الحياة تُرى حتى بالعينين المغمضتين / نظرة إلى فيلمين وثائقيين بمناسبة اليوم العالمي للمكفوفين
يقدّم الفيلمان الوثائقيان «نارسیس» للمخرجة زینب كريمي و«ارقص معي» للمخرج محمد صفا تجارب مختلفة من حياة المكفوفين، روايات عن الاستقلال والقبول والصداقة والسعي إلى مواصلة الحياة.
زهرة بساطي: يوم 23 أكتوبر يُسمى اليوم العالمي للمكفوفين أو يوم العصا البيضاء؛ فرصة للاهتمام بحقوق وقدرات وتحديات المكفوفين وضعاف البصر. يمكن أن تكون السينما أيضًا وسيلة للتعرف على التجربة الحياتية لهؤلاء الأشخاص عن كثب؛ ليس بالشفقة، بل بمرافقتهم في حياتهم اليومية وتفهم همومهم ورغباتهم.
ويتناول الفيلمان الوثائقيان "نرسيس" و"الرقص معي" هذه التجربة من اتجاهين مختلفين. أحدهما يروي حياة امرأة تحاول تمكين الآخرين، والآخر يحكي عن صداقة فتاتين تختلف ظروفهما ومشاعرهما عندما تواجهان العمى.
"النرجس"؛ المرأة التي تمهد الطريق للآخرين
ويرصد الفيلم الوثائقي "نرجس" من إخراج زينب كريمي ومدته ساعة و16 دقيقة، حياة نرجس شرار؛ امرأة كفيفة منذ ولادتها وتعمل على تمكين الأطفال والمراهقين المكفوفين من خلال الأنشطة التعليمية والفنية.
يبدأ الفيلم بدخول نرجس "حديقة الحواس" وتتابعها الكاميرا في العمل والمنزل ومع الأصدقاء وفي تنقلاتها اليومية. وفي هذا المركز تقوم نرجس بتدريس طريقة برايل واللغة الإنجليزية وقراءة القصص للطلاب من مختلف الأعمار، كما تهتم بالشعر والنحت. إلا أن علاقته بطلابه لا تقتصر على التعليم؛ ويحاول أن يكون له دور في تعزيز ثقتهم بأنفسهم ودعمهم العاطفي.
لقد ساعدت تجربة العمى الخلقي نرجس على فهم التحديات التي يواجهها الأطفال المكفوفون عن كثب. لقد حول هذه المعرفة إلى فرصة لمساعدة الآخرين ومحاولة تمهيد طريق حياة أكثر استقلالية لهم من خلال توفير إمكانية التعليم والتمكين.
بالطبع حياة نرجس لا تقتصر على الأنشطة الاجتماعية. بالإضافة إلى اهتماماته المهنية، يصور الفيلم أيضًا لحظات من حياته الشخصية؛ من التواجد مع العائلة والأصدقاء إلى مواجهة المشاكل اليومية. المشاكل المالية التي يعاني منها "بغجة حواس" هي أيضاً جزء من الرواية؛ مشكلة تحاول نرجس حلها وتظهر جانبًا آخر من مسؤوليتها.
لقد سجل كريمي حياة الشخصية الرئيسية بأسلوب المراقبة، دون إجراء مقابلات مع الآخرين والتدخل بشكل مباشر في المواقف. تتيح هذه الطريقة للجمهور فرصة التعرف على نرجس بعيدًا عن عماها وكامرأة مستقلة ونشطة ومجتهدة. اسم الفيلم مشتق من اسم نرجس وجذره اليوناني "نرجس".
"الرقص معي"؛ دعوة لمواصلة الحياة
الفيلم الوثائقي "ارقص معي" للمخرج محمد صفا (من إنتاج مركز تطوير السينما الوثائقية والتجريبية والرسوم المتحركة)، يروي حياة فتاتين تدعى راحلة وفايزة. راحلة عمياء، وفائزة تواجه تراجعاً في الرؤية واحتمال فقدانها تدريجياً؛ تجربتان مختلفتان تؤديان إلى تكوين جزء مهم من رواية الفيلم.
في بداية الفيلم كان لرحيلة حضور أقوى. إنها فتاة نشيطة تحب الرقص وتكافح من أجل العثور على مدرب وتعلمه. ترافقه الكاميرا في المنزل وخارجه وتتابع حياته اليومية. تقبلت راحلة عماها ورغم الصعوبات، إلا أنها تواصل البحث عن تجارب جديدة وتحقيق اهتماماتها.
بعد حوالي 20 دقيقة من بداية الفيلم، كان تركيز السرد أكثر على فايزة؛ فتاة لم تتمكن بعد من التغلب على احتمال فقدان بصرها. تظهر ردود أفعاله مدى صعوبة مواجهة هذا الواقع. وفي هذا الطريق تلعب راحلة دور رفيقته ومرشدته؛ صديق يحاول دعوة فايزة لمواصلة الحياة وقبول الظروف الجديدة بتجربته الشخصية.
الفرق بين هاتين الشخصيتين يجعل من "الرقص معي" قصة عن القبول. تنظر راحلة إلى الحياة بمزيد من الهدوء والطاقة، بينما لا تزال فائزة تكافح مع مخاوفها وهمومها. يذكرنا الفيلم بأن الناس ليس لديهم نفس ردود الفعل عندما يواجهون تغييرات كبيرة، وقبول الشروط الجديدة ليس بالأمر السهل على الجميع.
ومن خلال أسلوب المراقبة، أحضر محمد صفا الكاميرا مع شخصياته دون التدخل المباشر في المواقف. بهذه الطريقة، يستطيع الجمهور فهم الفرق بين تجربتي رحيلة وفايز من خلال حياتهما اليومية وصداقتهما.
وأوضح منتج الفيلم سيد جمال أودسمين، حول اختيار اسم "ارقص معي"، أن فائزة في طريق "الصيرورة" وتحتاج إلى دليل لتجد طريقها؛ الدور الذي تلعبه رحيلة بالنسبة له. عنوان الفيلم يأتي من هذا؛ يبدو الأمر كما لو أن رحيلا تدعو صديقتها والآخرين إلى الحياة وتذكرها أنه على الرغم من الصعوبات، لا يزال بإمكانها التحرك وخوض تجارب جديدة.
روايتان لرؤية الحياة من زاوية أخرى
ينظر كل من "نرسيس" و"ارقص معي" إلى حياة المكفوفين من منظور مختلف؛ يحكي أحدها عن امرأة حولت تجربتها الشخصية إلى فرصة لتعليم الآخرين وتمكينهم، ويصور آخر صداقة حيث يمكن للرفقة أن تجعل المواقف الصعبة أكثر سهولة في القبول.
ويُنصح بمشاهدة هذين الفيلمين الوثائقيين بمناسبة اليوم العالمي للعصا البيضاء؛ فرصة لفهم تجربة حياة المكفوفين وضعاف البصر بشكل أفضل، ولنتذكر أن وراء كل تجربة مختلفة، هناك إنسان له رغباته واهتماماته وقدراته. ولعل أهم إنجاز لهذه الأفلام هو أنها تساعدنا على رؤية حياة الناس بدلاً من تعريفهم بقيودهم.
تم إطلاق فيلم "ارقص معي" في هاشور، كما سيتم عرض فيلم "نرجس" الذي عُرض في مهرجان "سينما غيكريت" التاسع عشر قريباً على الإنترنت.