لماذا لا تستطيع الاتصالات في العصر الرقمي أن تحلّ محل الألفة؟

نتبادل الرسائل يومياً مع عشرات الأشخاص، ونطّلع على أخبار الأصدقاء والمعارف، ونحضر على منصات التواصل الاجتماعي؛ لكن أحياناً، في نهاية اليوم، ومع كل هذا التواصل، نشعر بأنه لا يوجد أحد يمكننا أن نتحدث معه حقاً. لماذا لا تستطيع التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تزيل المسافات، أن تملأ دائماً الفراغ الذي تتركه الألفة والعلاقات الإنسانية العميقة؟

ووفقا لقاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، في عصر الاتصالات الرقمية، أصبح الوصول إلى الآخرين أسهل من أي وقت مضى؛ من برامج المراسلة والشبكات الاجتماعية إلى مكالمات الفيديو التي تجسر المسافات الجغرافية. ومع ذلك، فإن زيادة التواصل لا تعني بالضرورة تقليل الشعور بالوحدة. ويشير تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2025 إلى أن حوالي واحد من كل ستة أشخاص في العالم يعاني من الوحدة؛ وهي مشكلة يبحث، بالإضافة إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية، علاقتها بجودة العلاقات الإنسانية ونمط استخدام الفضاء الافتراضي. ويطرح هذا التناقض سؤالا جوهريا على مجتمع اليوم: لماذا لا نزال نواجه صعوبة في إقامة علاقة عميقة وذات معنى مع الآخرين على الرغم من إمكانية التواصل المستمر؟

وبحسب رواية مهر، يبدأ الصباح بصوت إشعار الهاتف المحمول؛ بعض الرسائل في مجموعة العائلة، صورة من صديق، سؤال من زميل وسلسلة من الإشعارات الجديدة على الشبكات الاجتماعية. خلال اليوم، نتواصل مع الآخرين مرات عديدة، ونتعرف على حياة الأصدقاء والمعارف، ونعلق ونرسل الرسائل. وربما نعرف حتى عن الأحداث التي جرت في حياة أولئك الذين لم نرهم منذ سنوات. ومع ذلك، في بعض الأحيان، في نهاية اليوم، عندما نترك الهاتف الخلوي جانبًا، نشعر وكأننا كنا على اتصال مع الكثير من الأشخاص، لكن لم تتح لنا الفرصة لإجراء محادثة حقيقية وعميقة مع أي منهم.

ويعد هذا الوضع أحد التناقضات المهمة للحياة الاجتماعية في العصر الرقمي؛ عصر أصبح فيه التواصل أسهل، لكن تجربة الشعور بالوحدة لا تزال تعتبر إحدى القضايا الخطيرة المتعلقة بالصحة والعلاقات الاجتماعية.

الوحدة تختلف عن كونك وحيدًا

لفهم هذه القضية، يجب على المرء أولاً أن يفرق بين "أن تكون وحيدًا" و"الشعور بالوحدة". تُعرّف منظمة الصحة العالمية الوحدة بأنها تجربة غير سارة تحدث عندما تكون هناك فجوة بين العلاقات الاجتماعية المتوقعة أو التي يحتاجها الشخص والعلاقات التي يعيشها فعلياً.

وعليه، فإن العيش وحيدًا لا يعني بالضرورة الشعور بالوحدة؛ مثلما أن التواجد بصحبة العائلة والأصدقاء والزملاء لا يمكن أن يضمن وحده الشعور بالانتماء. قد يعيش الإنسان بين الأشخاص المحيطين به، لكنه يشعر أن لا أحد يفهمه بشكل صحيح أو لا يستطيع الحصول على الدعم العاطفي من الآخرين في المواقف الصعبة.

يوضح هذا الاختلاف أن مشكلة الوحدة لا يمكن تفسيرها بعدد الأصدقاء أو مقدار التواصل الاجتماعي أو مدى شبكة الاتصالات بين الناس. المهم هو نوعية العلاقات ودرجة الشعور بالألفة والدعم والانتماء الاجتماعي.

كما سلط تقرير لجنة التواصل الاجتماعي التابعة لمنظمة الصحة العالمية لعام 2025 الضوء على الأبعاد الواسعة لهذه القضية. ووفقا لهذا التقرير، يشعر ما يقرب من واحد من كل ستة أشخاص في العالم بالوحدة. ولا تقتصر هذه الظاهرة على كبار السن، فالمراهقين والشباب هم أيضاً من بين الفئات التي تعاني من قدر كبير من الوحدة. تظهر هذه النتائج أن الوحدة لا يمكن اعتبارها مجرد مشكلة تتعلق بالشيخوخة أو الحياة المنعزلة.

لكن في ظل تزايد انتشار أدوات الاتصال كل يوم، ما هي العوامل التي تسببت في استمرار هذا الشعور؟

المزيد من التواصل لا يعني بالضرورة المزيد من العلاقة الحميمة

أتاحت الشبكات الاجتماعية التواصل في أقصر وقت ومن مسافات جغرافية طويلة. هذه القدرة مهمة بشكل خاص للأشخاص البعيدين عن عائلاتهم، أو المهاجرين المنفصلين عن أصدقائهم، أو المرضى الذين لا يستطيعون التواجد في الأماكن العامة. في مثل هذه الحالة، يمكن أن يساعد الاتصال الرقمي في الحفاظ على العلاقات وتقليل المسافات.

ولذلك، فإن إرجاع مشاعر الوحدة إلى شبكات التواصل الاجتماعي نفسها يقدم صورة مبسطة للمشكلة. العلاقة بين استخدام هذه الأدوات والشعور بالوحدة معقدة للغاية بحيث لا يمكن استخلاص نفس النتيجة بالنسبة للجميع.

على سبيل المثال، أفاد التحليل التلوي للأبحاث المتعلقة باستخدام فيسبوك والشعور بالوحدة، والذي تم نشره في مجلة *Computers in Human Behavior* عام 2014، بوجود علاقة إيجابية وهامة بين هذين المتغيرين؛ ومع ذلك، فإن شدة هذه العلاقة لم تكن هي نفسها في الدراسات المختلفة. [2] ونتيجة لذلك، لا يمكن الاستنتاج بناءً على هذه النتائج فقط أن الاستخدام الأكبر للشبكات الاجتماعية يؤدي إلى زيادة الشعور بالوحدة في جميع الظروف.

كما درست الأبحاث المحلية العلاقة بين الشعور بالوحدة والميل إلى استخدام شبكات التواصل الاجتماعي. وفي دراسة أجريت على طلاب السنة الثانية بالمدارس الثانوية في طهران، تم فحص 346 طالباً وأشارت النتائج إلى وجود علاقة إيجابية ومعنوية بين الوحدة العاطفية والوحدة الاجتماعية والميل إلى استخدام شبكات التواصل الاجتماعي. وبحسب تقرير هذا البحث، فإن مكوني الوحدة العاطفية والاجتماعية تمكنا من التنبؤ بحوالي 48% من التغيرات في الميل لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي.[3]

هذه النتيجة مهمة أيضًا من زاوية أخرى: قد يلجأ بعض الأشخاص إلى هذه المساحات ليس بسبب استخدام الشبكات الاجتماعية، ولكن استجابة للشعور بالوحدة. في مثل هذه المواقف، يمكن أن يصبح الهاتف المحمول أداة للهروب من الصمت أو ملء الفراغ العاطفي أو تقليل الشعور بالعزلة مؤقتًا.

دورة قد تؤدي إلى تفاقم الشعور بالوحدة

لنفترض أن شخصًا ما يشعر أن لديه عددًا قليلاً من الأصدقاء المقربين في علاقاته اليومية. ولتعويض هذه الفجوة، يلجأ إلى شبكات التواصل الاجتماعي ويتواصل مع العديد من الأشخاص في فترة زمنية قصيرة. قد تجعلها هذه التفاعلات تشعر بالتحسن لفترة من الوقت، لكنها لا تلبي بالضرورة حاجتها إلى العلاقة الحميمة والدعم العاطفي والانتماء. ونتيجة لذلك، يعود الشعور بالفراغ وقد يقضي الشخص وقتًا أطول في الفضاء الإلكتروني.

وبهذه الطريقة، تتشكل دورة يمكن أن يحفز فيها الشعور بالوحدة على استخدام المزيد من الفضاء الافتراضي، كما أن الاستخدام المفرط أو غير المتناسب أيضًا، في بعض المواقف، يقلل من فرصة إقامة علاقات أعمق.

بحث إيراني على 400 طالبة من طالبات المدارس الثانوية في مدينة كرج، بحث في العلاقة بين الوحدة والإدمان على شبكات التواصل الاجتماعي. أظهرت نتائج هذا البحث أن الوحدة والدعم الاجتماعي المتصور لهما علاقة كبيرة بالإدمان على شبكات التواصل الاجتماعي، ويلعب الدعم الاجتماعي المتصور دوراً وسيطاً في هذه العلاقة.[4]

مفهوم الدعم الاجتماعي مهم بشكل خاص هنا. إن وجود العديد من الاتصالات لا يعني بالضرورة أن المرء سيحصل على دعم الآخرين في أوقات الحاجة. قد يكون لدى شخص ما مئات المتابعين، لكنه لا يعرف بمن يتصل عندما يواجه مشكلة خطيرة. في المقابل، يمكن للشخص الذي لديه عدد قليل من الأصدقاء المقربين أن يتأكد من أنه لن يكون بمفرده في المواقف الصعبة.

وفي الواقع، فإن عدد الاتصالات وحده ليس مقياسًا جيدًا لقياس جودة العلاقات الاجتماعية. المهم هو وجود أشخاص يمكن الوثوق بهم والاستفادة من دعمهم في المواقف الحرجة.

عندما تتشكل الوحدة في قلب العائلة

الشعور بالوحدة ليس دائمًا نتيجة لقلة العلاقات الاجتماعية؛ في بعض الأحيان يتشكل هذا الشعور أيضًا بين أقرب الأشخاص في الحياة. إن التواجد في عائلة أو إقامة علاقة زوجية لا يضمن تلقائيًا العلاقة الحميمة والرضا العاطفي.

في دراسة استقصائية أجريت على 385 رجلاً وامرأة متزوجين يعيشون في المناطق 2 و6 و15 في طهران، تم التحقيق في العلاقة بين الوحدة والدعم المتصور والرضا الزوجي واستخدام الشبكات الاجتماعية الافتراضية. أشارت نتائج هذا البحث إلى وجود علاقة موجبة ومعنوية بين الشعور بالوحدة وكمية استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، كما أشارت إلى وجود علاقة سلبية ومعنوية بين الدعم العاطفي والرضا الزواجي واستخدام هذه الشبكات.[5]

تكمن أهمية هذه النتيجة في أنها تظهر أنه يمكن تجربة الشعور بالوحدة حتى في المعاشرة والعلاقات الأسرية. قد يكون لدى الشخص زوج وأطفال وعائلة، ولكن عاطفيا، يشعرون أنهم لا يرونهم أو يسمعونهم.

في مثل هذه الحالة، قد يصبح التواجد على الشبكات الاجتماعية وسيلة لتعويض جزء من الاحتياجات العاطفية غير الملباة. يتحدث الشخص مع الآخرين، أو يتابع حياة أشخاص مجهولين، أو يقضي ساعات في الفضاء الإلكتروني؛ سلوك لا يمكن أن يُعزى دائمًا إلى الاهتمام بالتكنولوجيا فقط.

في بعض الأحيان يكون السلوك الرقمي أحد أعراض مشكلة أعمق في العلاقات الاجتماعية أو العاطفية. ولهذا السبب، فإن الحكم على الأشخاص الذين يقضون الكثير من الوقت على شبكات التواصل الاجتماعي، بغض النظر عن ظروفهم المعيشية ونوعية علاقاتهم، لا يمكن أن يقدم صورة كاملة عن المشكلة.

المقارنة مع حياة الآخرين؛ من المشاركة إلى المشاهدة

ميزة أخرى للشبكات الاجتماعية هي إمكانية مشاهدة أجزاء من حياة الآخرين باستمرار. عادةً ما ينشر المستخدمون صورًا وقصصًا عن رحلاتهم، ونجاحهم المهني، وزواجهم، وولادة طفل، وشراء منزل، والحفلات، واللحظات السعيدة في حياتهم.

على العكس من ذلك، كل إنسان يختبر حياته بكل أبعادها؛ من النجاحات واللحظات السعيدة إلى الهموم والمشاكل المالية والخلافات العائلية والأيام التي لا يحدث فيها أي شيء مميز. ونتيجة لذلك، فإن مقارنة الحياة الحقيقية للفرد بأجزاء مختارة من حياة الآخرين يمكن أن تخلق صورة غير متكافئة للوضع الفردي والاجتماعي.

وبطبيعة الحال، هذه التجربة ليست واحدة لجميع المستخدمين، ولا يمكن القول أن كل نوع من استخدام الشبكات الاجتماعية يؤدي إلى عدم الرضا أو الشعور بالوحدة. وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما يقتصر التواجد في الفضاء الإلكتروني على مراقبة حياة الآخرين باستمرار بدلاً من المشاركة في علاقات حقيقية.

في مثل هذه الحالة، قد يكون المرء على دراية بتفاصيل حياة الكثير من الناس، لكن هذا الوعي لا يؤدي بالضرورة إلى معرفة أعمق أو علاقة حميمة معهم. إن الوعي بحياة الآخرين يختلف عن المشاركة في حياتهم؛ كما أن متابعة العلاقة من خلف الشاشة لا تحل محل تجربة الرفقة والدعم المباشرة.

الشعور بالوحدة؛ مشكلة تتجاوز الشبكات الاجتماعية

التركيز فقط على الشبكات الاجتماعية يمكن أن يخفي العوامل الأوسع التي تساهم في تكوين الشعور بالوحدة. وتشير منظمة الصحة العالمية في تقريرها لعام 2025 إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بالوحدة والعزلة الاجتماعية؛ بما في ذلك الحياة الانفرادية، والتغيرات المهمة في الحياة، وفقدان الوظيفة، والهجرة، والانفصال، والظروف الاقتصادية غير المواتية، وضعف موارد الدعم، وعدم وجود مساحات مناسبة للتفاعل الاجتماعي.[1]

ومن وجهة النظر هذه، ينبغي دراسة الشبكات الاجتماعية في سياق التطورات الأوسع في المجتمع. إن توسع المدن، وإطالة طرق التنقل، والهجرة من أجل التعليم والعمل، وتغيير أنماط العمل، ونقل جزء من التفاعلات الاجتماعية إلى البيئات الرقمية، يمكن أن تؤثر جميعها على طريقة تكوين العلاقات الإنسانية واستمرارها.

في مثل هذه المواقف، يمكن أن تكون التكنولوجيا جزءًا من الحل، وإذا تم استخدامها بشكل غير متناسب، فقد تساعد في تفاقم بعض المشكلات. بالنسبة لشخص يبعد أميالاً عن عائلته، يمكن أن تكون مكالمات الفيديو وسيلة فعالة للبقاء على اتصال. يمكن أيضًا للشخص الذي انتقل مؤخرًا إلى مدينة أخرى التعرف على مجموعات ذات تفكير مماثل من خلال الشبكات الاجتماعية وتكوين علاقات جديدة.

ولكن إذا حلت التفاعلات الافتراضية محل جميع الاتصالات وجهاً لوجه أو حدت من فرصة تكوين علاقات وثيقة، فقد تكون النتيجة مختلفة.

ولذلك، فإن السؤال الرئيسي ليس ما إذا كانت الشبكات الاجتماعية جيدة أم سيئة بطبيعتها؛ وبدلا من ذلك، ينبغي لنا أن ندرس المكان الذي وجدته هذه الأدوات في حياة الناس، وما هي الاحتياجات التي تلبيها، وما إذا كانت تساعد في تعزيز العلاقات الهادفة أو تأخذ مكانها تدريجيا.

نوعية العلاقة أهم من عدد الروابط

من الأخطاء الشائعة في تحليل الوحدة هو قياسها بناءً على عدد الأصدقاء أو مدى شبكة التواصل بين الأشخاص. لا يحتاج الإنسان بالضرورة إلى مئات الأصدقاء؛ ما يهم هو إقامة علاقات حيث يمكنه إظهار حقيقته، والتحدث عن مخاوفه، ويكون ضعيفًا، ويحصل على الدعم من الآخرين في الأوقات الصعبة.