض.

ولذلك فإن بناء المدرسة لا يمكن أن يقتصر على بناء بضعة فصول دراسية وإقامة جدران من الطوب والإسمنت، بل المدرسة هي استثمار في الإنسان ومشاركة في بناء مستقبل لا تقتصر ثماره على أسرة واحدة أو جيل واحد.

وبهذه الطريقة، يكون للمحسنين من بناة المدارس دور يتجاوز توفير الموارد المالية، من خلال تحويل أصولهم إلى فرص جديدة للتعلم، وتوفير إمكانية الوصول إلى التعليم للأطفال والمراهقين وتذكير المجتمع بأن القيمة الحقيقية للثروة في بعض الأحيان لا تكمن في ما نحتفظ به لأنفسنا، ولكن في التغيير الذي نحدثه في حياة الآخرين.

وتتضاعف أهمية هذا النهج عندما نعلم أنه ليس كل الطلاب يدخلون المدرسة في نفس الظروف، فالبعض يحتاج إلى أماكن تعليمية تناسب احتياجاتهم الخاصة، والبعض الآخر محروم من المرافق التعليمية الأساسية في المناطق المحرومة، والبعض الآخر يحتاج إلى الدعم والرفقة أكثر من أي شيء آخر لمواصلة تعليمهم.

وفي مثل هذه الحالة، يمكن أن يكون المحسنون همزة الوصل بين احتياجات المجتمع وقدرات الناس من خلال بناء المدارس وتجهيز المراكز التعليمية وتحسين المساحات المهترئة ودعم الأسر المحتاجة.

وفي محافظة قم، إلى جانب الأنشطة التعليمية والتربوية الواسعة، هناك محسنون خصصوا جزءًا من ممتلكاتهم وقوتهم وفرص حياتهم لخدمتهم، أناس يؤمنون بأن الخير يجب أن يتجاوز حدود الكلمات ويتدفق في شكل أفعال ملموسة في حياة الناس.

عشية انعقاد المؤتمر والمهرجان الثامن والعشرين لمحسني بناء المدارس في محافظة قم، يفتح سرد حياة وتجربة اثنين من هؤلاء المحسنين نافذة على المعنى الأعمق للعمل الخيري، أحدهما من خلال بناء مدرسة خاصة للطلاب ذوي الإعاقة العقلية وإنشاء مركز للخدمات الصحية، والآخر من خلال دعم وبناء الأنشطة وتلبية احتياجات الأسر ذات الدخل المنخفض، التي حاولت أن تلعب دورها في بناء مجتمع به المزيد من فرص التعليم والرعاية الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن هذين الرويتين بدأا من مسارات مختلفة، إلا أنهما يلتقيان عند نقطة واحدة، وهو الاعتقاد السائد بأن الاستثمار في التعليم والصحة وراحة الناس هو أحد أكثر الموروثات ديمومة التي يمكن تركها وراءنا.

سنستمع إلى كلمات علي أصغري، أحد فاعلي مدارس محافظة قم، الذي بدأ نشاطه بدافع عاطفي ونظرة استشرافية واستخدم جزءًا من ممتلكات والدته وميراثها في طريق العمل الجيد، وهو الآن يحاول إبقاء اسمها وذكراها حيًا في شكل خدمات دائمة للمجتمع.

يقول هذا باني المدرسة المحسن عن دافعه لدخول مجال بناء المدارس: يعيش الإنسان في هذا العالم، ولكن ما يتركه وراءه يمكن أن يستمر في حياة الآخرين. هذه النظرة جعلتني أقرر تخصيص جزء من الممتلكات والميراث الذي ورثته عن والدتي لنشاط سيبقى أثره لسنوات قادمة.

وأضاف: بدعم من مجموعة تأهيل مدارس محافظة قم، تم توفير الأرضية لبناء مدرسة للطلبة المتفوقين.

ومن أجل هذا الخير فإن بناء المدارس لا يقتصر فقط على تمويل بناء مبنى تعليمي، وما يعطي معنى لهذا العمل هو وجود طلاب يحتاجون إلى مرافق وبيئة وبرامج تناسب ظروفهم من أجل الاستمتاع بالتعليم.

وعن أول لقاء قريب له مع طلاب هذه المدرسة، يتحدث عن تجربة عمقت وجهة نظره في أهمية هذا العمل.

يوضح خير قمي: عندما تم اقتراح موقع المدرسة، كان هدفي هو الاستثمار في مكان يستفيد منه الناس بشكل مباشر.

ويتابع بوصف البيئة التعليمية للمدرسة بعد البناء: يوجد في الفصول طلاب من مختلف الأعمار ويضع المعلمون برنامجًا تعليميًا خاصًا لكل منهم حسب ظروفه واحتياجاته. لقد كانت رؤية هذه الجهود والتعرف على حالة الطلاب تجربة رائعة وشعرت أن هذا المسار يمكن أن يصل إلى نتيجة قيمة.

ويشير إلى لقاءه بطلاب من ذوي الإعاقات المختلفة، بما في ذلك العمى والإعاقات العقلية، كجزء من تجربته الشخصية، ويرى أن التعرف على حياة واحتياجات هؤلاء الأطفال يجعل أهمية توفير الفرص التعليمية المناسبة أكثر وضوحًا.

من بناء المدارس إلى تطوير الخدمات الصحية

لا تقتصر أنشطة مؤسسة قم الخيرية هذه على بناء المدارس، بل اتخذ أيضًا إجراءات في مجال الصحة ومن خلال المشاركة في بناء مركز الخدمة الصحية في حي محطة توليد الكهرباء في قم، كرس جزءًا من سلطته لتطوير الخدمات الطبية.

يقول علي أصغري في هذا الصدد: تم أيضًا بناء مركز نيروجة للخدمات الصحية بمشاركتنا وهو يعمل منذ أكثر من عام، وسمي المدرسة وهذا المركز الطبي باسم والدتي لتبقى ذكراها واسمها على شكل خدمة الناس.

ومن وجهة نظره، يعد التعليم والصحة مجالين أساسيين في تنمية المجتمعات، وهما مجالان يحظىان بأي قدر من الاهتمام والاستثمار، ويمكن أن يوفرا الأساس للنمو وتحسين نوعية حياة الناس.

وفي نصحه للأشخاص الذين لديهم الإمكانيات المالية، يؤكد هذا البناء المدرسي الجيد على ضرورة الاهتمام بمستقبل أنفسهم وأسرهم بالإضافة إلى المسؤولية الاجتماعية ويقول: يجب على الآباء والأمهات أن يسعوا جاهدين لتوفير حياة ومستقبل أبنائهم، ولكن بالإضافة إلى هذه المسؤولية، يجب ألا يهملوا فرصة المشاركة في أعمال دائمة، والاستثمار في التعليم والصحة هو الأساس للعديد من التطورات والتطورات التي تعود آثارها على المجتمع.

وبالإشارة إلى تجارب الحياة وأهمية استغلال الفرص، يرى أن تراكم الثروة وحده لا يمكن أن يضمن طول عمر الإنسان والمهم هو كيفية استخدام الإمكانيات المتاحة لتحسين حياة الآخرين.

الخير الدائم هو الخير الذي يعطي الحياة

وفي جزء آخر من حديثه، يشير هذا المعلم الجيد في المدرسة إلى التقاليد الدينية حول الصدقة الجارية والآثار الدائمة للعمل الصالح، ويقول: من الناحية الدينية، بعض الأعمال الصالحة تعود بالثواب على الإنسان بعد وفاته، وبناء مكان يمكن للناس استخدامه وترك إرث يمكن للآخرين الاستفادة منه ومواصلة طريقه هي أمثلة على هذه الأعمال.

ويرى أن المدرسة التي يدرس فيها الطلاب لسنوات، والمركز الذي يساعد على صحة الإنسان، والبيئة التي توفر منصة لنمو وتعليم جيل المستقبل، يمكن أن تصبح إرثًا دائمًا؛ تراث لا تختفي قيمته مع مرور الوقت، بل يسري في حياة المزيد من الناس.

إن رواية هذا الخير القمي ستعود أخيرًا إلى نفس النقطة التي كانت بداية حركته، مستغلًا الفرصة التي توفرها الحياة للإنسان لترك شيء يتجاوز ممتلكاته المادية.

ويأمل علي أصغري أن تكون المدرسة التي تم بناؤها باسم والدته آمنة لتعليم ونمو الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة لسنوات عديدة، وأن يتمكن مركز الخدمة الصحية أيضًا من المساهمة في تحسين حياة الناس والنصب التذكاريين اللذين يظهران معًا صورة رابطة حب الأسرة مع المسؤولية الاجتماعية.

من إصلاح المدارس إلى دعم الأسر المحتاجة

وعلى الجانب الآخر من هذه الرواية، هناك فاعل آخر من محافظة قم، بدأ نشاطه من خلال تلبية احتياجات الناس الثقافية والاجتماعية، ووسع نطاق عمله تدريجياً إلى مجال بناء المدارس، وإصلاح وتجهيز الفضاءات التعليمية، وبناء قاعات الصلاة، ودعم الأسر ذات الدخل المحدود.

ويسعدنا أن نستمع إلى كلمات جواد قاسمي سعداتماند، ويقول خير قمي، مشيراً إلى تجربته في الأنشطة الثقافية والتواجد في المناطق الحضرية والريفية: خلال البرامج والأنشطة المختلفة، واجهنا نواقص ومشاكل في بعض المدارس.

ويشرح عن بداية هذا المسار: من أولى أعمالنا تم تنفيذها في قرية السراجة بالتعاون مع مجموعة ترميم المدارس وأهل البيت (ع) وخيران، وفي هذا المشروع كان بناء قاعة للصلاة بمشاركة هذه المجموعات على جدول الأعمال.

ووفقا له، فإن هذا الإجراء هو بداية مسار تتم فيه محاولة إزالة بعض النقائص الموجودة من خلال تحديد احتياجات المدارس، وهي أنشطة لا تقتصر بالضرورة على مشاريع البناء الكبيرة وتشمل أحيانا إصلاح جزء متضرر أو تحسين المرافق أو توفير مساحة مناسبة للأنشطة الثقافية والدينية للطلاب.

مؤكداً على أهمية مشاركة الناس في تحسين أوضاع المدارس، أضاف هذا المحسن القمي: بالإضافة إلى إجراءات البناء، نتعاون مع مختلف المدارس في المدينة والقرى، ونحاول متابعة احتياجات الطلاب التي يتم تحديدها من قبل مديري ومسؤولي المدارس قدر الإمكان.

15 عاما من الخبرة في مجال الدعم والمجالات الاجتماعية

لا يقتصر نطاق أنشطة هذه المؤسسة الخيرية على تحسين البنية التحتية التعليمية، كما أن دعم الأسر ذات الدخل المنخفض يعد أيضًا جزءًا مهمًا من برامجه ومجموعته.

وأشار إلى نحو 15 عاما من النشاط في المجالات الداعمة والاجتماعية، قال: في مناسبات مختلفة منها شهر رمضان المبارك وعيد الغدير والنصف من شعبان ونوروز، نقوم بتوزيع سلل معيشية على الأسر المحتاجة، وبالإضافة إلى ذلك، تستفيد بعض الأسر أيضًا من دعم هذا الجمع بشكل شهري.

مشيراً إلى التعاون مع المدارس لتحديد الأسر المحتاجة، يقول خير قمي: إن مديري المدارس على علم بهذه الأنشطة، وكلما تم التعرف على أسرة بين الطلاب تواجه مشاكل معيشية، يتم عرض الأمر على مجموعتنا حتى نتمكن من دعم تلك الأسرة قدر الإمكان.

ويعزز أسلوب التعاون هذا الارتباط بين المدرسة والدعم الاجتماعي، لأن المدرسة، بالإضافة إلى دورها التربوي، يمكن أن توفر الأساس للتعرف على بعض الاحتياجات الخفية للأسر وتمهيد الطريق أمامها للحصول على الدعم العام.

ومن هذا المنطلق فإن مساعدة الطالب لا تقتصر على توفير الكتب والقرطاسية فحسب، بل إن دعم أسرته أيضا يمكن أن يقلل من بعض هموم الحياة ويوفر ظروفا أكثر ملاءمة لمواصلة التعليم.

وتعتقد هذه المؤسسة الخيرية لبناء المدارس أنه كلما تم تعزيز التواصل بين الناشطين الاجتماعيين ومديري المدارس والمحسنين، ستزداد أيضًا إمكانية تحديد الاحتياجات بشكل أكثر دقة وتوجيه المساعدات إلى المحتاجين.