كيف نُؤنس الأطفال بالقرآن؟؛ الإجبار يُضعف الميل إلى كلام الوحي
إن تكوين الميل إلى القرآن لدى الأطفال يرتبط بسلوك الوالدين وبالجو السائد في الأسرة أكثر مما يرتبط بالتعليم الرسمي وبرامج الحفظ. تبدأ التربية القرآنية منذ السنوات الأولى من العمر، ويمكن للقصص القرآنية واللعب والتشجيع وتقليد سلوك الأب والأم أن تهيئ الأرضية لأنس الأطفال بكلام الوحي؛ في المقابل، قد يبعدهم التشدد والإجبار عن القرآن.
إن إثارة الاهتمام بالقرآن لدى الأطفال يعتمد على سلوك الوالدين والجو السائد في الأسرة أكثر من برامج التعليم والتحفيظ الرسمية. يبدأ التعليم القرآني منذ السنوات الأولى من الحياة، ويمكن للقصص القرآنية والألعاب وتشجيع ونمذجة سلوك الوالدين أن توفر الأساس لتعريف الأطفال بكلمة الوحي. ومن ناحية أخرى فإن التشدد والإكراه قد يبعدهم عن القرآن.
وبحسب قاعدة الفكر والثقافة التبشيرية، فإن الاهتمام بالقرآن لا يتشكل بحضور الفصول التعليمية أو حفظ بضع سور؛ بل تتأصل في الطفل عندما تكون التعاليم القرآنية حاضرة في الحياة اليومية للأسرة ويرى الطفل آثار هذه التعاليم في سلوك والديه وأخلاقهما. المنزل هو البيئة الأولى التي يتعرف فيها الطفل على المفاهيم الدينية، ويتأثر موقفه تجاه القرآن إلى حد كبير بتجاربه المبكرة في هذه البيئة.
ويقول الله في الآية التاسعة من سورة الإسراء: "وهذا هو القرآن الذي يهدي الناس". وهذا يعني أن هذا القرآن يهدي بالطريقة الأكثر استقرارًا. وعلى هذا فإن تعريف الأطفال بالقرآن سيكون أكثر فعالية عندما يتجاوز هذا الكتاب السماوي مجرد نص احتفالي بحت ويصبح دليلاً للحياة الفردية والاجتماعية.
وبدلاً من التأثر بنصيحة الوالدين المباشرة، يقوم الأطفال بمراقبة سلوكهم ووضع نموذج له. إن تخصيص وقت محدد لتلاوة القرآن الكريم، والاهتمام بالتعاليم الدينية عند اتخاذ القرارات، ومراعاة الأخلاق القرآنية في التعامل مع الآخرين، من السلوكيات التي يمكن أن تعزز الاهتمام بالقرآن لدى الأطفال بشكل غير مباشر. ومن ناحية أخرى، فإن قصر حضور القرآن في المناسبات الخاصة أو طرحه فقط عند تقديم النصائح والأوامر للأطفال، قد يحول دون تكوين علاقة عميقة ومستقرة بهذا الكتاب الإلهي.
ينبغي أن يكون تعليم القرآن مناسباً لعمر الطفل وروحه
من المبادئ المهمة في التربية القرآنية اختيار الأساليب المناسبة لعمر الأطفال وقدرتهم واحتياجاتهم العاطفية. ولا ينبغي أن يكون تعليم القرآن مصحوباً بالصرامة أو الإكراه أو التوقعات التي تفوق قدرة الطفل. في السنوات الأولى من الحياة، يمكن أن يوفر استخدام القصص القرآنية والروايات البسيطة لحياة الأنبياء والشعر والألعاب والتشجيع الأساس للتعارف التدريجي وخلق رابط عاطفي مع القرآن.
إن تسهيل تعليم المفاهيم الدينية وخلق جو مليء بالحب والفرح يساعد الأطفال على الاستمتاع بتجربة ممتعة في التواصل مع القرآن. يمكن لمثل هذه التجربة أن تبقى في أذهانهم وتوفر الأساس للاهتمام المستمر بهذا الكتاب الإلهي في السنوات القادمة.
الدوائر العائلية؛ فرصة لتقوية العلاقة مع القرآن
تلعب البيئة الأسرية دورًا مهمًا في تكوين المعتقدات والعادات الدينية لدى الأطفال. وعقد جلسات قرآنية بسيطة وقصيرة هو أحد سبل تعزيز هذه العلاقة. وفي مثل هذه البرامج، يمكنك قراءة بعض آيات القرآن الكريم، وقراءة ترجمتها، ومناقشة معنى ورسالة الآيات مع الأطفال.
ولفعالية هذه اللقاءات، لا داعي لبرامج طويلة ومعقدة؛ بل إن الاستمرارية والبساطة ومشاركة أفراد الأسرة هي الأهم. إن الحديث عن معاني الآيات وربطها بمواقف الحياة اليومية يساعد الطفل على فهم أفضل لتطبيق تعاليم القرآن في حياته.
وجاء في الآية الرابعة من سورة المزمل: أن هذه الآية تؤكد على تلاوة القرآن الموزونة والموزنة. إن الاهتمام بهذا المبدأ في تعليم الأطفال يتيح لهم فرصة التعرف أكثر على مفاهيم القرآن. لا ينبغي أن يقتصر هدف تعليم القرآن على القراءة الصحيحة للكلمات أو حفظ الآيات فقط؛ بل من الضروري أن يفهم الأطفال تدريجياً العلاقة بين رسائل القرآن وسلوكهم واختياراتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
التشجيع بدلاً من اللوم؛ طريقة لزيادة دافعية الأطفال
إن التشجيع في الوقت المناسب والاهتمام بالتحسينات الصغيرة من العوامل الفعالة في زيادة دافعية الأطفال لتعلم القرآن. إن مقارنة الأطفال ببعضهم البعض أو إلقاء اللوم عليهم على ضعفهم في تلاوة وحفظ الآيات يمكن أن يخلق شعوراً بالعجز والإحباط ويقلل من حماسهم للاستمرار في الطريق.
ومن ناحية أخرى فإن الاهتمام بجهود الطفل والإشادة بالتقدم التدريجي وخلق فرص لتجربة النجاح سيزيد من ثقته بنفسه. وبهذه الطريقة، فإن الاهتمام بالقدرات الفردية لكل طفل وتجنب فرض منافسات غير ضرورية يوفر بيئة تعليمية أكثر هدوءًا واستقرارًا.
يبدأ التعليم القرآني في المنزل
ومن أجل تنشئة جيل ملم بتعاليم القرآن الكريم، لا يقتصر المجتمع على البرامج التعليمية، بل يحتاج إلى مساحة تنعكس فيها تعاليم هذا الكتاب الكريم على السلوك اليومي للناس وعلاقاتهم. هدفها هو أن يعرف الأطفال القرآن ليس فقط للتلاوة، ولكن أيضًا كدليل للحياة الشخصية والاجتماعية.
وبهذه الطريقة يكون الوالدان النموذج التربوي الأول للأطفال ويمكن لسلوكهم أن يلعب دورًا حاسمًا في تكوين موقف الأطفال تجاه القرآن. وبقدر ما يرتبط جو البيت بالحب والصدق والاحترام والأخلاق الحميدة وذكر الله، فإن مجال التوجيه الطوعي للأطفال لتعاليم القرآن سيتعزز أيضا.
وأخيرًا، فإن خلق علاقة دائمة مع القرآن، بدلًا من الاعتماد على الإكراه وتكرار الوصايا، يتطلب القدوة العملية من الوالدين، والصحبة العاطفية للأسرة، وتقديم تجربة حلوة مناسبة لعالم الأطفال؛ نهج يمكن أن يحول القرآن من مهمة تعليمية إلى جزء ذي معنى من حياة الأطفال.